في فرنسا: تحديث المؤسسات الدستورية أم محاولة أمركتها؟
كتبهاعادل القادري ، في 4 أغسطس 2008 الساعة: 13:19 م

بشق الأنفس والأصوات، صادق البرلمان الفرنسي بغرفتيه يوم 21 جويلية الفارط على مشروع التعديلات الدستورية التي جاءت تحت عنوان تحديث مؤسسات الجمهورية الفرنسية، فبفضل صوت واحد زائد عن المطلوب (538 صوت) تمت الموافقة خلال كونغرس (مؤتمر) جمع في فرساي 576 نائب بالجمعية الوطنية و330 عضوا بمجلس الشيوخ (السينا) على الإصلاح الدستوري الذي أعلن عنه ساركوزي منذ حملته الانتخابية لسنة 2007، وكان لا بد من ثلاثة أخماس الهيئتين البرلمانيتين لتمرير المشروع، ولأن المسألة تعلقت بصوت واحد برز صوت الوزير الاشتراكي الأسبق جاك لانغ بترجيحه كفة المشروع الذي أثار جدلا واسعا ونقاشا حادا واعتراضات حتى في صفوف اليمين الحاكم بقيادة الاتحاد من أجل حركة شعبية، حيث كانت الخشية ملموسة من إقامة نظام رئاسوي يتعارض مع روح الدستور الذي وضعه الزعيم شارل ديغول سنة 1958 المنقح بالخصوص سنة 1962 بانتخاب الرئيس بالاقتراع العام في إطار ما يعرف بالجمهورية الخامسة.
و عموما ومن خلال الجدل الحاصل على امتداد سنة كاملة من التحضيرات والنقاشات والمداولات بخصوص مشروع ساركوزي يبدو من الواضح حرص بعض النخب الفرنسية على إبقاء شيء من التميز على نظامهم الدستوري (الهش) الذي يوصف بأنه نصف رئاسي مقابل النموذج البريطاني (البرلماني) والنموذج الأمريكي (الرئاسي)، وذلك بالرغم من العيوب وحالات التداخل والتعطل والاختلال التي برزت بالخصوص في ظل ما يعرف في فرنسا بفترات التعايش بين رأسين، رغم أنف مبدأ الفصل بين السلطات.
و مرة أخرى يثبت الرئيس ساركوزي ولعه بتقليد النموذج الأمريكي الغالب، ولا يحتاج الأمر إلى عالم في السياسة أوالفقه الدستوري لتبيّن أن مشروعه الأصلي كان يهدف إلى ترسيخ ملامح نظام رئاسي. ولكنه لم يكن قادرا على الوصول المكتمل إلى ما كان يسعى إليه، تماما كما حدث بالنسبة إلى مشروعه المتعلق بالاتحاد من أجل المتوسط، فلئن شمل التنقيح الدستوري 47 فصلا بالتمام والكمال فإنه لم يكن كافيا للتغيير من طبيعة النظام السياسي الفرنسي على النحو الذي كان يبتغيه ساركوزي أي باتجاه نظام رئاسي واضح المعالم يتراجع فيه مكان الحكومة والوزير الأول إلى خانة الإدارة التنفيذية لسياسة الرئيس ويعطي للسلطة التنفيذية وحدتها المطلوبة. وهذا ما كان يتضمنه المشروع الأولي الذي أعدته لجنة التفكير التي شاركت فيها شخصيات من ألوان مختلفة ترأسها منذ جويلية 2007 السيد ادوارد بالادور وتم تقديم مقترحاتها على أساس أنها تقوي من صلاحيات البرلمان (هكذا) . غير أن تنقيح الفصل الخامس بما يتيح لرئيس الجمهورية رسم السياسة الوطنية لم يمرّ ، وتركزت أهم التعديلات على تحديد عدد المدد (النيابية والرئاسية) بمرتين متتاليتين فقط ومنح الرئيس حق العفو الخاص بصفة فردية، ومنحه كذلك صلاحيات أوسع في تعيين المسؤولين السامين بما فيهم المكلف بالمؤسسة الجديدة المسماة بالمدافع عن الحقوق (شبيه بما يعرف عندنا بالموفق الإداري وإن بمشمولات أكبر)، إلى جانب السماح لرئيس الجمهورية الذي لم يعد يترأس المجلس الأعلى للقضاء بتوجيه خطاب مباشر أمام البرلمان على الطريقة الأمريكية، ونصت التعديلات لأول مرة على الاستفتاء بطريقة المبادرة الشعبية (في الحقيقة مبادرة برلمانية مدعومة بعشر الناخبين) وأقرت مبدأ الاستفتاء لأي انتماء جديد للاتحاد الأوروبي (المقصود به انضمام تركيا)، دون أن ننسى تأكيد مبدأ المساواة القانونية بين الرجل والمرأة في الترشحات النيابية والمناصب الانتخابية والمسؤوليات الوظيفية والاجتماعية منذ الفصل الأول من الدستور. كما أتاح التنقيح الدستوري للفرنسيين المقيمين بالخارج أن يكونوا ممثلين أيضا في الجمعية الوطنية وليس فقط في مجلس الشيوخ الذي لم يستجب المشروع المصادق عليه لمطالب الاشتراكيين بخصوص نظامه الانتخابي الملائم أكثر لليمين، أما المجلس الاقتصادي والاجتماعي فقد أصبح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. ولعله من التعديلات اللافتة للانتباه في ظل الوضع الدولي المحتدم وتنافس القوى الكبرى على إعادة اقتسام العالم والتدخل بعناوين ومبررات مختلفة، ما أدخل على الفصل 35 فلئن بقي إعلان الحرب خاضعا لموافقة البرلمان فقد أدرجت فقرات جديدة متعلقة بالتدخل العسكري والنص الفرنسي الجديد في هذا الغرض يقترب من المواصفات الأمريكية حيث يسمح للحكومة بالتدخل العسكري في الخارج لمدة أربع أشهر دون أي تصويت من قبل البرلمان (ويمكن أن تطول المدة إذا تزامن أجلها مع العطلة البرلمانية) حتى وإن تم التنصيص على وجوب إعلامه في غضون ثلاثة أيام ولكن النقاش البرلماني لا يعقبه أي تصويت، فأين هذا من تعزيز صلاحيات البرلمان المعلن في الخطاب الإعلامي والترويجي لفريق السيد ساركوزي الذي يواصل بقوة دق المسامير في نعش الديغولية.
هذا وقد أحالت بطبيعة الحال أغلب التعديلات الجديدة المدخلة على الدستور الفرنسي إلى قوانين أساسية (عضوية) سيقع تشريعها لاحقا تحت مظلة أغلبية يمينية مريحة لضبط التفاصيل التي عادة ما يسكن فيها الشيطان، بما يبقى الباب مفتوحا لتقييم مدى عمق هذه التنقيحات وأبعادها وآثارها القانونية والعملية في سير المؤسسات والسياسة الفرنسية المدعوة إلى المساهمة أكثر في إعادة التوازن للعالم باتجاه المغلوبين وليس الاكتفاء بإعادة توازن وهمي لمؤسسات الجمهورية الفرنسية التي كانت ذات يوم بشعاراتها وقيمها ملهمة للانسانية جمعاء أو الاقتداء بنموذج القياصرة الجدد.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 4th, 2008 at 4 أغسطس 2008 6:35 م
الاخ عادل القادري … اسعد الله ايامك .. وشكراً لتعليقك الكريم … اما بعد فان النظام السياسي الفرنسي فهو نظام رئاسي لان الصلاحيات السيادية والدستورية الرئيسية هي بيد رئيس الجمهورية الفرنسي وليس بيد رئيس الوزراء ، فرئيس الوزراء الفرنسي هو قائد اوكسترا في سمفونية وضع الحانها رئيس الجمهورية ،فرئيس الوزراء هو قائد العازفين ولكنه ليس ( بيتهوفن ) السياسة الفرنسية.الا تلاحظ ان رئيس جمهورية فرنسا ساركوزي هو الذي يدير السياسة الفرنسية ، بينما رئيس الوزراء الانكليزي هو من يديرها.
لان النظام السياسي الانكليزي وكذلك العراقي هو نظام برلماني ولان الصلاحيات الدستورية الاساسية بيد رئيس الوزراء .ولاعلاقة للموضوع بطبيعة النظام ، ديمقراطي ام دكتاتوري في التفرقة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني.
وكانت تلك احد شروط ديكول للعودة للحكم فوضع الدستور الفرنسي لسنة 1958 باشرافه ومنح الرئيس صلاحيات واسعة وقد اشرت الى ذلك في بحثي محل التعليق ، ربما في الجزء الثاني فارس ـ بغداد
أغسطس 5th, 2008 at 5 أغسطس 2008 7:37 ص
الأستاذ عادل القادري المحترم..
أتفق معك أن (فرنسا) كانت يوما ملهمة للعالم بسبب وراثتها الشرعية لانجازات ثورتها الشهيرة،لكنها تراجعت بشكل يثير الاستغراب والدهشة بعد هذا الغزو الليبرالي لمؤسساتها الفاعلة،وقدمت مثالا ضاربا في الغرابة في عهد ميتران أيام الهجوم الثلاثيني على العراق،حيث كان الشعار الفرنسي المطروح آنذاك (لا دم فرنسي من أجل نفط لأمريكا) وكانت الاستطلاعات أثبتت وقتئذ أن 92% من الجمهور الفرنسي يعارض الحرب،..، لكن بعد أن تمت تسوية (القسمة والمصالح) حسب الوصفة الليبرالية التي لا تحتكم للديغولية ولا لغيرها،تحول رأي الشارع الفرنسي وخلال 3 أشهر الى تأييد الحرب ،حيث بلغت نسبة التأييد حسب استطلاعات المصادر ذاتها الى 92% عند سقوط أول قذيفة على رؤوس أطفال العراقيين في بغداد آنذاك…نقول ؛لعل هذا مثال يكفي للتدليل على فقدان الجمهورية الفرنسية لذلك الألق والإلهام الذي تحدثنا عنه،وهو بالضرورة يقدم بيئة مثالية وتبريرا لوجود حكم (الساركوزي) يرفع شعار المصالح فوق كل شعار إنساني تمت نسبته للإنجاز الفرنسي…
ابراهيم عبدالمجيد القيسي
http://ibraqaisi.maktoobblog.com/
أغسطس 6th, 2008 at 6 أغسطس 2008 11:49 ص
الأستاذ فارس،
اعذرني إن بقيت مصرا (لست وحدي ) على أن النظام السياسي في فرنسا ليس رئاسيا بل هو نظام مختلط، وهذه هي أهم نقاط ضعفه ويمكن تسميته بالبرلماني الرئاسي أو الشبه رئاسي، المهم أنه ليس نظاما رئاسيا ” محضا” . ويبرز ذلك بالخصوص حين يتعايش رئيس جمهورية من حزب معين و وحكومة (أي أغلبية برلمانية) من حزب آخر. كما أنه يمكن لرئيس الجمهورية حل البرلمان وهذه خاصية مميزة للأنظمة الدستورية ” المرنة” . وأرجو الاطلاع على مقالي بعنوان ” الجمهورية الديمقراطية والنظام شبه الرئاسي ” المدرج بهذه المدونة.
سلامي إليك وإلى العراق الحبيب.
أغسطس 6th, 2008 at 6 أغسطس 2008 11:55 ص
الأستاذ ابراهيم،
بدوري أتفق معك تماما فيما يتعلق بازدواجية معايير السياسة الخارجية ليس فقط لفرنسا بل لأغلب الدول الغربية ” الديمقراطية” ولعبتهم المفضلة في اقتسام العالم وتوازن المصالح.
ولكن يبقى لهم إلى جانب القيم الانسانية الجميلة المعلنة بعض الرموز ( الأشخاص بما في ذلك الآباء المؤسسون للولايات المتحدة) الذين تم أيضا تشويه إرثهم و تحريف غاياتهم النبيلة .
مع التحية والتقدير
أغسطس 7th, 2008 at 7 أغسطس 2008 6:35 م
بإسم الله الرحمان الرحيم
تونس في : 07/08/2008
بلاغ للرأي العام
بدون تعليق؟؟؟
عمدت مؤخرا أجهزة الرقابة بتونس إلى حجب مدونتي الحرية أولا وأخيرا فجأة وبدون بيان الأسباب لهذه القرصنة المشينة مباشرة بعد إختتام مؤتمر التجمع الدستوري الحاكم والذي تشدق قياديوه وأحزابه المخزنية بحرية الإعلام والتعبير وكان حقا مؤتمر التحدي ،تحدي حرية الرأي والتعبير والرأي المخالف،وذلك على خلفية تغطية المدونة المتواصل للمحاكمات الجائرة بحق أهالي الحوض المنجمي والظروف الغامضة والإجراءات المشددة التي صاحبت تسليم شهداء تونس من أجل فلسطين ، وإذ أندد بهذا الإجراء التعسفي فإنني أوكد إصراري على مواصلة النضال من أجل حرية التعبير والرأي للجميع وأنه لا صوت يعلو فوق صوت حرية الكلمة .
الإمضاء
الأستاذ خالد الكريشي المحامي
عنوان المدونة الواقع حجبها بتونس : naceur1952.maktoobblog.com
أغسطس 10th, 2008 at 10 أغسطس 2008 12:01 ص
أستاذ خالد،
أعرب عن مساندتي لك ولمدونتك ولحقك في التعبير خصوصا وأنت تمثل في تونس صوتا متميزا لتيار فكري وسياسي عزيز على كل من يحمل ذرة من إباء العروبة و كرامتها .
دمت مرفوع الرأس والصوت