آمال المثلوثي:صوت الحرية لا حدود له

كتبهاعادل القادري ، في 25 سبتمبر 2008 الساعة: 13:18 م

amalad

في سهرة رمضانية رائقة وأمام جمهور متعطش للفن البديل والمغاير ملأ قاعة الحمراء بفضاء الزفير بالمرسى، قدمت الفنانة الشابة آمال المثلوثي يوم 19 سبتمبر 2008 عرضا موسيقيا متميزا يملأ الأذن والعين والقلب. ولعل أجمل ما في هذه المغنية العازفة المتوقدة أنها تمنحك الإحساس بالقدرة على تذوق الفن الراقي والصادق حتى وإن كنت لا تعرف شيئا من أسرار الموسيقى وألوانها. وحدها أو تكاد ملأت الركح برفقة منسجمة ومتناغمة مع عازف العود المقتدر ماهر بالحاج.
أناملها على قيثارتها كالنسمات حينا وكالعاصفة أحيانا ، سرعان ما تتحول مع الأغنيات القصيرة المتتابعة (نمن بيك مانيش ناسيك، كلاب وذئاب،الثنية طويلة، بين الوديان…) إلى موجات ضوئية رائعة التناسق مع حركة الساق المتوترة سواء عند وقوفها ومشيها على الركح أو في جلستها المميزة على كرسيها المرتفع، أما صوتها المتوثب على امتداد ساعتين من الحفل فقد كان قادرا على المناورة الناجحة بين النغمات الشرقية والغربية في خط متصل متحديا ما قد يطرأ سطحيا من رتابة أو نشاز. ومما زاد المشهد جمالا توظيب ذكي الإضاءة يتخلل العتمة بحمرة متجانسة مع لون اللباس الحر البسيط الذي ترتديه الفنانة المتمردة بل يلبسه الركح، وكأنها باقة وردية من الأعصاب المرهفة أو كأنها تجسيم حي لإحدى أغنياتها التي تقول: لازم يكون في وسطك جمرة وفي قلبك شرارة… من أجل الحرية وضد الخضوع …
من يستمع إلى آمال المثلوثي ويشاهدها للمرة الأولى يدرك على الفور أنها اختارت مسلكا صعبا في زمن صعب قيل إنه أسدل فيه الستار على الفن الملتزم والبديل. مع آمال يعود إلينا الشيخ إمام ومارسيل خليفة وخالد الهبر ولطفي بوشناق آدم فتحي وآخرون غيرهم من آفاق عربية وإسبانية وأمريكية لاتينية أصيلة وثائرة. ولكنهم جميعا ذابوا في الكلمات والألحان القديمة والجديدة التي اعتصرتها آمال وبعض أصدقاء دربها الفني من أعماق واقعهم وغربتهم داخل وطنهم أو خارجه رافعين شعار الحرية والأمل والتحدي في وجه الضياع والنسيان والقيود.
كلماتها بسيطة وعميقة في آن وهي التي تقول مسكونة بهاجس إنساني كوني إن الموسيقى هي الحرية الحقيقية الوحيدة. تغني لفلسطين كما تغني للتيبت، دون أن تنسى نفسها و آهات المظلومين والمقصيين (اجتماعيا وسياسيا) وزفرات العشاق المتفردين والمخدوعين، وتحرص في وفاء نادر هذه الأيام على أن تهدي أغنياتها الواحدة تلو الأخرى لأصدقائها أو لأبيها. كما أنها لا تخفي تأثرها بالعديد من الأنواع الموسيقية من الموسيقى الغجرية والفلامنكو والفولك إلى السلتية والإفريقية التقليدية والمعاصرة. ولذلك نجدها قادرة على أن تؤدي بامتياز بعض الأغنيات العالمية في لغاتها الأصلية مع المحافظة على نفس الروح التي تحرك أغنياتها الخاصة بها والتي كتبت كلماتها ولحنتها مع بعض رفاق دربها الفني الذي يتطور ويتسع كل يوم بحثا عن الأرقى والأفضل والأكثر نضجا.ولئن بدا لبعض متابعيها أن الجمهور الحاضر في حفلها المرساوي الأخير كان أقل تفاعلا وحيوية من سهرات سابقة أحيتها آمال المثلوثي فالأرجح أن أغلب الحاضرين كانوا ممن يكتشفون لأول مرة فنها المغاير والمفاجئ. وهنا تجدر الملاحظة أن شبكة الانترنت (وبالتحديد شبكة فايسبوك) قد لعبت دورا هاما في الدعاية والتعريف بهذه الفنانة الواعدة حيث قام أصدقاؤها والمتحمسون لتجربتها بحملة دعوات نشيطة استجاب لها الكثيرون بمن فيهم بعض الفنانين المعروفين (كالممثل محمد علي بن جمعة).

amal2وقد جاءت بعد حفل الحمراء بالمرسى استضافة الفنان العراقي الكبير نصير شمه لآمال المثلوثي حتى تشاركه في آخر عروضه التونسية بدار الثقافة ابن رشيق كشهادة إضافية حول أحقية آمال المثلوثي المقيمة بين تونس و باريس في أن تأخذ المكانة الجديرة بها على نطاق أوسع في الساحة الفنية التونسية والعربية والدولية، بعد أن شاركت في السنوات الخمس الأخيرة في العديد من المهرجانات والتظاهرات الدولية في مختلف القارات. ومع ذلك كله لا بد أن نقول لآمال المثلوثي كما تقول إحدى أغنياتها الرائعة إن أمامها الثنية طويلة لتسير بل تطير بإبداعها وفنها المتميز أبعد وأعلى، وهي المنفتحة دائما على كل التجارب والأصوات الإنسانية غير منبتة عن جذورها المحلية. ونأمل أن تجد آمال ما تستحقه من تشجيع حتى تتمكن في القريب العاجل من إصدار ألبومها الأول خصوصا وأن رصيدها الغنائي يسمح لها بذلك.

عادل القادري ـ جريدة الوحدة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “آمال المثلوثي:صوت الحرية لا حدود له”

  1. حقا أصابني الإحباط أو لنقل كاد, وعندما أتفتح علي كتابات جيدة ومواضيع جيدة مثل هذا الموضوع يرتعش جسمي ويتنفض من جديد أحييك من كل قلبي وأشد علي يديك بحرارة وها أني أدرك موقع يشفي غليلي ويبعث فيا التفاؤل من جديد

  2. العزيز قمر الزمان

    كلماتك الرقيقة تشحن القلب والقلم ، وأرجو أن أكون في مستوى تلك الكلمات

    بدوري أحييك ومدونتك المتميزة التي تنتصر للحرية والحق والجمال

    مع التقدير والسلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر