حذار … لسنا في سنة 1977
كتبهاعادل القادري ، في 30 أكتوبر 2006 الساعة: 22:45 م
حذار… لسنا في سنة 1977
في مثل هذا الشهر من سنة 1977 جرت محاكمة مجموعة من مناضلي حركة الوحدة الشعبية، وقد وصلت مدة الأحكام بالسجن إلى ثماني سنوات بالنسبة إلى بعضهم بالرغم من العمل الكبير الذي قامت به هيئة الدفاع من المحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان الناشئة آنذاك… وكانت التهمة الأساسية الموجهة إلى مناضلي الوحدة الشعبية هي التحريض على زعزعة النظام وإصدار بيان جانفي 1977 المعروف باسم برنامج النقاط الخمس.
وقد عانت تونس والتونسيون عشر سنوات أخرى حالكة بعد تلك المحاكمة الظالمة قبل أن تتحقق أغلب النقاط والمطالب المشروعة التي تضمنها بيان 1977 وكان يمكن في تلك الفترة توفير التضحيات والخسائر الجسيمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا التي تكبدتها البلاد لو كان في مركز القرار من يستمع إلى صوت العقل التقدمي والوطنية الصادقة الذي عبرت عنه الوحدة الشعبية.
وما يهمنا بالخصوص ونحن نحيي هذه الذكرى النضالية الهامة في تاريخ حزبنا وبلادنا هو مدى اعتبارنا بالماضي حتى لا يتكرر ونحن نشهد ونسمع ونشعر أن شيئا من الحنين المرضي يجذب البعض إلى طاحونة الشيء المعتاد ومطابقة الموروث وترسيم دورة تاريخية عقيمة لا تراكم فيها ولا تجاوز ولا تقدم . وحتى نبدأ بأنفسنا وفي إطار نقدنا الذاتي الذي لا يعود إلى التاريخ لمجرد الاحتفاء التمجيدي نعترف أننا لم نكن دائما في مستوى الأحداث والتحديات والإصرار على النضال والتمسك بالمبادئ.
العالم تغير وتونس لم تتغير … هذا ما يعتقده ذلك البعض ( سواء بعض السلطة أو بعض المعارضة) … والعديد من المؤشرات السياسية والاجتماعية والإشاعات المحترفة والمبرمجة والتحركات التصعيدية المشروعة حينا والمجانية أحيانا تؤكد ذلك المنحى الغريب و الخطير والمرتد الذي يلتقي فيه ما تبقى من التيار المحافظ في الحزب الحاكم ورديفه في المجتمع المدني بالرموز الأكثر بروزا و صخبا واحتجاجا في المعارضة. وكأن تنسيقا خفيا يتم بينهم على مهل (رغم العداء الظاهر المستحكم بينهم ) لإعادة إنتاج نفس المرحلة من منتصف السبعينات وما بعدها مع نفس المناورات واستهدافاتها المشخصة، ويكفي تغيير الأسماء الفردية أما القوى الهيكلية الفاعلة فهي هي .. لم تتغير، تسندها في المركز شخصيات عريقة شرعت في السنوات الأخيرة بهدوء لافت في إعداد ما يشبه طبخة شاي ثالثة ستكون هذه المرة أسوأ طعما بل لا لون لها ولا رائحة ولا طعم. ويصح القول بلغة صاحب العقد الاجتماعي في هذه الخبرات المحنكة والفاعلة جدا : لاشيء أخطر من تأثير المصالح الخاصة على الشأن العام.
والمؤسف في الجهة المقابلة ـ حتى لا نقول الأطراف ـ من المشهد السياسي أن أقصى الطموحات الواعية أو غير الواعية (لافرق) لبعض النجوم المتألقين في المعارضة النخبوية الجديدة هو الوصول إلى نفس ما تحصل عليه عدد لا بأس به من النجوم الليبراليين أو اليساريين القدامى في السبعينات والثمانينات. وها إن بعضهم قد عادوا بطموحات أكبر بعد فترة إشباع واحتواء تلتها فترة خواء وارتخاء. والمؤسف أكثر أن يقبل بعض المعارضين الجدد أن يكونوا فئران تجارب أو بالونات اختبار أو بالأحرى مائدة ارتكاز صغيرة لأجنحة تتصارع في معركة ليّ أذرع نشك كثيرا أنهم يدركون أبعادها وتداعياتها.
ولن نتوغل أكثر في هذا … ليس لاعتبارات متعلقة بحرية التعبير أو الرقابة الذاتية (وإن كانت موجودة) بل لاعتبارات تهم المصلحة الوطنية خصوصا وأن معظم ما يحدث ويقال وينشر تسمع به السفارات الأجنبية قبل أن يسمع به المواطن التونسي. وهذه السفارات المختصة الآن في الصفير الديمقراطي بآذان مجانين العظمة تمثل دولا عظمى تطورت سياساتها واستراتيجياتها في الفترة الأخيرة باتجاهات استعمارية وعسكرية مباشرة لم تكن واضحة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات مثل اليوم، وأصبحت لعبة تقاسم الأدوار بينها وتصدير الأزمات تنبئ بنتائج كارثية على منطقتنا العربية بكاملها، ولا ينبغي أن نطمئن إلى أن بلادنا الآمنة والمسالمة ـ مهما تميزت في رأي إعلامنا غير المتميز ـ في مأمن خاص من تلك الأطماع التي أصبحت سافرة.
و لذلك سنكتفي هنا بتنبيه هؤلاء وأولئك من أبناء وطننا الأعزاء إلى أن 1977 ليست 2007 وأن 1978 ليست 2008، ولن نسترسل في مقابلة السنوات المتوازية (بفارق سنة أو سنتين ) على مسافة جيل كامل وما اكتنفها من أحداث ، حيث أن التشابه السطحي الذي حدث أو قد يحدث بينها قد يغريهم بتأكيد حلقتهم المفرغة والاستمرار في استعمال واستنساخ نفس الأوراق وجدول الأعمال والمناشير الصفراء القديمة، بل ندعو الجميع إلى الوعي بخصوصية المرحلة الراهنة وخطورتها الدولية وإلى رصّ الصفوف ودعم المكاسب المحلية المنجزة ـ مهما اختلفنا في تقييم مداها وحجمها ونسقها ـ وتحقيق المزيد وإلى اجتهادات جديدة تكسر سطوة الماضي وتزرع الثقة المتبادلة وترسخ التماسك الوطني والتكامل الإقليمي بعقلية منفتحة وشفافة بعيدا عن الإقصاء تنظر باتجاه المستقبل وما يحدث في العالم وتنأى بنا عن تكرار أنفسنا ونهش بعضنا البعض، فمن لا يتقدم يتراجع . وقد آلينا على أنفسنا ـ نحن مناضلي الوحدة الشعبية ـ ألا نتراجع عن التصدي لكافة المشاريع الرجعية أنّى كان لونها ومصدرها ، فشعار المرحلة عندنا: التقدم حق للجميع.
عادل القادري : جريدة الوحدة عدد 501 ـ بتاريخ 27 ماي 2006
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























