هل يضمن الدستور التونسي ومجلة الأحوال الشخصية المساواة بين الجنسين؟

كتبهاعادل القادري ، في 30 أكتوبر 2006 الساعة: 22:57 م

هل يضمن الدستور التونسي  ومجلة الأحوال الشخصية المساواة بين الجنسين ؟

رغم كل التنقيحات التقدمية  التي شهدتها سنوات 1959 و 1966 و1981 و1993 مازالت مجلة الأحوال الشخصية التي نحتفل هذه السنة بذكراها الخمسين  تتضمن تمييزا تشريعيا بين الجنسين لم يزده تطور وضع المرأة التونسية وارتقاء مكانتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية إلا بروزا ووضوحا. و يجعلها غير متطابقة مع أحكام الدستور ولا سيما بعد التعديلات التي أجريت عليه سنة 2002 وإن كان الدستور نفسه ما زال في حاجة إلى مراجعات جديدة في هذا المجال ( ومجالات أخرى) .

فالدستور التونسي لا يشير صراحة إلى ضمان المساواة بين الرجل والمرأة ، وهو ما لا تتغافل عنه أرقى الدساتير في البلدان التي حققت بالفعل المساواة التامّة بين الرجل والمرأة في القانون وتكافؤ الفرص ، فالفصل السادس من دستورنا الذي ينصّ على أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون أعمّ من أن يهمّ التمييز بين الجنسين ولا يغني ـ في اعتقادنا ـ عن التنصيص الصريح في فقرة دستورية جديدة غير قابلة للتأويل (ضمن نفس الفصل)  على أن المساواة بين الرجل والمرأة مضمونة ، أما الإشارة إلى المبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية دون تحديدها فقد وردت في إحدى الفقرات المخصصة للأحزاب السياسية وواجباتها في الفصل الثامن من الدستور ويبدو جليا أنها لا ترقى إلى المطلوب خصوصا وأنها فصلت بين تلك المبادئ غير المعلنة وبين حقوق الإنسان وكأن حقوق المرأة (وهي المقصودة في المقام الأول ضمن تلك المبادئ) ليست جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

وقد صدرت مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 في العهد الملكي قبل وضع الدستور الأول للجمهورية التونسية وبقي فيها رغم تقدميتها شيء من الصياغة الذكورية الموجهة للرجل ( مثل الفصلين 18 و19 المتعلقين بمنع تعدد الزوجات والتحجير على الرجل أن يتزوج مطلقته ثلاثا)  وشيء من الأحكام الفقهية لرئيس المجلس الشرعي الذي اقتبست منه في نسختها الأولى 130 فصلا من فصولها القانونية .

ولأن الدستور هو سيد القوانين  فمن الطبيعي أن يتبادر إلى الذهن أن القانون المنظم للأحوال الشخصية عندنا ـ على ما لقيه من إشادة دولية خاصة بالمنطقة العربية على امتداد نصف قرن  ـ مازال يتضمن تمييزا بين الجنسين .

ولنبدأ بسن الزواج ، فمن غير المفهوم أن يبقى تحديد سن الزواج بالنسبة للمرأة هو 17 عاما و20 عاما للرجل ( الفصل 5 من مجلة الأحوال الشخصية) . والأحرى أن يساوى بينهما مع اعتبار الفقرة الأولى من الفصل الخامس من الدستور الذي ينص على أن الجمهورية التونسية تضمن " الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها " وكان المفروض لتحقيق هذا التكامل والترابط أن يكون سن الزواج الأدنى المسموح به قانونيا بالنسبة للمرأة هو 18 عاما وهو السن الذي نصت عليه مجلة حقوق الطفل كحد أقصى لمرحلة الطفولة يستوي في ذلك الذكر والأنثى ولا حاجة بعد ذلك لأحكام خاصة بترشيد القاصر عند الزواج (الفصل 153 ) . وبعبارة أخرى مازالت مجلة الأحوال الشخصية عندنا تقرّ تزويج الأطفال من البنات، وهذا ما تفطن إليه الأشقاء المغاربة منذ سنتين حين إصدارهم مدونتهم الجديدة للأسرة التي ضبطت سن الزواج الأدنى بالنسبة للرجل والمرأة على السواء بسن 18 عاما وهوالمعمول به في أرقى التشريعات المدنية ( انظر المجلة المدنية السويسرية التي عمل بمنوالها المشرّع التركي) ولا بأس أن نضيف هنا خارج موضوعنا أن هذه السن (18 سنة) مطلوبة أيضا في مجلتنا الانتخابية كما هو الشأن بالنسبة إلى سن الرشد القانوني المحدد في مجلة الالتزامات والعقود عندنا بعشرين عاما. أي أن المطلوب هو التوحيد ـ  دون تمييز جنسي ـ لسن الرشد القانوني وسن الرشد السياسي وسن الرشد الاجتماعي.

أما الملاحظة الثانية الفارقة والمتعلقة بمجلتنا العريقة فتهم القواعد التي تبنتها في مسألة الميراث وهي مستندة إلى  التشريع الإسلامي وتقول ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) كما تعمل بما يسمى التعصيب لفائدة الذكور( مثال الفصل 120 : … فالمال للعاصب وليس لأخته شيء). ولما كنا نعلم أن العديد من القوانين عندنا سواء منها المدنية ( بما فيها الأحوال الشخصية) أو السياسية أو الجنائية أو الإدارية أو التجارية أوغيرها لا علاقة لها بالتشريع الإسلامي ولم تكن تحتاج إلى تأويلات واجتهادات فقهية لإقرارها وقبولها والتعود عليها فإن السؤال البديهي المطروح : لماذا نتمسك في هذه المسألة بالذات بالأحكام الدينية؟

ويحاول بعض الإسلاميين إقناعنا بالعقل أن التمييز بين الرجل والمرأة في الإرث مبرر ووجيه بقطع النظر عن مصدره السماوي وحكمته الإلهية فيقولون " إن التمييز الحاصل في الميراث بين الذكور والإناث قد حدد من وجهة الشرع الإسلامي على أساس توزيع المهام بين أعباء الرجل الاقتصادية في الحياة العائلية, وبين أعباء المرأة، لذا يرى رجال الدين الإسلامي أن جعل نصيب المرأة في الميراث نصف نصيب الرجل  ينبغي ألا ينفك عن تحديد مسؤوليات الرجل الشرعية, مادية ومعنوية ومنها التزام الإنفاق على المرأة التي هي في ولايته …".

ولأن العقل والعين والأرقام في تونس ترى وتشهد أن المرأة قد أصبحت قادرة على الإنفاق والكسب بل إن السنوات الأخيرة بدأت تعرف تفوقا نسبيا للمرأة على الرجل في ميدان الشغل (في بعض القطاعات) بعد تفوقها عليه في ميدان التعليم (الثانوي والعالي) كما أن العديد من النساء التونسيات اليوم يفوق دخلهن  دخل أزواجهن، فإن الدعوة إلى المساواة في الإرث هي أكثر حجية ومنطقية اليوم حتى من وجهة نظر أولئك المتدينين الذين مهدوا ـ دون قصد ـ فتح باب جديد للاجتهاد في مجلتنا العريقة يذهب بها في موضوع النفقة أبعد من تنقيحات سنة 1993 المحتشمة في الفصل 23 أو في الفصل 46 الذي ينص على أن البنت تبقى مستحقة للنفقة (بعد سن الخامسة والعشرين) إذا لم يتوفر لها الكسب أو لم تجب نفقتها على زوجها، وذلك حتى لا يشعر الرجل بالغبن إذا ما تم إقرار مبدأ المساواة في الإرث دون تكريس مبدأ المساواة في الإنفاق والولاية ، فضلا عن أن حالات الطلاق العديدة عندنا ومشاكلها ومخلفاتها القضائية فيما يتعلق بالنفقة على الأبناء والجرايات العمرية قد أصبحت بمثابة الكابوس الحقيقي للرجل الذي أصبح يشعر بالظلم وقد يطالب هو أيضا بحقوقه. وبعيدا عن عقلية المساومة المطلبية ( مساواة في الإرث مقابل المساواة في النفقة)  لا يمكن أن تتحقق قواعد العدل والإنصاف بين الجنسين إلا على أساس مساواة مبدئية تامة نرجو أن يغلق ملفها القانوني نهائيا في بلادنا بهذه المناسبة المتعلقة بمجلة الأحوال الشخصية التي لا ننكر أهمية ما شهدته من تنقيحات جانب نصوص تشريعية أخرى ( مثل مجلة الشغل والمجلة الجنائية ومجلة الجنسية ومجلة الالتزامات والعقود) للانكباب أكثر على متابعة الوقائع والممارسة اليومية لهذه المساواة وتعزيز حقوق المرأة وكرامتها ( مثال : بعض المحلات العمومية تعرض المرأة كسلعة جنسية).

ويبدو مما تقدم أن العائق الأول لتحقيق المساواة القانونية التامة بين الرجل والمرأة ليس الوضع الاجتماعي الحالي أو ما بلغته المرأة في الواقع على جميع الأصعدة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والسياسية ، وإنما هو الخلط بين مصادر التشريع الذي يعتبره البعض مزجا موفقا بين الأصالة والمعاصرة وما ينجم عن ذلك من اختلال وتضارب داخل النص التشريعي الواحد بما فيه الدستور. ويبقى هذا الخلط المتردد بين المصادر التشريعية  بداعي مراعاة المشاعر الدينية أو الانتماء الحضاري أو الهواجس السياسية أو الاعتبارات الذاتية (المتعلقة بالوضع العائلي وعقاراته) مبررا  إضافيا للتشكيك والتهجم على مسار تحديث الدولة والمجتمع لدى بعض المتمسكين بالدعوة النكوصية إلى الوراء . والحقيقة أن الدمج بين سيادة الشعب وسيادة السماء يضعف من بناء أي منظومة قانونية حديثة متناسقة ومتكاملة. والواجب الجمهوري يفرض التقدم أكثر في اتجاه تنفيذ الفصل الثالث من الدستور التونسي الذي يؤكد أن الشعب هو صاحب السيادة. ولا ينبغي للبعض أن ينساقوا إلى تأويلات فضفاضة ومغالطة للفصل الأول من الدستور التونسي الذي ينص على أن دين الدولة هو الإسلام وهم يعلمون أن المقصود منه الشعائر لا الشرائع. وإن كان الأحرى حتى بالنسبة إلى هذا الفصل رفع كل التباس في هذا المجال حتى لا يصبح عندنا تمييز على أساس المعتقدات بين المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات مثلما ينص على ذلك الدستور نفسه وإن كان الفصل 40 منه والمتعلق بالترشح لرئاسة الجمهورية يسمح بذلك التمييز في المعتقدات ولا يمنع من التأويل لعدم التمييز بين الجنسين.

لكل ذلك تبدو الحاجة ملحة اليوم ـ ونحن نحتفل بالذكرى الخمسين لمجلتنا العزيزة التي بدأت تفقد درجة السبق والتألق إقليميا بعد الاقتباسات الأخيرة عنها من بعض الأقطار الشقيقة ـ  إلى تجاوز مرحلة الاقتباس الأولى من  أحكام الشيخ محمد العزيز جعيط الشرعية واجتهادات الشيخ الفاضل بن عاشور البورقيبية وإلى إتمام سلسلة التنقيحات الأخيرة الحقوقية ،  مع الحرص على تفادي الخلط التشريعي بين الوضعي والديني وهو خلط مسيء لكليهما ويتنافى مع قيم الجمهورية والتقدم.

 

   عادل القادري ( جريدة الوحدة عدد 507 بتاريخ 8 جويلية 2006 )

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر