نظمت وحدة البحث "المجتمع والمجتمع الموازي" بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة ندوة دولية متميزة تحت عنوان " المجتمع الموازي بين الهامشية والوظيفية" أيام 21 و 22 و 23 أكتوبر 2009، وقد انفتحت هذه الندوة التي احتضن يومها الثاني فضاء بيت الحكمة بقرطاج، على مختلف الاختصاصات و ميادين العلوم الإنسانية وتضمنت جلساتها العلمية 39 مداخلة لباحثين من تونس ولبنان والأردن والجزائر والمغرب وفرنسا. تدارست المجتمع الموازي بمختلف أبعاده (الموازي الاقتصادي، الموازي الاجتماعي، اليومي الموازي، الموازي الأدبي، الهوية الموازية، التواصل الموازي، الموازي والنزوع نحو الاندماج، السلطة الموازية، الموازي الديني) .
وقد انطلقت فعاليات هذه الندوة الدولية الثانية التي واكبنا جزءا من أشغالها بمفهوم المجتمع الموازي وحدوده من خلال مقاربة سوسيولوجية للأستاذ المولدي قسومي لشروط التلازم البنيوي والانفصال الوظيفي بين المجتمع والمجتمع الموازي الذي يبرز البحث أنه ليس مجرد مجتمع خارج عن الضوابط والقواعد وإنما قد يتماهى بل يتكامل في مستوى أدائه مع المجتمع الأصلي كأنه أحد اشتقاقاته في شكل من أشكال تقاسم الأدوار أو الشراكة، حيث يتم إعادة إنتاج نفس الخاصيات الملزمة للمجتمع السائد ولا سيما خاصيتي الثبات (النظام) والاستمرار (الحراك)، بما يعنى أن المجتمع الموازي حقيقة وقائعية وميدانية متجذرة ومؤثرة في مستوى الفعل الاقتصادي والسياسي والثقافي، وبقدر ما يفتقر المجتمع إلى الآليات التعديلية الضابطة تظهر فعاليات إفراز المجتمع الموازي، إما باعتباره نتيجة طبيعية لفشل الدور التعديلي الرسمي وإما لأجل القيام بالدور التعديلي الذاتي (اقتصاد السوق ذات التنظيم الذاتي). وفي هذا السياق تطرق الباحث إلى علاقة الدولة بالمجتمع حيث تكون الدولة في بعض البلدان أقوى من المجتمع وهي التي تتحكم في بلورة التحولات الاجتماعية، مشيرا إلى مفهوم الدولة البانوبتية (وهو مفهوم ظهر سنة 1972) كدولة مهنوية توظف كل الشبكات التنظيمية من أجل خدمتها.
أما الأستاذ علي الموسوي الذي تناولت مداخلته مسألة اقتصاد المخدرات والبنية العشائرية في لبنان فقد عبر عن عدم اتفاقه مع مصطلح "المجتمع الموازي" باعتبار أنه يخفي حقيقة الأشياء ويوحي كمفهوم هندسي بعدم الالتقاء مع المجتمع الأصلي في حين أنه يتقاطع معه ويتداخل، مفضلا استعمال مفهوم " المجتمع الهامشي" مع التذكير ببقية التعبيرات المستعملة في هذا المجال مثل الطرفي وغير الرسمي والشبحي والخفي وغير الشرعي…، و أكد أن لبنان منتج للجماعات الموازية بامتياز. أما اقتصاد الظل فيشمل كافة أشكال العلاقات الاقتصادية (بيع وشراء، دائنية ومديونية، أرباح…) ويستفيد من التواطؤ والحماية من طرف بعض الهياكل المسؤولة في الدولة. وأشار في هذا السياق إلى البحث السوسيولوجي الذي تطرق فيه أنتوني غيدنز إلى ظاهرة الجريمة المنظمة (تهريب، قمار، شبكات دعارة…)، متسائلا حول الأسباب التي تدفع جماعة ما إلى اعتماد نشاط اقتصادي غير قانوني. واعتبر أن الفقر هو أحد العوامل الأساسية إلى جانب البنية العشائرية المسلحة والكيان الطائفي في لبنان حيث نجد أن " الكل مواز" فالتعليم الخاص أهم من التعليم الحكومي والأحوال الشخصية (الزواج) بيد الطوائف الدينية وكذلك الخدمات الصحية والاجتماعية بيد الأحزاب (حزب الله، المستقبل…)، كما أن العلاقات القرابية تيسر النشاطات غير المشروعة. ولأن الجماعات الكيانية في لبنان أقوى من الدولة فليس هناك مصلحة عامة ولذلك فإن لبنان في أزمة مستمرة. أما زراعة المخدرات فقد جاءت نتيجة التهميش وغياب سياسية إنمائية دينامية، وقد بدأت في زحلة خلال العهد العثماني ثم انتقلت إلى منطقة الهرمل سنة 1930 والتي كانت متمردة على الانتداب الفرنسي وعلى دولة الاستقلال. وهي تتميز بعصبيتها ونمطها البدوي الذي لا يتلاءم مع الزراعة العادية التي تتطلب جهدا مستمرا . وشهد الاقتصاد الموازي في لبنان انتعاشة مع بداية الحرب الأهلية سنة 1975 ، والطريف أن السلم الأهلي خلالها بين كل الطوائف اقتصر فقط على المخدرات التي كانت طرقها سالكة في كل الاتجاهات. كما شهدت تلك الفترة توافقا ميليشيويا على تقاسم موارد المحروقات والتبغ المستورد… ثم توقفت زراعة المخدرات كليا بعد اتفاق الطائف والوجود السوري لتعود بعد خروجه. خصوصا وأنها ذات كلفة إنتاج بسيطة ولا تحتاج إلى رساميل كبيرة أو مياه كثيرة. وأكد الباحث اللبناني أن القضاء على اقتصاد المخدرات لا يمكن أن يتم بالحل الأمني وحده أوالقمع، وإنما لا بد من حلول تنموية شاملة وحقيقية.
في بعد آخر من أبعاد المجتمع الموازي قدم الأستاذ الهادي المثلوثي مداخلة حول " البدون" في الخليج العربي بين التهميش والتوظيف (الكويت نموذجا). وعرّف "البدون" بأنهم مجتمع خارج المواطنة وخارج الدولة التي جعلت منهم مشكلة لخلل فيها ونقص في بنائها. وهم غير حاملين للجنسية القانونية، وقد بدأ في ثمانيات القرن الفارط إثر محاولة اغتيال أمير البلاد تجريدهم من بعض الامتيازات (كانوا في السابق يوظفون في الجيش والشرطة…)، وهرب العديد منهم خارج الكويت سنة 1990 مع الجيش العراقي، لينخفض عددهم من حوالي 220 ألف إلى قرابة 110 آلاف (10 بالمائة من سكان الكويت)، وهم محرومون حرمانا تاما ويعيشون على أطراف المدينة والبادية ويشكلون تهديدا كامنا خطيرا للوضع الأمني والاجتماعي. ولكن القوانين الدولية لا تسمح بطردهم خارج البلاد. مما يستدعي ضرورة إيجاد حل جذري وهو التجنيس الذي ما زالت الحكومة تعارضه (خصوصا بالنسبة إلى الشيعة).
وفي سياق متصل، قدم الأستاذ عاطف عطية من لبنان مداخلة حول "دولة المطلوبين" في طرابلس الشام التي كانت متعاطفة مع المقاومة ا






























