في كولمبيا : تحرير رهائن وارتهان شعب

كتبهاعادل القادري ، في 10 يوليو 2008 الساعة: 10:45 ص


ph2008 مهما تكن حقيقة العملية التي صفق لها الجميع منذ أسبوع بعد أن تم نقل آخر فصولها تحت أضواء المصورين و البث المباشر للفضائيات انطلاقا من أحد المطارات العسكرية في بوغوتا فإنه من المؤكد أنه تم وضع حد لمعاناة خمسة عشر رهينة على رأسهم السيدة انغريد بيتانكور كانت تحتجزهم القوات المسلحة الثورية الكولمبية المعروفة باسم الفارك. وهذا لا يمكن إلا أن يثير مشاعر الارتياح لدى أي محب للحرية و مناهض للإرهاب الأعمى وأسالبيه الفوضوية التي  لا تفرق بين مدنى وعسكري و بين بريء ومجرم … دون أن تنسينا التجاوزات التي قامت بها الفارك مع شيء من التضخيم والتشويه الإعلامي تجاوزات أكبر وأخطر من عمليات الاغتيال والاختطاف والتعذيب والترهيب للمعارضين التي قامت بها ولا تزال فرق الموت اليمينية القريبة من السلطات الكولمبية تحت غطاء مجابهة الفارك والمتعاطفين معها ولا سيما من الفقراء والمعدمين في الأرياف والمدن الكولمبية .

 إذن تم إطلاق سراح المرشحة الرئاسية السابقة في كولمبيا والتي تحمل أيضا الجنسية الفرنسية،  بعد أكثر من ست سنوات من الاحتجاز في ظروف قاسية بأدغال كولمبيا، وبين الرواية الرسمية التي أكدتها أشهر رهينة في العالم في صيغة وصفتها بأنها أقرب إلى الأفلام السينمائية حيث لم تطلق فيها أي رصاصة ولم يصب فيها أحد بخدش واحد منوهة بالقدرات العالية للجيش الكولمبي. وحتى المخابرات الإسرائيلية (الملح الذي لا يغيب عن مثل هذه الطبخات) تم إسنادها دور في هذه العملية والحال أنها لم تستطع شيئا لشاليط على بعد أمتار منها في غزة أو لغيره من الرهائن الإسرائيليين في لبنان إلا الرضوخ لمبدأ التبادل (الذي تسعى إليه الفارك في كولمبيا دون جدوى)، و بين رواية إحدى الصحف السويسرية (سويسرا وفرنسا وإسبانيا هي الدول الأوروبية الثلاث المعنية بالوساطة في كولمبيا) حيث عزت إطلاق سراح بيتانكور وأربعة عشر رهينة أخرى معها (11من العسكريين ورجال الأمن الكولمبيين وثلاثة أمريكيين) إلى دفع فدية مالية كبيرة (20 مليون دولار) لخاطفيهم من الفارك، هامش يمكن تقليصه إلى حد افتراض أن المفاوضات التي بدأت منذ مدة بين الحكومة والمتمردين اليساريين قد انتهت إلى وعد حقيقي بدفع فدية وقع التملص منها في آخر لحظة. وهذا السيناريو يبدو في أهدافه بعيدا من ناحية الحرص على أرواح الرهائن وسلامتهم ومماثلا في خدعته التكتيكية لما حدث فعلا في بداية شهر مارس الفارط حيث تم استغلال مفاوضات في أعلى مستوى حول إطلاق رهائن  لرصد مكان الرجل الثاني في الفارك راول رييس واغتياله مع عشرة من رفاقه بقصف جوي لمعسكرهم على الحدود الايكوادور واشترك في تلك العملية الغادرة والمنتهكة لسيادة الاكوادور كل من القوات الكولمبية والأمريكية (يصعب التمييز بينهما)، لتتواصل بعدها في أقل من شهر واحد سلسلة الضربات الموجعة التي تلقتها الفارك حيث تم اغتيال ايفان ريوس الرجل الثالث في هذه المنظمة المصنفة إرهابية في القائمتين الأمريكية والأوروبية. وتلاها نبأ الإعلان المتأخر عن موت زعيم الفارك وقائدها التاريخي مانويل مورلاندا عن سن ناهزت الثمانين عاما وقيل من الجانبين إن موته كان طبيعيا يوم 26 مارس 2008 . ولا شك أن عملية تحرير الرهائن الأخيرة قد رسخت الفكرة السائدة منذ فترة عن التفكك الكبير في صفوف الفارك وتقلص عدد مقاتليها (من 16 ألف إلى 8 آلاف مقاتل) وأنصارها والمساحات ( جزء هام من الأرياف والمناطق الغابية والجبلية) التي تتحكم فيها وقد بلغت حسب بعض التقديرات في سنوات قليلة ماضية إلى حوالي ربع كولمبيا. ويعزى الانهيار الأخير للتنظيم الماركسي اللينيني  المتمرد على السلطة المركزية منذ سنة 1964 إلى الحرب النفسية والاختراقات المتتالية التي حققها الجيش والأمن الكولمبي (الأمريكي) في مختلف دوائر الفارك التنظيمية بفضل تتبع خطوط اتصالاتها ودفع الحوافز المالية المغرية للمنشقين والمخبرين عنها مع تجفيف مواردها الأساسية التي ارتبطت باستخلاص ضريبة خاصة على زراعة الكوكا. ومع ذلك ما زالت الفارك بقيادة زعيمها الجديد الفونسو كانو تحتفظ بأكثر من 700 رهينة يمكن أن تمثل الورقة الأخيرة التي ستحاول استثمارها للبقاء في معركة الوجود أو التحول إلى تنظيم سياسي غير مسلح رغم أن تجربتها السلمية في منتصف الثمانيات بتأسيس حزب سياسي (الاتحاد الوطني) والدخول في الانتخابات كلفتها حوالي 4 آلاف قتيل في صفوف مرشحيها المنتخبين الذين طالتهم الملاحقات الإجرامية لعصابات الموت اليمينية الداعمة للحزب المحافظ الحاكم.

ولكن الاستثمار الحقيقي للعملية الأخيرة وما رافقها من إشادة محلية ودولية يرجع إلى السيد ألفارو أوريب رئيس كولمبيا فمن المتوقع أن تحرير انغريد بيتانكور وبقية الرهائن سيطلق يديه ويفسح الطريق أمامه لولاية رئاسية جديدة رغم الموانع الدستورية بما يدفعه إلى إجراء تنقيحات أو انتخابات مبكرة مثيرة للجدل، مستفيدا من شعبيته التي أسسها على سياسة حازمة جدا إزاء الفارك وتعاون غير مشروط مع الولايات المتحدة لهذه الغاية وغيرها ، إلى درجة أن  كولمبيا أصبحت في عهده نقطة الارتكاز الرئيسية لواشنطن في أمريكا الجنوبية تجذرت منذ التسعينات تحت مظلة خطة كولمبيا لمكافحة المخدرات وإنتاج الكوكايين. غير أنه يتذكر بالتأكيد مصير الرئيس الأسبق للبيرو ألبرتو فوجيموري الذي حرص لتلميع صورته على الإشراف بنفسه على عملية جريئة ودموية لإطلاق رهائن في السفارة اليابانية سنة 1996 من أيدى منظمة ثورية (توباك أمارو) لم تمنع سقوطه إثر ذلك في مستهل ولاية رئاسية ثالثة مثيرة للجدل وهروبه من البلاد إثر اكتشاف فضائح مالية وسياسية بالجملة.  أما بالنسبة إلى السيدة بيتانكور فإن إطلاق سراحها بعد سنوات من الاعتقال منحها فرصة متميزة لانطلاقة جديدة في الحياة السياسية وهي التي لم تكن معروفة حتى في بلدها باستثناء كونها مرشحة صغيرة للانتخابات التي جرت سنة 2002 ولم تعطها التوقعات حينها أكثر من 1 بالمائة من الأصوات، و قد لوحظ عليها منذ اليوم الأول من تحريرها تغير ملموس في المواقف باتجاه إيجابي يبدو لنا مؤقتا إزاء الرئيس أوريب والجيش الكولمبي وهي التي تنتمي إلى عائلة سياسية ليبرالية معارضة كما أبرزت التزامها الديني (المسيحي) المستجد، وهي تدرك أنها مدينة بشهرتها وربما بحياتها كذلك إلى وسائل الإعلام الفرنسي ولجنة المساندة القوية التي انتظمت من أجلها عبر شبكة قوية من المتعاطفين والأصدقاء صبرت و لم يصبها اليأس من قضيتها . بينما استغل الرئيس ساركوزي مناسبة استقباله للسيدة بيتانكور وعائلتها للإشارة إلى قضية الممرضات البلغاريات معطيا لنفسه وللحكومة الفرنسية دورا سحبه منهما الأمريكيون منذ أشهر،  بعد التدخل الفينزويلي الذي حرك الأمور في البداية ثم سرعان ما تحول انحياز شافيز للفارك ودعمه لهم إلى تهدئة العلاقات المتوترة مع بوغوتا والتملص من ذلك الاتهام الذي روجوا له كإثبات مادي بقصة الحاسوب المحمول لراول رييس وإلى نصائح بإلقاء السلاح وإطلاق الرهائن دون قيد أو شرط والتأقلم مع المستجدات الديمقراطية. مما يثير الكثير من الشكوك حول حقيقة الدور الفينزويلي ومسؤوليته في الانهيار الذي شهدته الفارك التي ربما نسي قادتها الراحلون النصيحة القديمة: حذار من الصديق.

وإذا كان قد تم إطلاق سراح السيدة بيتانكور ومن معها فإن أمل أي محب حقيقي للحرية أن تتخلص كولمبيا بأسرها ليس فقط من الإرهاب وعمليات الاختطاف وصناعة الموت وإنما أيضا من الوصاية الأمريكية التي اتخذت من مكافحة الإرهاب والمخدرات وملاحقة المتهمين بها في كل مكان من العالم ذريعة و مطية لارتهان الشعوب والحكومات.

 

                                                                                   عادل القادري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر