في منتدى التقدم : لقاء حول الذاكرة الوطنية مع الدكتور عبد الجليل التميمي

كتبهاعادل القادري ، في 9 مايو 2008 الساعة: 11:13 ص

tmimi2  استضاف منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم الجمعة 2 ماي الجاري الدكتور عبد الجليل التميمي (مدير مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات) في لقاء فكري حول الذاكرة الوطنية،  أشرف على افتتاحه السيد محمد بوشيحة الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية الذي نوّه بالجهود الدؤوبة لضيف المنتدى وتفانيه في خدمة البحث العلمي كمؤرخ متميز،  مشيرا إلى بعض المحطات من مسيرته الثرية والمتنوعة، كتأسيس مجلة مغاربية للدراسات التاريخية و إعادة النظر في العلاقات العربية العثمانية و الاهتمام بالدراسات الموريسكية علاوة على إلقاء الضوء على قضايا الفكر المعاصر، والموقع الهام الذي أصبحت تحتله سيمنارات الذاكرة الوطنية في إثراء الحياة الفكرية والسياسية، باعتبار أنه في استرداد الماضي وإنقاذ الذاكرة من محاولات الطمس والتشويه والتلاعب دعم للهوية وتطوير لتصورنا للمستقبل،  كما أكد أن حرية التعاطي مع الذاكرة تمثل شرطا من شروط دعم الديمقراطية معتبرا أن إلغاء الإيداع القانوني ودعم صحف المعارضة وغيرها من المبادرات الأخيرة للرئيس زين العابدين بن علي تصب في هذا الاتجاه، داعيا إلى تدعيم الحريات الأكاديمية وحمايتها وتطوير مجال ممارستها تفعيلا لمسار البحث العلمي والتنمية. 

ثم قدّم الأستاذ الدكتور عبد الجليل التميمي محاضرة بعنوان : دور سمينارات الذاكرة في تأريخية بناء الدولة الوطنية، أثارت نقاشا ثريا،  شارك فيه السادة محمد الصياح والطاهر بوسمة وعادل الحاج سالم ومحمد العروسي الهاني و رشيد التراس وصالح الزغيدي والعياشي بالسايحية وعبد الرحمان كريم وسامي العكرمي وعبد الحميد العلاني وبحري العرفاوي ورضا بن حسين والسيدة وسيلة العياري. tmimi3 وفيما يلي النص الكامل لمحاضرة الدكتور عبد الجليل التميمي :

إن الحديث عن الذاكرة الوطنية التي بدأناها في أواخر القرن الماضي وتواصلت بانتظام مطلق, يحتاج إلى ساعات لشرح خلفية تنظيم هذه السمينارات وما أنجزناه في هذا المجال.

لنذكر أولا بعدم تنظيم ولو مؤتمرا واحدا عن الرئيس السابق, كما غابت كل الخطب وحتى الكتب والتآليف التي أشرف عليها سي محمد الصياح, هي الأخرى أصبحت نادرة العثور عليها. وأذهب إلى الاعتقاد أن من مميزات بلادنا الحضارية, هو قدرتها على التفاعل السليم مع أبطال تاريخنا على مر العصور وعدم إهمال مآثرهم وإنجازاتهم الحضارية… والرئيس الحبيب بورقيبة هو أحد أبطال وطننا خلال القرن الماضي وقد لعب دورا مباشرا ورئيسيا في إنشاء وبناء الدولة الوطنية.

من هذا المنطلق, تبنينا عقد المؤتمر الأول عن الرئيس الحبيب بورقيبة وكان موضوعه أسس بناء الدولة الوطنية. وتوالى عقد المؤتمرات: الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس وأخيرا السابع ونشرنا جميع البحوث المقدمة بل وكما قمنا بنشر جميع الحوارات التي تمت.

سوف أتوقف حول الاستنتاجات الأساسية التي خلصنا إليها بتنظيم هذه المؤتمرات:

أولا: أنه لا توجد في تونس أو في غيرها من البلدان إنجازات بحثية تناولت أسس بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال، ما عدا بعض العناوين الصادرة بفرنسا وتناولت عددا محدودا من القضايا وغيب تماما دور الشعب والنخب في هذا البناء للدولة.

ثانيا : سجل غياب الحوار بين السياسيين والفاعلين والمؤرخين على اختلاف توجهاتهم الفكرية وهم المعنيون بهذه الفترة وهذا لأسباب عديدة ليس مجال ذكرها هنا.

ثالثا: أن المؤرخ لفترة الرئيس السابق تعدمه أساسيات البحث العلمي, ونعني به المادة الأولى وأي أرشيفات دولة الاستقلال، التي هي مغلقة تماما، وهي أرشيفات وزارة الداخلية والعدالة والخارجية والحزب والتعليم العالي والبحث العلمي وبقية الوزارات, وكان الأفضل بدء فرز هذا التراث الأرشيفي وإيداعه في الأرشيف الوطني التونسي، باعتباره المؤتمن الوحيد على الذاكرة الوطنية الجماعية. وللعلم فهناك تحولات مهمة جدا في الدول عبر العالم لفتح أرشيفاتها حتى السرية منها وتم ذلك بالنمسا وقبل ذلك بروسيا والدول التابعة للاتحاد السوفياتي في فتح الأرشيفات السرية بما في ذلك للمؤرخين والباحثين أرشيفات التعذيب والقتل والتصفية الجسدية, فقد فتحت.

رابعا : أننا أمام هذه الوضعية الدقيقة المتسمة بانحسار المادة الوثائقية الأرشيفية لكتابة تاريخ الزمن الحاضر, نذكر هنا بتجارب علمية هامة جدا على الصعيد الدولي مثل تجربة بريطانيا وفرنسا والدول الاشتراكية وحتى في الدول البلقانية من الحرص الشديد على جميع شهادات ليس فقط الفاعلين السياسيين, ولكن أيضا عموم الشخصيات والنخب وعموم الأفراد الذين لديهم ما يقولونه ويسجلونه للحفاظ على الذاكرة الوطنية الجماعية.

فالذاكرة الوطنية هي معرفة الماضي بكل تفاصيله وهو الفعل الاستنطاقي لمخزون الذاكرة، ولا شك أن تاريخ الشعوب والأبطال والحضارات هو تمثل الأحداث الحاصلة وسردها بأمانة وبدقة ما يمثل التجسيم الحقيقي للذاكرة.

وقد أكد الفيلسوف المؤرخ Garnier أننا نعيش الحاضر الذي هو قوة الاستشراف بما تنجزه، بما نعانيه وأنه من المستحيل علينا أن لا نأخذه بالاعتبار, ذلك أن الذاكرة الوطنية هي مجمل الإنجازات التي جمعت بين السرد والعمل الفعلي, وعليه فإن الذاكرة هي القدرة التي تمكننا من تمثل التجارب من خلال تفعيل هاته الذاكرة Stimulation de la mémoire ولسائل أن يتساءل اليوم عن تداعيات هاته التجربة التوثيقية للذاكرة على صعيد ليس فقط تونس والمغرب العربي, بل والوطني العربي ؟

نذكر هنا بالقواعد المنهجية التي انتهجناها في صيرورة تنظيم سمينارات الذاكرة الوطنية :

أولا: أننا لأول مرة في تأريخية بلادنا، منحنا منبر المؤسسة إلى جميع التونسيين والتونسيات على اختلاف تياراتهم وقناعاتهم وايديولوجياتهم الفكرية والمذهبية، وقد تمكن معظم الوطنيين والسياسيين على اختلاف ومجموعة آفاق Perspectives  واليساريين والبعثيين والعروبيين وكانوا جميعهم محرومين أصلا من الكلام لإبداء رأيهم في عديد الإشكاليات والقضايا في زمن الرئيس السابق. كما دعونا بناة ورواد الجامعة التونسية على اختلاف تخصصاتها وكل من ساهم في إنشائها وتطورها, أن يقولوا كلمتهم في ذلك. ثم منحنا هذا المنبر إلى المثقفين ورجال المسرح والتربية والرسامين والموسيقيين, لتعزيز الذاكرة الوطنية الجماعية، من خلال نقلهم لنا بالصوت والصورة، كل المعلومات التي مازالوا محتفظين بها في ذاكرتهم أي من أرشيفات صدورهم، وقد شرفنا أكثر من 130 شخصية تونسية استجابة لندائنا الحضاري والعلمي, لتعزيز وإذكاء الذاكرة الوطنية، وأحب هنا أن أنوه بكل الشخصيات الوطنية التي قبلت دعوتنا وقد تمكنا حتى اليوم من نشر 77 نصا، كان آخرها هذا الكتاب الجديد الذي ظهر قبل يومين :سيمنارات الذاكرة الوطنية وتاريخ الزمن الحاضر (الجزء الأول). ونعد الآن أكثر من 55 نصا جديدا للنشر قريبا.

وإلى القارئ الآليات التي تم تبنيها في تنظيم عدة السمينارات :

أولا: أننا دافعنا عن مبدأ منهجي أساسي قضى بجمع المادة المعلوماتية التي يمدنا بها أي ضيف على منبرنا, واحترمنا كل الآراء المعبرة عنها على اعتبار أن ذلك يمثل وجهة نظر واحدة وأن توجهات الذاكرة الوطنية هي متعددة أصلا أو لا تكون، وعليه يمكن تغييب الطرف المقابل، بل أننا الفضاء الوحيد في بلادنا الذي عمق الحوار بين التونسيين من خلال تنظيم الرؤى المتقاطعة مثل ما حصل بين محمد الصياح ونور الدين بن خذر أو بين الطاهر بخلوجة ومحمد بلحاج عمر وغيرهما، كما أننا فسحنا المجال لمحاججة شهادات البعض وشارك كل الحاضرين في المناقشة وإبداء الرأي المؤيد أو المعارض, ذلك أن ما حصل في الماضي هو التمثل الحقيقي للذاكرة الوطنية.

ثانيا: لقد آخذنا البعض على هذا التوجه السليم الذي تبنيناه وطالبنا البعض الآخر على عقلنة الاختيار من خلال تشكيل لجنة علمية مضيقة بالمؤسسة لتسهر على الإعداد الفني للملفات المثارة في محاولة منها حسن المردودية وعقلنة النتائج المرجوة في تنظيم هذه السلسلة من سمينارات الذاكرة الوطنية كل أسبوع. إلا أن رؤيتنا تتناقض تماما مع هذا التوجه المراد منه التأثير على صيرورتها وعدم إثارة الملفات الشائكة التي تزعج بعض الجهات التنفيذية في السابق وكشف الحقائق المغيبة اليوم في منظومة التأطير العلمي للأحداث, وأعلنا عن قناعة أن منبرنا مفتوح للجميع دون استثناء وأن كل واحد من 130 مدعو قد ساهم بطريقته في تعزيز قاعدة البيانات التي تم إنشاؤها.

ثالثا: أننا ساهمنا في دمقرطة مصادر البحث التاريخي، عندما أخذنا بالاعتبار شهادات ومواقف رجالات الحركة الوطنية الذين ساهموا في مسارات الحركة الوطنية, عندما أفردنا لهم عديد السمينارات لأدوار مناطقهم الجغرافية في الحركة الوطنية مثل فضاءات بنزرت وصفاقس والقيروان والمقاومة المسلحة والجنوب، وهي الفضاءات المغيبة في السابق تماما لأسباب مزاجية أو كيدية واعتباطية بحتة، وقد أبرزنا أدوارها الطلائعية ونضال أبنائها واخلاصهم وتفانيهم الصادق في خدمة القضية الوطنية، وأن دورنا كمؤرخين هو إبراز ذلك والتوقف عنده مليا حتى يدرك الجيل الحالي وكذا الأجيال المقبلة, أدوار هؤلاء المواطنين البررة الذين آمنوا بالوطن كمبدأ لا نقاش فيه، وقد دفعوا ثمن ذلك عاليا وغاليا عن طريق سجنهم وتعذيبهم وحرمانهم من التمتع بدولة الاستقلال التي ضحوا من أجلها بالكثير، وقد برز ذلك جليا في تحجيم هذه المناطق ودحرجتها وعدم تمتعها بنتائج الاستقلال السياسي.

رابعا: أن متن هاته الشهادة الشفوية, ليست نصوصا مقدسة تؤخذ على علاتها دون نقاش, بل على العكس، نؤكد أن هاته النصوص غير محايدة ولا هي نزيهة ولا أمينة، بل أنها تعكس مواقف أصحابها ورؤيتهم وتحليلهم للأحداث من خلال وجهات نظرهم للدفاع عن مصالحهم ومواقفهم السياسية المتعددة وعلى المؤرخين وحدهم إجراء المقاربات والمقارنات الضرورية  مع غيرها من النصوص الشفوية أو المكتوبة إن وجدت لكتابة تأريخية الزمن الحاضر.

ومع هذا أود أن أتقدم ببعض الاستنتاجات الجوهرية التي اختمرت لدي شخصيا من خلال معالجاتنا لهذه النصوص، لأؤكد أن 77 نصا لشهادات الذاكرة الوطنية التي نشرناها حتى اليوم، تعد معينا ثريا وأساسيا لكتابة تاريخ بناء الدولة الوطنية، وهي لعمري نصوص لا يمكن لأي باحث أو مؤرخ عدم الرجوع إليها للوقوف أمام حقائق جديدة حول الأحداث والشخصيات وخلفية القرارات السياسية والاقتصادية والتربوية التي كانت اتخذت وتداعيات ذلك.

وفضلا عن ذلك فإن قراءة هاته النصوص والتوقف عندها مليا سيكشف لنا آليات تسيير دواليب الدولة والأخطاء الخطيرة التي ارتكبها بعض المسؤولين في عهد الرئيس السابق والتي يتحملها وحده، باعتباره المسؤول الأول. كما أن هاته النصوص أوضحت لنا بشكل بارز كيف أن تونس حظيت ببروز شخصيات سياسية استثنائية قامت على كواهلهم بنظافة ونزاهة، أعباء بناء الدولة، من جهة أخرى هناك المئات من أبناء تونس، وهم الذين يعدون أنفسهم الأبناء الحقيقيون لبورقيبة, قد سيموا الهوان والظلم وعذبوا وقضوا زهرة شبابهم في السجن، وذنبهم أن اجتهاداتهم الفكرية كانت متقاطعة تماما مع اجتهادات النظام. وفي نفس الوقت هناك مسؤولون آخرون وهم عديدون، تطاولوا على الحقيقة ولم يكونوا أمناء ولا نزهاء، بل طوعوا كل شيء من أجل تبني منهج سلطوي, أضاع على بلادنا فرص الانفتاح السلم الاجتماعي والديمقراطية الهادفة والمتوازنة وكانت تونس باستطاعتها أن تكون النموذج الأفضل للتنمية الاجتماعية والسياسية والفكرية في فضائنا العربي برمته.

وقد ذكر بعض المتقولين أن هاته السمينارات تمت وكان هدفها هو التقليل من شأن الرئيس الحبيب بورقيبة وأنها محل تهريج ومغالطات وتزييف للحقائق التاريخية, كما جاء على لسان سي الباجي القائد السبسي هذا الأسبوع على منبر مؤسستنا يوم السبت الماضي, وقد رددنا عليه في مقال نشر في جريدة الشروق يوم الثلاثاء الماضي 29/04/2008 29/01/2008 وإزاء ذلك أود أن أذكر بالحقائق التالية :

- أن مؤسستنا هي الأولى والوحيدة التي نظمت سبع مؤتمرات عن الرئيس الحبيب بورقيبة, في حين تخلى عنه تماما وبطريقة غير مقبولة من يدعون أنهم من البورقيبيين المخلصين لمبادئه بعدم قيامهم بأي عمل يذكر منذ إقالته من الحكم. إن سمينارات الذاكرة الوطنية هاته, لم تؤلهه كما هو الشأن في السابق وهذا إلى درجة أن أحد وزرائه السابقين, سألناه هل لبورقيبة بعض المساوئ والأخطاء التي ارتكبها ؟ فرد علينا بأنه لم يعثر له على سيئة أو خطأ. ومثل هذه المواقف فإن مقربيه وضعوه فوق كل الانتقادات والتحاليل الموضوعية. إلا أننا من جهتنا الرئيس قد منحنا السابق اهتماما خاصا لدراسة فترة عهده, ذاكرا هنا على سبيل المثال بالدراسة التي خصصناها عن موقفه التاريخي من استقلال موريتانيا, وحيث جعلني اقر بأن الرئيس بورقيبة هو شخصية تاريخية استثنائية على صعيد أجندة رجالات السياسة العربية جميعهم. وهناك مجالات أخرى, أبانت فيه هذه السمينارات المواقف التسلطية والمواقف الارتجالية التي تبناها أعمدة النظام. إن شهادات أحمد بن صالح ومصطفى الفيلالي ومحمود المستيري والشاذلي باي ومحمد النافع والشاذلي العياري ومحمد مزالي وحسين التريكي وتوحيدة بالشيخ وعمر شاشية ومحمد حرمل ومحمد كريم ومحمد الصياح (الذي لم ننشر بعد نصه), والطاهر بلخوجة ومحمد المصمودي والطاهر بوسمة ونجيب البوزيري وعبد العزيز بوراوي والطيب البكوش والعديد من رواد الجامعة والمثقفين وكذا العشرات من رجالات الدولة الذين تم تسجيل شهاداتهم بالصوت والصورة, تشكل جميعها إنجازا توثيقيا يعتز به المؤرخون والباحثون أيما اعتزاز, وقد تحملنا من أجله الأمرين وسوف نواصل رسالتنا حتى نؤدي واجبنا كمؤرخين, للحفاظ على الذاكرة الوطنية لبلادنا من خلال قاعدة البيانات الأساسية التي أنشأها لتاريخ بلادنا وعلى الأخص منه أثناء فترة الرئيس السابق الحبيب بورقيبة.

 

ملاحظة: ننشر في العدد القادم من جريدة الوحدة ملخصا للنقاش الذي أعقب هذه المحاضرة.

(جريدة الوحدة  )

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر