"نيران صديقة " في مطار بن غوريون: رسالة إلى ساركوزي أم إلى أولمرت؟
كتبهاعادل القادري ، في 26 يونيو 2008 الساعة: 10:59 ص
الفرضية الرابعة التي لن نأخذها على محمل الجد للتعليق على ما حدث من اضطراب وهلع في مطار تل أبيب يوم الثلاثاء 24 جوان الفارط أثناء توديع الرئيس الفرنسي ساركوزي، هي بالضبط الرواية الرسمية الإسرائيلية الأولى والمنقولة من جميع وكالات الأنباء العالمية التي حاولت بدورها التهوين من حجم الحادثة وأبعادها وعدم إيلائها الأهمية التي تستحق، فكيف لو وقعت في مطار عربي؟ وقد تحدثت تلك الرواية المختصرة وغير القابلة للتصديق عن انتحار جندي بل حرس إسرائيلي بإطلاق النار على نفسه على بعد مائة أو مائتي متر من طائرة الرئاسة الفرنسية. ولم ينقص هذه الرواية إلا أن تقول لنا أن الشاب الدرزي المنكود الحظ رائد أسعد غانم (من شمال إسرائيل) قد انتحر ولها وجزعا لوداع السيدة الجميلة كارلا بروني التي هرولت صاعدة في حراسة لصيقة إلى داخل الطائرة دون أن تنتظر زوجها الذي حاول أن يتماسك و يظهر رباطة جأشه وهو يودع بيد مرتجفة السيدين بيريز وأولمرت الذين حشرا بسرعة في سيارتهما المصفحة قبل أن يعودا ليلتحقا بضيفهما المبجل قصد تطمينه و توضيح الصورة أو بالأحرى تلطيفها بعد التأكد من زوال الخطر. والطريف أن الروايات الإسرائيلية الأولى المتضاربة تحدث بعضها أيضا عن حرارة الطقس بعد الظهر وتسجيل حالات إغماء وسقوط الضحية من سطح في المطار وحرصت جميعها على إزاحة أي بعد سياسي أو ” طابع إرهابي” عن الحادثة، ولم يبق لها سوى أن تزعم أن إطلاق النار كان بمفعول الارتفاع التلقائي لحرارة بندقية الشاب الذي شككت عائلته في قصة انتحاره المزعومة باعتبار أنه لا يعاني أي مشاكل نفسية أو غيرها ورجحت أن يكون قتل خطأ من طرف أحد زملائه، غير أنه من الواضح أن مسألة القتل عن طريق الخطأ غير مقنعة بدورها ولا تبتعد كثيرا في قلة مصداقيتها أو واقعيتها عن رواية الانتحار. لأنه ليس من المعقول ألا يجد القتيل (ولو كان اسمه رائد) فرصة للانتحار أو يجد زميله القناص مكانا ملائما للخطأ واللعب بالنار إلا مطار بن غوريون وزمانا أفضل من مراسم توديع رئيس جمهورية يكن له معظم الإسرائيليين في الظاهر كل المحبة والتقدير خصوصا وأن له من جهة الأم جذورا يهودية.
أما الفرضية الأولى في اعتقادنا فهي أن ما وقع هو رسالة تهديد ساخطة موجهة إلى الرئيس ساركوزي عقب خطابه و تصريحاته “الجريئة” المغازلة للفلسطينيين والعرب سواء في الكنيست أو عند لقائه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، بخصوص ضرورة الإيقاف الفوري للاستيطان وتقاسم القدس وأولوية قيام دولة فلسطين بالنسبة إلى فرنسا، ويتزامن هذا الموقف ” القوي” والصريح مع تقارب فرنسي سوري غير مسبوق منذ سنوات، و ربما أثار ذلك غضب بعض الإسرائيليين الذين لا يهمهم التعبير عن المشاعر الشخصية تجاههم بقدر ما تعنيهم المواقف الرسمية وسياسات الدول الكبرى إزاء ما يعتبرونه المصالح الحيوية للكيان العبري.
الفرضية الثانية والتي يمكن أن يقع تضخيمها إذا كان ذلك مناسبا للظرف القادم مع تزايد التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، هي أن حادثة مطار بن غوريون محاولة فاشلة لاغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية المتداعية ايهود أولمرت من طرف حزب الله، لا سيما وأنها تأتي بعد يوم واحد من إعلان موقع قريب من أجهزة الاستخبارات الإسرائيليية أن جهاز الموساد هو الذي اغتال عماد مغنية في دمشق بأمر من ايهود اولمرت، ومن المعلوم أن لحزب الله قدرات لا يستهان بها في تجنيد أشخاص يعملون لفائدته داخل إسرائيل وحتى في صفوف قواتها الأمنية والعسكرية، وقد سبق له أن هدد بالثأر لقائده العسكري في أي مكان أو زمان يختاره.
وفي سياق متصل تميل الفرضية الثالثة بدورها في اتجاه محاولة اغتيال أولمرت ولكن من طرف جهة أخرى تنتمي إلى اليمين المتطرف الصهيوني المتعاون مع اليمين المتطرف الأمريكي والذي لا ينظر بعين الرضا لأي تهدئة أو “تنازلات” ولا يقبل أي دور فاعل غير أمريكي في المنطقة، وقد سبق له أن نفذ تهديداته باغتيال إسحاق رابين منذ ثلاثة عشر عاما بعد اتفاقيات أوسلو. والحادثة الأخيرة تتزامن مع بداية مفاوضات (مشكوك في جديتها) مع سوريا قد تنتهي باسترجاع الجولان إلى جانب الضغط الأمريكي الخفيف لتحقيق شيء من التقدم على المسارين الفلسطيني واللبناني قبل نهاية ولاية بوش الصغير، وإن كان المقصود الأول منها ظرفيا فك الارتباط الاستراتيجي القائم بين دمشق وطهران.
ومهما تكن صحة أي من هذه الفرضيات أو غيرها، فإن الأكيد أن حادثة “النيران الصديقة” في مطار بن غوريون والتي يصعب مسبقا تصديق النتائج المعلنة لأي تحقيق إسرائيلي فيها، قد أحرجت كثيرا كلا الطرفين الفرنسي والإسرائيلي، وليس من المستبعد أن تلقي بظلال كثيفة من الشكوك حول متانة العلاقات بينهما والدور الفرنسي في المنطقة وفي عملية ” السلام” حتى في إطار ما يعرف بالاتحاد من أجل المتوسط، أكثر مما يمكن للتعتيم الإعلامي الكبير حجبه أو تزييفه كما تم بالنسبة إلى الحادثة نفسها.
عادل القادري (جريدة الوحدة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 28th, 2008 at 28 يونيو 2008 3:28 م
أخي عادل تحية تقدير واحترام
تابعت سردك ووعيت تحليلك هكذا دائما اسرائيل
اعلمك :
اخوتي وأخواتي وأبنائي : صدرت الحلقة السادسة من ذكريات لا تموت بعنوان مطاردات غامضة
أنتظر تشريفكم لمدونتي .
يونيو 30th, 2008 at 30 يونيو 2008 4:00 م
الأخ سعيد
أنا أتابع ما تكتب باستمرار، وأجد في مذكراتك تفاصيل مشوقة وحسا وطنيا عاليا ، أحسدك على ذاكرتك.
مع التحية والتقدير
يوليو 23rd, 2008 at 23 يوليو 2008 7:22 ص
الكاتب الصحفي عادل القادري
لفت انتباهي موضوعك المطروح من خلال هذه المقالة، هل تصدق ، لم اسمع بهذه الحادثة، ولا أدري لماذا تجاهلتها وسائل الإعلام لدينا في المشرق. كما لفت انتباهي أسلوبك الرشيق في تحليل الخبر، وهذا سيجعلني من القراء الدائمين للمدونة.
أنتهز هذه الفرصة لأشكرك على مرورك على مدونتي، شاكرا تعليقك اللطيف، فامرأة المبدع إشكالية المبدع وامرأته في الوقت ذاته
تحياتي
أنور الخطيب