قمة باريس من أجل المتوسط تستأنف مسار برشلونة المتعثر

كتبهاعادل القادري ، في 17 يوليو 2008 الساعة: 09:41 ص

121628 في توقيت رمزي يتزامن مع الاحتفالات باليوم الوطني الفرنسي و تحت رئاسة فرنسية ومصرية مشتركة انعقدت يوم 13 جويلية الجاري قمة باريس من أجل المتوسط.  وقد نجح الرئيس ساركوزي في هذه المناسبة التي شهدت تغطية إعلامية كثيفة أن يجمع بالقصر الكبير رؤساء وممثلي 43 دولة إلى جانب مسؤولي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والجامعة العربية  ومجلس التعاون الخليجي (مثله الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر) والاتحاد الإفريقي واتحاد المغرب العربي والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار والبنك العالمي والمؤسسة الأورومتوسطية آنا ليند لحوار الثقافات.

ورغم ذلك فإن الحضور لم يكن مكتملا نظرا إلى الغياب الرسمي المعلن منذ مدة للجماهيرية الليبية التي قاطعت قمة باريس وأعلنت على لسان زعيمها معمر القذافي رفضها لمشروع ساركوزي جملة وتفصيلا باعتباره “حقل ألغام لأعضائه” و تهميشه لجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي. ومن المؤكد أن مقاطعة الدولة التي لها أطول شريط ساحلي في جنوب المتوسط قد أثرت سلبا على المبادرة الفرنسية وكبحت من زخمها، كما تم تسجيل الغياب اللافت لملك المغرب محمد السادس الذي ناب عنه شقيقه مولاي رشيد ، وحتى حضور الرئيس بوتفليقة كان إلى حد الأسابيع الثلاثة الفارطة محل أخذ ورد و يبدو أن التعديل الحكومي الأخير (أويحي مكان بلخادم) قد أشر لترجيح كفة المشاركة الجزائرية… أما معظم الحشد الأوروبي المشارك في هذه القمة فلا يبدو معنيا بمشروع الاتحاد الجديد وقضايا المتوسط بالقدر الذي توحي به المجاملات الديبلوماسية المراعية لدعوات  الرئيس الفرنسي النشيط الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي إلى موفى هذا العام، في الوقت التي تعرف فيه معاهدة لشبونة نفسها صعوبات تغني عن أي تعقيدات إضافية متوسطية أو غيرها. ولئن  عملت الرئاسة الفرنسية و دبلوماسيتها خلال الفترة الأخيرة وإلى آخر لحظة على إدخال التعديلات تلو التعديلات على مشروعها الأصلي الذي أعده السيد هنري غينو حتى أصبح شيئا آخر بما في ذلك العنوان مع التأكيد على استئناف مسار برشلونة وأهدافه بصورة أكثر واقعية وعملية، فقد بقيت العين الألمانية بالخصوص مفتوحة جدا لمتابعة ملاحظات برلين ومدريد وبروكسل دون أن ننسى واشنطن (الغائب الحاضر) التي لا تنظر بعين الرضا إلى التحرك الفرنسي الطموح الذي يسعى دون جدوى إلى التحرر من القيد الأوروبي والأطلسي الذي يكبل قدميه. وفي المقابل غطى على كل ذلك واستقطب الأضواء الحضور البارز للرئيس السوري بشار الأسد الذي كسر الجليد المتراكم منذ 2005 بين دمشق وباريس ومن ورائها أوروبا على خلفية الملف اللبناني وقد تركز الاهتمام حول مسار المفاوضات غير المباشرة الجارية عبر الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل. وكان التقاط صورة تقرب بين أولمرت من الأسد في قمة باريس بمثابة تحقيق إنجاز تاريخي على طريق السلام. ولكن الرئيس السوري نجح في تفادي إعطاء أي إشارة مجانية في الوقت الراهن. بل إنه حرص على ألا يكون حاضرا أثناء إلقاء أولمرت لكلمته، وكذلك فعل وزير خارجيته.

التحفظات التي بدأت قبل القمة تواصلت بعد الإعلان المشترك الصادر في اختتامها، فقد جاء ” مسار برشلونة: الاتحاد من أجل المتوسط ” مخيبا لانتظارات الفلسطينيين والعرب حيث توقف عند عتبة أنابوليس ولم يتجاوزها قيد أنملة و لم يلتفت مجرد التفاتة إلى المبادرة العربية وتجاهل الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، كما كان بعيدا عن خطاب ساركوزي وتصريحاته في الكنيست و في رام الله والتي بدت اليوم وكأنها قيلت في إطار التحضير لقمة باريس وكسب التأييد العربي لإنجاحها ليس أكثر. 

ومهما يكن من أمر ودون محاسبة مسبقة للنوايا فقد أعلنت الدول الأوروبية أنها تعلمت من درس برشلونة ومسارها المتعثر منذ سنة 1995 أن تكون متواضعة وتكف عن إعطاء الدروس، لتقبل بشراكة متساوية في إطار الاحترام المتبادل لسيادة الدول الأعضاء وبتقاسم المسؤوليات بين الشمال والجنوب  والعمل على إنجاز مشاريع واقعية ملموسة من أجل أن تجعل من المتوسط فضاء للسلم والتعاون والديمقراطية والحوار والرفاه. وفي هذا السياق تجدر الملاحظة أن المشاركة التونسية قد تميزت والحقيقة تقال بواقعيتها البراغماتية في ظل الضباب السياسي والجيوستراتيجي الذي يلف المشروع المتوسطي المثير للجدل والمتجاوز لحدود المتوسط كمدخل أوروبي لإفريقيا والشرق الأوسط، حيث ركزت المقترحات العملية التي تضمنتها كلمة الرئيس بن علي وقد وجدت صداها في الإعلان النهائي للقمة وملحقها المتضمن لستة مشاريع إقليمية عملية على الجانب البيئي والتنمية المستديمة ( بعث آليات لمكافحة التلوث وحماية الشريط الساحلي وتشجيع الطاقات البديلة…) إلى جانب التأكيد على البعد التضامني لبناء المشروع. وإذا كان حلما واقعيا جميلا أن يصبح البحر المتوسط أنظف بحر في العالم، فإنه من المهم بمكان أن يترسخ هذا الأمل بإيجاد حلول متوازنة لإشكالية قوارب الموت وضحاياها. لأنه دون ذلك يصعب حل باقي الإشكاليات ومد جسور الثقة مع تكثيف خطوط النقل التجاري البحري والبري بين الضفتين. كما تجدر الملاحظة أن الإعلان الصادر عن القمة أشار بالإضافة إلى إمكانية عقد حلف أو معاهدة أورومتوسطية في المستقبل إلى العمل على اقامة منطقة في الشرق الاوسط تكون خالية من أسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية والبيولوجية ووسائل اطلاقها، وامتناع الدول عن تطوير قدرات عسكرية أبعد من حاجاتها المشروعة للدفاع ولا نعرف من سيحدد ذلك ووفق أي مقاييس، كما ينبغي انتظار شهر نوفمبر 2008 كما نص إعلان القمة لوضع النقاط على الحروف التنظيمية والتمويلية والمؤسساتية لمشروع الاتحاد الذي ليس من المستبعد أن يؤول مقر سكرتاريته إلى تونس. أما لجنته الدائمة المشتركة فقد تقرر أن يكون مقرها بروكسل .

 ويبقى السؤال مطروحا بالفعل وخصوصا في ظل التشتت العربي حول مدى قدرة هذه المبادرة على أن تلعب الدور الهام الذي أعلنته لمواجهة التحديات المشتركة القائمة في المنطقة الأورومتوسطية مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأزمة الأمن الغذائي والتدهور البيئي والطاقة والهجرة والإرهاب والتطرف ودفع الحوار بين الثقافات.

 

 

                                                                             عادل القادري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر