يوم العلم: مناسبة متجددة للتكريم والتقييم
كتبهاعادل القادري ، في 11 يوليو 2008 الساعة: 10:00 ص
الاحتفال بيوم العلم في بلادنا مناسبة وطنية ومحلية سعيدة ومتميزة بلا شك، تعانق فيها فرحة النجاح فرحة الحصاد، وتعكس تقدير الدولة والمجتمع لقيمة العلم والمدرسة، وهي تتجاوز في اعتقادنا مجرد توزيع الجوائز والأوسمة وغيرها من الهدايا التقديرية لمن يستحقونها من المتفوقين والمتفوقات والمجتهدين والمجتهدات، على أهميتها، من أجل الوقوف عند حصيلة سنة دراسية وجامعية بكاملها لتقييم النتائج باعتبارها تتويجا لمسارات واختيارات تعكس حركية مجتمع بكامله ونبض شبابه ورؤيته للمستقبل… ولتلك الاعتبارات يختلف يوم العلم عن بقية الأيام الرمزية والأعياد والمناسبات الوطنية منها والدولية والتي تكاد تغطي كامل روزنامة العام.
و من الواضح أن فرحة النجاح الدراسي في تونس لم تعد كافية فالجميع يبحثون عن الامتياز ومعظم الأولياء اليوم لا ينتظرون من أبنائهم التلاميذ إلا الجوائز و المراتب الأولى… والملاحظة اللافتة فعلا حسب النتائج المعلنة في ختام هذه السنة الدراسية هي ارتفاع نسبة المتحصلين على درجة الامتياز في مختلف المراحل والمستويات التعليمية بالمقارنة مع ما كانت عليه منذ سنوات قليلة مضت، وربما أصبحت نسبة الامتياز ولا سيما منها المتعلقة بالامتحانات الوطنية تعادل النسبة الإجمالية للناجحين في عقود سابقة … وعلينا التوقف قليلا عند هذه النقطة التي بقدر ما تؤشر على ترسخ ثقافة التفوق والمنافسة و”الامتياز” بقيمته الجارية (إذا جازت الاستعارة) فإنها في المقابل يمكن أن تدل بقيمة الامتياز الثابتة على تراجع المستوى العام لامتحاناتنا. وربما يعود ذلك إلى تجديد مناهج التقييم وشبكاته وتخفيف البرامج وكذلك ما أصبح يوفره الأولياء لأبنائهم من فرص الدعم حتى يكونوا أفضل منهم ويحققوا على أيديهم ما لم ينجزوه بأنفسهم…
ولا أحد يشك في اهتمام الدولة التونسية بقطاع التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، ولعل تخصيصها لما يقرب من ثلث ميزانيتها لهذا القطاع لأكبر دليل على ذلك، كما لا يمكن إنكار الجهود المبذولة باستمرار لإصلاح المناهج والمحتويات التعليمية واستحداث مسالك واختصاصات جديدة ومواكبة أحدث تكنولوجيات المعرفة وهندسة التكوين وتعصير الأساليب البيداغوجية ووسائلها. غير أن هذا لا يجب أن يحجب عنا النقائص المسجلة… ففي مثل هذا اليوم لا بد أن نتذكر أيضا إلى جانب شهادات الامتياز وجوائز المتفوقين والمكرمين تواصل بعض إخفاقاتنا في مجال التربية والتعليم ولعل علامتها البارزة رقم سنوي كبير من المنقطعين عن الدراسة تلقائيا و قانونيا. وعلينا أن نتساءل بعد البحث عن الأسباب والعوامل ماذا برمجنا لهم وأعددنا لفائدتهم قصد تحصينهم من العودة إلى الأمية أو الوقوع في الانحراف … وهل حققنا بالفعل ما نطمح إليه منذ سنوات من تكامل بين منظومتنا التعليمية ومنظومة التكوين المهني قصد الاستعداد الأمثل لعالم الشغل (الشغل ليس سوقا)… أما العلامة الاجتماعية الفارقة الأخرى التي ينبغي أن تستوقفنا في مثل هذا اليوم وقد دقت نواقيس خطرها منذ أكثر من عقد فهي الطوابير المتراصة بعشرات الآلاف من أصحاب الشهائد العليا العاطلين عن العمل من خريجي جامعاتنا مرورا بالمعاهد والمدارس… إلى جانب مسائل أخرى شديدة الأهمية والخطورة تتخطى الأرقام وتحسين المردودية والجودة وعلاقة الكمي بالنوعي والجوانب العلمية والحرفية وصناعة الذكاء وتغليب الجانب الاقتصادي، لتنغرس في صميم المنظومة التربوية من حيث مدى نجاحها في تكوين المواطن الذي نصبو إليه، فكرا عقلانيا واعيا وإرادة حرة مسؤولة وحبا للعمل وأخلاقا متسامحة وحسا مدنيا ووطنيا وسلوكا حضاريا. حيث أن الوقائع والظواهر والمشاهد والأخبار اليومية عن الشارع التونسي والملاعب الرياضية والمؤسسات (بما فيها التربوية) والإدارات التونسية… تصدمنا في الكثير من الحالات بتجاوزاتها وعنفها وتكشف أنها مازالت بعيدة عما ارتسم على الورق وفي الصيغ اللغوية المحفوظة من الغايات والتوجهات الكبرى للإصلاحات التربوية المتتالية وآخرها القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي وكأن المدرسة لم تنجح في القيام برسالتها التربوية. وهذا لن يدفعنا بطبيعة الحال ولا سيما في مثل هذا اليوم المبرز للوجه المضيء والمشرف من مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا ومخابرنا العلمية إلى التشاؤم أو الوقوع في خطأ تحميل المدرسة والمربين ما يفوق طاقتهم وحدود مسؤولياتهم متغافلين عن دور الأسرة وبقية الأطراف الاجتماعية المتدخلة مثل وسائل الإعلام في العملية التربوية.
وبالعودة إلى الدائرة الأولى للمناسبة الاحتفالية المتعلقة بيوم العلم لا يسعنا إلا أن نتمنى لجميع المجتهدين والمجتهدات من التلاميذ والطلبة والباحثين مزيد التألق والنجاح، باعتبارهم يمثلون أبرز عناوين أملنا لكسب رهانات المستقبل والتقدم والمناعة، أما الأسرة التربوية بمختلف مكوناتها وجنود خفائها ولا سيما إطار التدريس والإشراف البيداغوجي والإداري فالأكيد أنهم يستحقون أكثر من يوم واحد للتكريم والتعبير لهم عن أسمى مشاعر الامتنان والتقدير والتبجيل، وذلك بمزيد العمل على تحسين ظروفهم المهنية والمعنوية والمادية المتراجعة قبل مطالبتهم بمزيد التضحيات. لأن العديد من المكلفين والمكلفات بالسهر على تنشئة الأجيال وبناء الإنسان (وهو غاية الغايات كما يقال) في بلادنا ما زالوا غير قادرين على بناء مسكن أو تأمين ما يضمن مواصلة أبنائهم الدراسة في أفضل الظروف. وكل عام والعلم وأهله مرفوعي الهامة في تونس والمدرسة التونسية بخير.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























