هل يمكن تعديل الساعات السياسية والمدنية في تونس؟

كتبهاعادل القادري ، في 3 نوفمبر 2006 الساعة: 15:04 م

هل يمكن تعديل الساعات السياسية والمدنية في تونس؟

 

مع استئناف التوقيت العادي في تونس ينبغي الاعتراف أن تعديل الساعات السياسية والمدنية ليس بالأمر الهين خصوصا إذا كانت عقارب الساعة الحزبية ونوابض التنافس الديمقراطي جديرة بالصيانة والتعهد والتجديد.

أحد السياسيين في تونس أعرب في الفترة الأخيرة عن إيمانه بأن دور الأحزاب يتناقص ويتقلص ودور المجتمع المدني يتطور … وأن المستقبل هو للأحزاب التي لها ارتباط أكثر وتفرع أكثر وأقوى بالمجتمع المدني داعيا مناضلي حزبه الحاكم إلى الدخول في الجمعيات وبعث جمعيات يكون لها إشعاعها الوطني وإشعاعها في الخارج.

نظريا هذا الكلام الصريح حول تراجع دور الأحزاب ـ ولا سيما منها الشمولية التي أصابها الوهن والانحلال ـ صحيح مائة بالمائة ، وتؤيده الدراسات العلمية المحايدة وترجعه إلى عدة عوامل لعل أهمها تراجع مكانة الدولة الوطنية التي ارتبطت بها الأحزاب الحديثة منذ نشأتها ، وذلك أمام زحف العولمة أو دولة العالم ، إلى جانب تهلهل صورة السياسيين وسمعتهم وتقلص الشحنات الايديولوجية للأحزاب التقليدية حتى أصبح بالكاد يمكن التمييز بينها، مع بروز الحركات الاجتماعية وشبكاتها الدولية في التسعينات لتصبح الاكثر حركية واستقطابا للشارع و تعبيرا عن مشاغل المواطنين المباشرة وإثارة للاهتمام وقدرة على المبادرة والرقابة والاحتجاج والتحرك وتقديم البدائل.

أما من الناحية الواقعية والمحلية فيتعيّن عدم حذف النقاط عن الحروف التونسية. و عندما يتعلق الأمر بالحديث عن المستقبل فمن الأجدى عدم ترك الانطباع للمهتمين بالشأن العام بأنهم يستمعون إلى صوت  الماضي و ما كان يحدث على امتداد سنوات طويلة ببلادنا من تعبئة شاملة واحتواء مطلق للمجتمع المدني من طرف الحزب الدستوري حرا واشتراكيا وديمقراطيا إلى درجة أنه يتعذر التمييز بين الدولة والمجتمع المدني والحزب الذي يمتلك الرقم القياسي العالمي لنسبة عدد المنخرطين من مجموع عدد السكان.

وهنا يجدر التساؤل : لماذا الاعتقاد والشعور بأن معظم الجمعيات والمنظمات التونسية التي تدور منذ عقود في فلك الحزب الحاكم عندنا ليس لها إشعاع وطني أو خارجي، في حين أنها تعدّ بالآلاف؟ والأكيد أن إشعاعها مرتبط وثيق الارتباط بمصداقيتها واستقلاليتها إلى جانب روح التطوع والالتزام والكفاءة والاعتماد على الموارد الذاتية وليس موارد الدولة.

و إذا كان من غير المحبذ بل من غير المتاح  أن تحذو أحزاب المعارضة التونسية حذو الحزب الحاكم

( باستثناء تلك التيارات والأحزاب غير المعترف بها التي نجد لها حضورا تقليديا مؤثرا نسبيا في الجامعة وفي النقابات والجمعيات النادرة المستقلة ) فليس من المتوقع في مستقبل قريب أن تبادر بدورها إلى دعوة مناضليها إلى بعث جمعيات جديدة قريبة منها ما دامت تؤمن أن استقلالية الجمعيات والمنظمات عن الدولة والمجتمع السياسي شرط ضروري لقيام مجتمع مدني حقيقي قادر على القيام بدوره الكامل والوازن إزاء الدولة من دون ضدية ولا تبعية. ولو أنه ينبغي الإقرار أن الاستقلالية كثيرا ما تتحول إلى شعار مرفوع فقط في وجه الآخر ،  وهذا ليس خاصا بتونس بل بكافة بلدان العالم، فحين تذكر مثلا منظمة مزارعين بلا أرض أو المنتدى الاجتماعي في البرازيل فلا يتوهمن أحد أن حزب العمال البرازيلي بعيد عن الموضوع والعكس صحيح. ومن يتحدث عن الكنفيدرالية العامة للشغل  في فرنسا يعلم جيدا أن الحزب الشيوعي الفرنسي على علاقة تاريخية وثيقة بها… وفي المقابل نجد أن الجمعيات البيئية هي التي أسست في ألمانيا وسويسرا وغيرهما أحزاب الخضر أما النقابات في أنقلترا فهي التي بعثت حزب العمال الجديد. وهذا يعني أنه يصعب الفصل بين المجتمع المدني والأحزاب،  فالجمعيات أو النقابات تحتاج إلى صوت سياسي يتبنى مطالبها و مركز قرار يدعم برامجها وأهدافها. اما الأحزاب الطامحة للوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها فتحتاج بدورها إلى روافد مدنية لتوجهاتها ومساندة لها في المناسبات التعبوية والانتخابية والاستحقاقات المختلفة.

ومع ذلك نعود لنؤكد أن انحسار دور الأحزاب السياسية وقيام المجتمع المدني بدور سياسي مباشر ليس دوره قد يؤدي ـ ولا سيما في بلدان العالم الثالث حيث بنية الدولة ضعيفة داخليا ومهددة خارجيا ـ إلى فوضى عارمة وقد أدى بالفعل في بعض هذه البلدان ( مثل هايتي )  إلى كارثة ، وقد يصل الوضع إلى تهديد كيان الدولة نفسها ووحدتها الوطنية في البلدان التي لا تمتلك بعد مقومات مجتمع مدني بالمعنى الحديث والتعاقدي للكلمة وحيث يسود مفهوم المجتمع الأهلي بخصوصياته التقليدية الوراثية والقبلية والعرقية والطائفية والدينية (وهذا حال أغلب  البلدان العربية والإفريقية ).

 إشكال آخر ينبغي التنبيه إليه، فنحن نعلم أن الحزب الحاكم في تونس أعلن نفسه مؤتمنا على التغيير وعلى مستقبل البلاد ، فهل يعني الاعتراف بتقلص دور الحزب الحاكم عندنا تراجعا موازيا عن ذلك الإصرار على احتكار المستقبل أم أنه اعتراف متأخر بالعجز الإيجابي عن القيام بكل الأدوار السياسية والمدنية من طرف حزب واحد ما زال لا يقبل أن يكون مجرد مؤسسة وسيطة مع الأحزاب الأخرى بين الدولة والمجتمع المدني. وإن كنا نميل إلى اعتبار أن الحزب السياسي حين يكون في المعارضة يكون جزءا لا يتجزأ من المجتمع المدني أما إذا أمسك بمقاليد السلطة وتسيير الدولة فيسقط عنه تلقائيا ذلك الامتياز  ويصبح من الضروري فك الارتباط بينهما. وإلا تفاقمت المشاكل والتعقيدات وتعطلت كل الساعات والمسارات.

     عادل القادري  ( جريدة الوحدة  ـ  العدد  522  بتاريخ 4 نوفمبر 2006 )

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “هل يمكن تعديل الساعات السياسية والمدنية في تونس؟”

  1. est ce qu’une tournure dans votre reflexion

    ou une nouvelle trategie de milite

    tres bon article

    il faut perseverer

  2. شكرا لدعوتي للزيارة

    رائع جدا مقالك

    والواقع أن المنظمات لا تشع في أي مكان اذا كانت تتلقى أي نوع من الدعم الخفي أوال معلن من الحكومة ,خاصة اذا كانت سباسبة

    ,او ذات طابع شبه سياسي

    شكرا لك

  3. مقال قيم وقراءة في بوصلة الساعة حيث تأرجح المكان بالزمان واختناق الصوت الانساني وتضاءله امام ماكينات تحزّب الحزب في خاصرة الانظمة لا هي قادرة على ان تصير او تكون التي براي الشخصي لاتختلف عن ماكينة ما يعلو الهرم السياسي ذاته .. ولكن سواء حدث تداخل بينهما بحيث دخل احدهما في عباءة الاخر براي الشخصي الحزب ايا كان هذا الحزب سيمارس ذات الهيمنة القصوى على المنتسبين له الى درجة استحضار الاباطرة وعقليات الجندرمة .. عذرا ان تداخلت موجاتي في مقالك القيّم انا رؤية ليس الا وقابلة للجدل والنقاش او النسيان ..

  4. الأخ يوسف والأخت بريهان أشكر لكما تعليقيكما المشجعين ، مع الإشارة إلى أن التحزب ليس شرا في ذاته وإنما بعض الممارسات الحزبية هي التي تسيء إلى الساحة السياسية والمدنية. ولا يوجد مع الأسف أي تصور بديل للتعددية السياسية من دون تنظيمات وتكتلات. فإذا كانت شرا فهي شر لا بد منه.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر