علامة بارزة في مهرجان قرطاج … تنورة وعكازة

كتبهاعادل القادري ، في 31 يوليو 2008 الساعة: 07:54 ص

faresr صدقت توقعات وحسابات المدير السعيد لمهرجان قرطاج الدولي السيد سمير بالحاج يحي ونجح رهانه، فقد حظي فارس كرم خلال الأسبوع الفارط بليلة من ألف تنورة وتنورة.  و غصت مدارج المسرح الأثري الأكثر عراقة وشهرة في بلادنا بالفتيات وتحولت إلى حلبة رقص ساخن متأوه على أنغام ” الختيارة فرفورة” و” ختيار عالعكازة” … وياله من اختيار.

بعض مراهقاتنا ونسائنا تكلمن بصراحة أثناء الحفل وقبله وبعده أمام الكاميرا وعبرن بحرقة عن إعجابهن الكبير بالفاتن القادم من بلد الأرز الذي كاد يحترق، فإحداهن تموت في “بوسة الخال” المحاذية لأنفه، والأخرى تحلم بالخدمة  تحت قدميه طول العمر أو لبعض الأيام إذا أراد وهكذا … أما نحن فلن نبحث عن سر نجاح هذا ” المطرب” وأغانيه الخفيفة اللحن والهابطة الكلمات في وسامته ولا في نظراته الآسرة للمراهقات والمتصابيات ولا حتى في صوته الجبلي الذي يوصف بالقوة والمستنسخ لشيء من أجواء سميرة توفيق بطبالها المتنقل على الركح، بل في قدرة شركة روتانا المتعاقدة معه على دراسة السوق ونوعية الجمهور المستهدف (المرأة هي المستغلة الأولى عند الإنتاج أو الاستهلاك) وهي تعلم أن الفراغ والخواء يتآكله من كل جانب وتلك مسؤوليتنا وليست مسؤوليتها، وعلى ضوء ذلك تصنع  بعض “نجومها” أو تنتدبهم وتقوم بتسويق صورهم وإشهار بضاعتهم (الفاسدة في الأغلب) عبر فريق متكامل من “الشعراء” والملحنين والموزعين والموظبين الموسيقيين وخبراء تجميل ومهندسين لتحسين الأصوات الفجة في الاستديوهات (مثل اليسا) والمخرجين ووكلاء التوزيع والإعلاميين، بكل الطرق والوسائل والتقنيات الحديثة وأولها قناة فضائية مختصة في الكليبات تعرض على مدار الساعة ما توفر لها من وجوه وسيقان وصدور تعتمد على الإبهار وزرع الأحلام والأوهام حول حمامات السباحة والسيارات الفارهة وخيول السباق والحدائق المعلقة والمقاعد والوسائد الوثيرة وأجواء الإثارة على الطراز الأمريكي و المستدرة للدموع والغصات والمتاجرة بها. وحين يأتي الصيف ومهرجاناته وحفلاته الكبرى تكون النفوس المثقلة والأجسام المضغوطة والعيون المدمجة كالأقراص متشوقة بالكامل للالتقاء المباشر بحبيبها الأجنبي المصطنع ومعبودها المزيف لتردد له عن قرب ما كانت تسمعه منه كل يوم عبر شاشة التلفزيون. والطريف أن نسمع بعد ذلك ممثل روتانا يتحدث عن حرص الشركة بالنسبة إلى قرطاج على أن تكون عروضها في مستوى المهرجان وقيمته، وأي قيمة هذه التي تحملها أغاني المدعو فارس كرم وأي رسالة لها إلا نشر المزيد من الميوعة والانحلال بدعوى الترفيه والتنفيس حتى وإن تغلفت بطقوس “عربية”، أم أن المشاركة في مهرجان قرطاج هي التشجيع الأنسب و الوسام التقديري الأمثل على صدر الفارس البطل ليواصل صولاته وجولاته على درب “الشبر ونص”.

 ودون عقد زائدة أو انتهاك لحرية الإبداع يمكن القول إن تلك الأغاني بكلماتها المنحطة (يقال عفوية) مثل الكثير من منتوجات روتانا ومزيكا وغيرهما هي اعتداء فاضح على الذوق العام ويمكن أن تدرج في خانة الاعتداء على الأخلاق الحميدة، ولكن مع الأسف لا طائل من هذه المواعظ  العتيقة المكررة في مواجهة تيار جارف أكل الأخضر واليابس وهيمن دون رقيب على الفضائيات وقاعات العروض والإذاعات وأشرطة الكاسات والمجلات والجرائد، لا يؤمن في ردوده المفحمة إلا بشباك التذاكر في كل المجالات من الأغنية إلى المسرح والسينما… وإن كان يدرك جيدا بلغة الاقتصاد أن العرض يخلق طلبه الخاص، وهذا أيضا من مزايا القطاع الخاص. وبعبارة تقرب من مثل تونسي قديم نعترف أن العيب ليس في شركة روتانا التي يوجد في فنانيها الغث والسمين وفي إنتاجاتها الرفيع و الهابط،  بل في صنف عريض من جمهورنا لا يميز بين هذا وذاك ولا يجد من يتصدى بالإبداع والنقد والتنظيم والإدارة بجدية ومثابرة لغزو الرداءة . ونختم بالقول للسيد سمير بالحاج يحي المسؤول السامي في وزارة الثقافة إن حساباته عند برمجة أمثال فارس كرم خاطئة تماما حتى وإن درّت مدارج قرطاج الروتانية على صندوق المهرجان الملايين، ونرجوه ألا يجيبنا بأن انتظارات الجمهور وأذواقه المتنوعة فوق كل اعتبار،  لأنه يعلم أن الثقافة بالأساس فعل مقاومة رفيعة لظاهرة التنورة والعكازة والواوا وغيرها. وإذا كان فضاء المهرجانات صورة للمجتمع فإن مهرجان قرطاج قد منحنا ليلة عيد الجمهورية أروع الصور… وعاشت هذه المرآة… القناة.

                                             عادل القادري                                                                                         

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “علامة بارزة في مهرجان قرطاج … تنورة وعكازة”

  1. لا حول و لا قوة الا بالله
    وحسبنا الله و نعم الوكيل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر