متى نستعيد حنبعل من منفاه التركي؟
كتبهاعادل القادري ، في 19 سبتمبر 2008 الساعة: 10:57 ص
لكل أرض رباطها التاريخي المتين الذي ينصهر معه التراب بالإنسان ويمتزج فيه الماضي بالحاضر والمستقبل. وقد شكلت الطقوس والبناءات التي تقام لدفن الأموات عنصرا أساسيا في حياة الشعوب والأمم و الحضارات. فتميزت مصر مثلا بأهرامها ومومياءاتها التي بقيت إلى اليوم أهم رموزها التاريخية والثقافية والسياحية بل بها تعرف مصر. في حين ليس لتونس من القبور الشهيرة سوى مقامات الأولياء الصالحين وزواياهم، وهنا ينبغي الاعتراف أنه ليس لنا في تونس بما في ذلك متحف قرطاج وبعض الآثار الرومانية معلم سياحي واحد كبير من ذلك الحجم المصري الذي يمكن أن يشد انتباه الزائرين من مختلف أماكن العالم ويكون رمزا مميزا لتونس وتاريخها العريق، ومع ذلك كانت بلادنا بأسمائها وحدودها التاريخية المختلفة موطن ومسقط رأس عدد من العظماء باعتبار صيتهم العالمي، مثل حنبعل وابن خلدون والقديس اغسطين إلى جانب المصلح خير الدين باشا القادم من أبخازيا التي استقلت مؤخرا ولم نعلن موقفنا من استقلالها. ولكن أين قبور هؤلاء؟ أين قبور عظمائنا؟
لن نتحدث عن قبر ابن خلدون المتهدم والمهمل في القاهرة، ولا عن القبر الكنسي للقديس أغسطين القابع في بافي الإيطالية والذي تمت إعادة جزء من رفاته إلى عنابة خلال القرن التاسع عشر، ولا عن قبر خير الدين باشا الذي استعدنا رفاته من تركيا سنة 1968 غير أنه لا أحد تقريبا يعرف اليوم مكان قبره في تونس بما في ذلك بعض المؤرخين وبعض العاملين في قصر خيرالدين بنهج التروبينال. بل سنكتفي بالحديث عن قبر حنبعل لأنه من النادر أن يقع السؤال أو البحث عنه، والمفارقة أن ذكر حنبعل قد لقي في بلادنا والحقيقة تقال كل التكريم والتقدير سواء بإطلاق اسمه على بعض الأماكن والشوارع والمؤسسات وحتى القنوات التلفزية أو في الخطاب السياسي الرسمي أو بوضع صورته على إحدى أوراقنا النقدية أو في دروس التاريخ القديم. ولكن يبقى الإكرام الأول للميت دفنه. ونحن لم ندفن ابن قرطاج البار حيث يجب أن يدفن.
فحين يقع الحديث عن قبر حنبعل ، يذكر اسمان الأول سبتيموس سفيروس الامبراطور الروماني ذي الأصول الليبية الذي تقول الرواية الرومانية إنه وضع في بداية القرن الثالث ميلادي رخامة بيضاء على التابوت الحجري لحنبعل مبرزا بذلك تعاطفا جنوبيا غريزيا مع القائد العظيم مازال حاضرا في ليبيا الشقيقة إلى الآن. أما الاسم الثاني فهو مصطفى كمال أتاتورك الذي أمر سنة 1934 بإقامة معلم تاريخي لملهمه القرطاجني في المكان الذي يعتقد أنه تم دفنه به حذو مدينة جبزي في منطقة ازميت (كوسايلي) التركية على الضفاف الشرقية لبحر مرمره. إلا أن مشروع المزار لم ينفذ إلا في الذكرى الخمسين لوفاة مؤسس تركيا الحديثة خلال ثمانيات القرن الفارط.

إذن حنبعل ذهب إلى تركيا ولم يعد ، وهذه حقيقة تاريخية تصدمنا وتحز في نفس كل تونسي بل كل زائر أجنبي يبحث للرجل عن قبر في قرطاج التي وقف حياته من أجلها فلا يجده. أما هناك في الأناضول فقد قام الأتراك بالواجب كما ارتأوه إزاء أكبر القادة العسكريين في تاريخ العالم. وأقاموا لمرعب روما مزارا في شكل حديقة تتوسطها صخرة كبيرة محاطة بالأشجار والأزهار نقش عليها رسم لرأس حنبعل إلى جانب شاهدة قبر لخصت مسيرة الرجل الاستثنائي و أبرزت بعدة لغات قيمة الرجل الذي أخلص لوطنه. ولئن يبدو المكان جميلا ومحترما فإنه يبقى منعزلا في تلة غابية وعرة يصعب النفاذ إليها لوجودها في منطقة شبه عسكرية شديدة الحراسة تنفر الزوار والسياح إلا ما ندر. وكأن الأشقاء الأتراك اختاروا لهذا القائد الاستراتيجي موقعا استراتيجيا يصعب الوصول إليه. والحقيقة أن حنبعل هو الذي اختار ذلك الموقع ببيتينيا القديمة في ضيافة ملكها بروسياس الأول ، حيث حاول القائد الكبير في مشروعه الأخير بعد مروره بسوريا إعادة ما يذكره بقرطاجه التي غادرها صغيرا وخذلته كبيرا .
أما نحن فليس علينا في قرطاج اليوم أن نكتفي بذلك المقام التركي، بل ينبغي لنا أن نقيم لحنبعل نصبا عظيما لا مثيل له في بلادنا وكما لم نقمه لأحد من قبل، نبرز من خلاله كل القدرات التونسية الأصيلة الفنية والهندسية والمعمارية في إنجاز حضاري فريد يمكن أن يضيف إلى تونس الثقافة والسياحة والسمعة الدولية الشيء الكثير. ولنجعل من قبر حنبعل أو نصبه التذكاري أحد أبرز معالمنا السياحية والثقافية التونسية التي سيتعزز إشعاعها العالمي دون شك بإضافة هذا المنتزه التاريخي الذي نتمنى أن تجتمع في صورة إنجازه لمسات الماضي وتطلعات الحاضر والمستقبل كما كان يحلم بها القائد العظيم المخلص لوطنه. ويجدر بالإعلام التونسي أن يلعب دوره حتى يأخذ هذا الحدث في حال التحضير والإشهار والإنجاز الهالة الإعلامية التي يستحقها وندعو بالمناسبة قناة حنبعل التي ترسل فريقا تلفزيا لتصوير سعد الصغير وزملائه من الفنانين الكبار في مصر أن تقوم بتحقيق مصور حول قبر حنبعل في تركيا، لعلها بذلك ترجع للرجل الذي تحمل اسمه بعض حقه وتسهم في تسليط الضوء على قضيته التي لم تنته.

ولا ينبغي أن يثنينا عن ذلك تشكيك البعض في وجود قبر حنبعل أصلا بالمنطقة التركية المذكورة. بدعوى أن بعض علماء الآثار الأوروبيين ومنهم العالم الألماني تيودور فياجند قد قاموا ببعض التنقيبات سنة 1906 دون أن يجزموا بشيء… ويبدو حسب بعض الروايات أن باحثين أنكليز قد عادوا حينها إلى بلادهم ببعض المعثورات التي لم يكشف عنها. ويمكن أن يتم إرسال فريق مختص من علماء الآثار التونسيين الأكفاء إلى تركيا للغرض على أن يتم ذلك بالتوازي مع إنجاز المشروع دون تعطيله بأي حال. والأكيد أن العلاقات التونسية التركية العميقة ستيسر مهمتهم النبيلة. ولن تقنعنا هنا رواية السيد الطاهر بلخوجة (مثل كل مذكراته الهشة) حول محاولة الزعيم بورقيبة استعادة رفات حنبعل دون جدوى وعرضه المتحامل للمسألة في شكل شخصي مرضي ضيق. ومهما يكن من أمر فإننا نعتقد أن المهم هو الجانب الرمزي لعودة حنبعل حتى وإن كان رمادا تناثر في البحار.
ودون مبالغة يمكن أن نتوقع مردودية معتبرة لهذا المشروع الاستثماري المندرج ضمن السياحة الثقافية … ونتوجه هنا بدعوة ملحة إلى السيدين وزير الثقافة والمحافظة على التراث ووزير السياحة لإيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من عناية، ولتتضافر جهود الجميع من أجل إنجاز مشروع خطط له في السابق وبقيت منذ سنوات تصاميمه (التي تتطلب التحيين) حبرا على ورق، بلا سبب واضح رغم أن قطعة الأرض التي ستحتضن المشروع تم اختيارها حينها ولكن توقف كل شيء دون سبب واضح بما خلف حسرة وحرقة في نفوس الكثير من محبي حنبعل الذي طالت غربته عن وطنه أكثر من اللازم. حنبعل الذي لم يكن مجرد قائد عسكري بل رجلا سياسيا من الطراز الأول كان يحلم بأن يكون البحر المتوسط متعدد الأطراف وليس حكرا على روما التي أقسم على مواجهتها.
ونختم بإعادة التأكيد أن المشروع المقترح لمقام حنبعل سيمثل إضافة هامة ليس فقط لمنطقة قرطاج بل للسياحة الثقافية في تونس بأسرها.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 21st, 2008 at 21 سبتمبر 2008 4:14 م
لا أعلم لماذا يتم تقزيم العمالقة في بلدنا هذا
أليس حنبعل جديرا بالتكريم و بكتابة اسمه بالذهب كما فعل مسؤولينا مع نزار قباني و لم يفعلوا مع حنبعل و ابو القاسم الشابي شاعر الخضراء و ملهمنا و محرضنا على حب تونس ألا يستحق هؤلاء بعض التقدير؟؟
غريب حقا
شكرا أخي عادل على اللفتة الكريمة و لعل عزائنا الوحيد هو احياء ذكرى أبطالنا و عظمائنا
من خلال أقلام مثقفة كقلم حضرتك
مع بالغ احترامي
سبتمبر 23rd, 2008 at 23 سبتمبر 2008 8:29 ص
تسعدني ملاحظتك يا جيهان.
دمت بخير.
سبتمبر 23rd, 2008 at 23 سبتمبر 2008 8:59 م
عريضة
نحن الممضون أسفله المعطلين عن العمل و المتضررين بسبب الاستخدام الفاسد للسلطة من قبل الوزر السابق للتربة و التكوين المدعو الصادق القربي.
- نطالب الجهات المختصة بالتحقيق في التجاوزات المرتكبة في حق أبناء الشعب منذ اعتلاء القربي وزارة التربية.
- ندعو كل من تعرض لمظلمة جراء الفساد و استغلال النفوذ أن ينشر ما لديه لمساعدة العدالة.
- نطالب بتعويضنا عن الضرر المادي و النفسي بسبب اقصائنا من النجاح في مناظرة الكاباس لدورات متعددة بالإضافة إلى اعتماد طرق ملتوية في الانتداب اذ عمد إلى الانتدابات العشوائية و التي لا تراعي مقياس الجدارة بل الانتماء الجهوي هو الفيصل عنده.
ترسل الامضاءات الى البريد الالكتروني
contrecorruption3@gmail.com
العريضة ليست حكرا على المعطلين عن العمل بل موجهة لكل الضمائر الحية
الاسم و اللقب الصفة البلد