النعرات الجهوية المقيتة…

كتبهاعادل القادري ، في 31 مايو 2008 الساعة: 12:33 م

 يعرف التسامي في علم النفس التحليلي بأنه العملية التي يتم من خلالها تحويل شحنات عدوانية أو جنسية مكبوتة نحو أهداف سامية وتعبيرات ذات قيمة جمالية وروحية واجتماعية مثل الفن و الدين و الرياضة…

ولعل  ما وقع في الآونة الأخيرة بالشارع  التونسي هو العكس تماما حيث لاحظنا تحويل تنافس رياضي رفيع ومشوق إلى تعبئة حاشدة هوجاء لعبت على الانفعالات الجماهيرية المتعاطفة طبيعيا مع أنديتها وتهاوت بها وكثفتها بطريقة عنيفة في شكل ألغام (وليست شماريخ) كنا نظن أنه تم نزعها وتفكيكها تدريجيا ولا سيما خلال العقدين الأخيرين ونقصد بالتحديد النعرات الجهوية المقيتة  التي يبدو أن  زارعيها الجدد لا يدركون خطورتها و أنها قد تنفجر في وجوههم وتحت أقدامهم قبل غيرهم. وقد ينقلب السحر على الساحر…

وهنا ينبغي الاعتراف أنه تم تحميل الملاعب والنوادي الرياضية التونسية ما لا طاقة لها على احتماله من هموم اجتماعية وسياسية لم تجد القنوات المدنية الكافية والمؤهلة للتعبير عنها، وإلا كيف نفسر ذلك العنف غير المبرر و تلك الشماتة المركزة على طرف واحد وذلك التقلب الغريب في المزاج الرياضي العام الذي تحول بقدرة قادر في ظرف ستة أشهر من التفاف رائع حول فريق متميز شرف تونس بكاملها في اليابان والقاهرة إلى اصطفاف أرعن على امتداد الساحات والطرقات ضد نفس النادي ورموزه وأنصاره والجهة الكبيرة التي يمثلها. والأرجح أن ذلك المزاج الشعبي في أغلب الجهات مغلوب على أمره بفعل بعض المحرضين المركزيين المحترفين من ذوي الذوات المتضخمة، أولئك الذين لا يهمهم إلا مصلحتهم الشخصية الضيقة  رافعين الشعار المهلك حتى في وجه الجمعيات التي كانوا وما زالوا يستغلون رئاستها: أنا وبعدي الطوفان.

كما يتأكد اليوم ما تبين بالأمس القريب بالنسبة إلى طرفي ” النزاع” الرئيسيين (ليس على بطولة هذا الموسم)، إن رئاسة الجمعيات الكبرى ليست مما يستحسن توريط حماسات الشباب واندفاعاته بتحملها، حتى وإن استندت إلى مال قارون…

في المقابل يجدر ببعض العاجزين عن الخوض في الشأن العام أو المتعثرين أو المتظلمين الكف عن استغلال الأحداث غير الرياضية الأخيرة للتنفيس عن الخيبات والنكسات وحتى المظالم ولتأجيح ما لا يبتعد كثيرا في درجة السقوط عن هاوية الطائفية ومآزقها وألاعيبها وتوظيفاتها.

 ونأمل أن يلف الشهر القادم في طي النسيان وخلف راية وطنية واحدة تلك الأحداث والنعرات الجهوية المقيتة التي يتعيّن على مختلف الأطراف المسؤولة والمتسائلة العمل بأكثر جدية وحزم على انتزاعها من جذورها في كل المستويات بعد أن تفرعت وأينعت خلال السنوات الأخيرة.

                                                  عادل القادري (جريدة الوحدة)

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر