هل تنفس موغابي الصعداء في شرم الشيخ؟
كتبهاعادل القادري ، في 2 يوليو 2008 الساعة: 17:41 م
هو بالتأكيد ليس مانديلا ولا حتى سنغور، ولكنه مع ذلك يبقى أحد من يعرفون بآباء الأوطان الذين ارتبطت أسماؤهم بأسماء بلدانهم، فالسيد روبرت موغابي هو الذي انتزع سنة 1980 عن الزيمبابوي اسمها الاستعماري القديم (روديسيا الجنوبية) ، غير أنه لم يكتف بتغيير أسماء المدن واستلام السلطة كوزير أول ثم كرئيس للجمهورية كامل السلطات سنة 1987، بل وصل به الأمر سنة 2000 في إطار سياسة إصلاح زراعي جريئة، ربما حد التهور باعتبار مصادرة قرابة عشرة ملايين هكتار، تستهدف نظريا مقاومة الفقر و آثار الميز العنصري والتفاوت الطبقي وإزالة المظالم الهائلة التي خلفتها الحقبة الاستعمارية، إلى تغيير ملكية الأراضي وانتزاعها من الأقلية البيضاء لتوزيعها على السكان الأصليين ولا سيما رفاقه في معركة التحرر الوطني من المحاربين القدامى وعائلاتهم المعدمة، لتنطلق إثرها مباشرة باتجاهه السهام البريطانية من كل جانب، فملكة البحار العتيقة ما زال لها نفوذ واسع في الساحة الدولية ابتداء من محيطها الطبيعي والتاريخي الأوروبي والأمريكي وصولا إلى مستعمراتها القديمة في القارة السمراء بما فيها جنوب إفريقيا. وبسرعة وفي إطار حملة منظمة مسعورة ومستمرة دون هوادة منذ ثماني سنوات تحول الزعيم المتحصل على وسام الشرف البريطاني الذي أسقط عنه مؤخرا إلى أحد أسوأ ديكتاتوريات العالم الذين يمنع عليهم دخول الأراضي الأوروبية وأجبرت بلاده على الخروج من منظمة الكومنولث سنة 2003 وتعرضت إلى المقاطعة والتضييقات الاقتصادية الشديدة مما أسهم إلى حد بعيد في أزمة الغذاء المستفحلة حاليا وتراجع الإنتاج الزراعي و تردي الأوضاع الاجتماعية في الزيمبابوي حيث بلغت نسبة البطالة 80 بالمائة وتجاوزت معدلات التضخم 1600 بالمائة.
ولا نعلم أي ديكتاتورية شنيعة هذه التي يتمكن فيها زعيم معارض شبيه في تكوينه النقابي بليش فاليزا البولوني وهو السيد مورغان تسفنغيراي (56 سنة) المنتمي لنفس المجموعة القبلية (شونا) للزعيم موغابي الذي وصفه بأنه دمية بأيدي الأقلية البيضاء وبريطانيا العظمى، من كسب حملته ضد استفتاء دستوري حاولت السلطة تمريره سنة 2000 أي بعد سنة واحدة من تكوين حزبه الجديد الحركة من أجل التغيير الديمقراطي الذي أقرت النتائج الرسمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة المثيرة للجدل بدعوى التزوير في 29 مارس 2008 بفوزه بأغلبية المقاعد النيابية وتفوقه على الحزب الحاكم، كما أقرت بحصول زعيم المعارضة في الجولة الأولى على 47 بالمائة مقابل 43 بالمائة فقط للرئيس موغابي ولكن السيد تسفنغيراي تراجع عن خوض الجولة الثانية وانسحب في اللحظات الأخيرة بتحريض من أصدقائه في الخارج قبل الداخل وقد أعلنوا أن نتائج الجولة الأولى كانت لصالحه بنسبة تفوق 50 بالمائة. ونعتقد أنهم فعلوا ذلك لأنهم ببساطة وبلغة الأرقام لا يضمنون الفوز النهائي باعتبار أن المرشح الثالث سيمبا ماكوني ( وزير سابق) قد تحصل على قرابة 8 بالمائة من الأصوات التي ستنضم على الأرجح لموغابي الذي فاز في الأخير بقرابة تسعين بالمائة وغاب عن مراسم تأديته لليمين الدستورية الدبلوماسيون الأوروبيون وممثلو المعارضة التي بدأ زعيمها لعبة يتقنها جيدا وهي اللجوء إلى السفارات الأجنبية بدعوى الخوف من التصفية الجسدية وقد تعرض فعلا في السابق إلى الاعتداء أثناء إحدى المظاهرات. وهنا يجدر الاعتراف أن السيد موغابي لم يميز بين الصمود في وجه القوى الاستعمارية وهو مما يحسب له والصمود في التمسك بالسلطة وكأنها ملكية فردية، في حين كان يمكن له ولأنصار خطه القومي وحزبه الاتحاد الوطني الإفريقي لزيمبابوي ـ الجبهة الوطنية أن يجدوا قبل فوات الأوان وتفاديا للعاصفة البديل المناسب للزعيم الكبير الذي تجاوز عمره 84 عاما بما يذكرنا بزعيم آخر نعرفه جيدا.
ولكل ذلك يبدو أن السيد موغابي قد تنفس الصعداء مؤقتا في شرم الشيخ وهو يرى ويعرف أن أغلب الجالسين حوله من الرؤساء الأفارقة ليسوا في وضع ديمقراطي أفضل منه وعلاقات بعضهم الآن مع أوروبا وأمريكا مثل السمن على العسل، و إذا كانوا لا يستطيعون إدانة أحد زملائهم المتمسكين بالكرسي لأنهم بذلك سيدينون أنفسهم كما عبر عن ذلك عميدهم رئيس الغابون عمر بنغو الذي أكد أنهم ليسوا مرغمين على اتباع التعليمات التي تأتيهم من وراء البحار وأنهم قادرين على أن يقرروا بأنفسهم و اعتبر موغابي بطلا، فإنهم لا يستطيعون في نفس الوقت تجاهل الضغوط المسلطة عليهم من القوى الغربية التي لا يهمها من جدول أعمال القمة الإفريقية مكافحة مشاكل الفقر والغذاء والماء والتحولات المناخية بقدر ما اهتمت بإسقاط أحد الرؤساء القلائل الذين يقولون: لا، وقد ظهر ذلك جليا بالخصوص على مواقف رئيس كينيا اودينغا الذي رد عليه موغابي بالإشارة إلى حمام الدم الذي أوقعته في كينيا معضلة الانتقال الديمقراطي وتقاسم السلطة وبوتسوانا جارة زيمبابوي الواقعة تحت النفوذ الأمريكي وليس رئيسها الأخير سوى ابن رئيسها الأول. أما الحل الوسط (التقليدي) الذي توصل إليه المشاركون في قمة الاتحاد الإفريقي بالنسبة إلى مسألة الزيمبابوي حتى لا يحرجوا أحدا ولا يحرجوا أنفسهم فهو الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية بادر الاتحاد الأوروبي على لسان وزير خارجية فرنسا بالإعلان عن رفضها بطريقة صلفة تؤكد مجددا عودة الاستعمار وتبيّن التوظيفات الحقيقية لمفاهيم التدخل الإنساني ودعاتها من أمثال السيد كوشنير الذي صرح بأن اتحاده لن يقبل أي حكومة في زيمبابوي إلا إذا كانت برئاسة مورغان تسفنغيراي، وقد سبق ذلك استدعاء إيطاليا سفيرها في هاراري. وذهبت الولايات المتحدة إلى حد إعداد مشروع قرار ستعرضه على مجلس الأمن حول رفض نتائج الانتخابات الرئاسية في الزيمبابوي وعدم الاعتراف بشرعيتها، من الصعب أن يرى النور لاعتراض روسيا والصين المتوقع إلى جانب دول أخرى من الأعضاء غير الدائمين في المجلس الأممي.
وفي مثل هذه الحالة وكمعظم الحالات المشابهة فإن الدول الغربية سرعان ما تتوحد أقوالها وأفعالها كلما تعلق الأمر بصراع إحداها مع دولة من العالم الثالث المدعو إلى التوحد أكثر من أي وقت مضى في وجه عودة الاستعمار والتدخل الأجنبي، ولكنها لن تستطيع أن تقنع أحدا في العالم أنه لاعتبارات ديمقراطية أو لولاية سادسة مثيرة فعلا للجدل تشن كل هذه الحملات الدولية على الزعيم موغابي الذي لن تكون شرعيته الهشة والمدعومة إفريقيا كافية للاطمئنان على مصير بلد تتهدده الاضطرابات والاقتتال الداخلي في ظل التحريض الخارجي المتواصل والتلويح بفرض عقوبات جديدة.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























