أحزاب آخر زمان غير ايديولوجية

كتبهاعادل القادري ، في 10 نوفمبر 2006 الساعة: 17:12 م

حين نفقد الإيمان بالعقل والمنطق تسقط السماء على رؤوسنا وتختلط علينا السبل ويصيبنا الحول فنرى اليمين يسارا وقد يتجرأ اليميني على اليميني ويعارضه بشدة ليأخذ مكانه  ولكنه يبقى يمينيا.

أحد أبرز المعارضين التونسيين ( الحقيقيين ) أراد أخيرا أن يحسم الموقف نظريا وينهي الجدل ويعطي الملامح الأساسية المميزة لهوية حزبه وهو على أبواب مؤتمر. فتقدم وتأخر ثم رفع صوته الديمقراطي التقدمي عاليا ليجزم بأنه يقف في نفس الموقع السياسي مع الحزب الحاكم  وأطلق على هذا الموقع المشترك صفة ( يسار وسط ) ضاربا عرض الحائط كل اتهاماته الصاخبة  لبعض المعارضين الآخرين  بقرب مواقفهم المعلنة من السلطة .  وقد تبيّن من زواج ( ميزاته  الأربع ) ـ وأجملها الانفتاح الاقتصادي التام أو الموت الزؤام ـ  أنه أقربهم جميعا  من السلطة في مستوى البرامج. وهذه في الحقيقة ليست مفاجأة ولا مفارقة لمن يدرك بأن الشتائم و روح الزعامة الشخصية و المزايدات والمناورات والتحالفات السياسوية  لا تصنع حزبا معارضا أصيلا ولا برنامجا بديلا ولا مستقبلا مغايرا .

و لا يمكن لذلك  الزعيم الديمقراطي أن يعترض بالقول إنه يقصد الموقع الايديولوجي ما دام قد  استحضر كل ما في جعبته من نظريات وأفكار ليثبت أن حزبه بلا منظومة أفكار وليس حزبا  ايديولوجيا  بل حزب برامج  له طبيعة سياسية ( كذا) !! وهذا أيضا ما نستمع إليه في السنوات الأخيرة من منظري الحزب الحاكم عندنا وقد ألفوا فيه الكتب. وهم يريدون أن يقولوا بطريقة مهذبة أنهم انزاحوا من يسار الوسط إلى يمين الوسط و هذا في حد ذاته ليس جرما لأن التمييز بين اليمين واليسار لا علاقة له بالتمييز الأخلاقي القديم بين الخير والشر كما أن الإيمان بالتقدم ليس حكرا على اليسار وقد كان من الأفضل الإعلان عنه بوضوح. ولكننا نعلم أن من أوجه التمايز الشكلية بين اليمين واليسار  أن أهل اليسار يعلنون بافتخار واعتزاز عن انتمائهم إلى اليسار أما أهل اليمين فيتحرجون كثيرا قبل الاعتراف بانتمائهم إلى اليمين وقد يرفضون أصلا هذا التقسيم الثنائي المهيكل لأي خارطة سياسية و الوظيفي للفهم والتحليل والتقييم وقبل ذلك للتأطير الحزبي والتلاحم النضالي وتشكيل الرأي العام وعقد التحالفات .

ولعلمنا القيم والمبادئ ثابتة أما البرامج السياسية فمتحولة ومتغيرة. وكذلك البراغماتية التي لم يتم النطق باسمها ـ وربما تكون الأنسب للعرض الباهر و الصحن التونسي المختلط الذي تم تقديمه ـ فهي أيضا فلسفة سياسية وايديولوجيا معروفة الموطن والمنشأ .

والغريب أن يعود  منظرنا الكبير ليعلن أن حزبه لا يشكو من أزمة هوية بل ينبني على (فكر سياسي مميز وفعال). وكيف يتناسب هذا الفكر السياسي المميز والفعال مع إيمانه بموت الايديولوجيا بدعوى أن الايديولوجيا تساوي الشيوعية والشيوعية تساوي الاشتراكية وجميعها دفنت تحت حائط برلين. وهذه معادلة مركبة كاذبة تاريخيا وساقطة فكريا وسياسيا وهي مما تحكى لحفاري القبور، لأنها من الأساطير الرأسمالية التي يرويها  عبيد الواقع  على إيقاع القنابل الحارقة  والرساميل والاتصالات الخارقة للدول الوطنية منذ تسعينات القرن الفارط. و ليس سرا أن الليبراليين والمحافظين الجدد هم الذين يروجون هذه الإشاعة السوداء (أي موت الايديولوجيا ) وهي عبارة عن ايديولوجيا الموت ولهم مصلحة في ذلك

فأي مصلحة في بلد صغير لحزب معارض صغير ـ ليس في السلطة وإكراهاتها الدولية ـ    أن يتبنى معهم بالتوازي الأدنى تلك  الرؤية الاحادية الملساء الشمولية و أن يتحدث بمنطق الحكام الذين ألمّوا من كل شيء بطرف،  اللهم إلا إذا كان يتخيل أنه أصبح مؤثرا فعلا وقريبا جدا من الوصول إلى السلطة وعليه أن يعدّ العدة لحركة برتقالية نعرف جميعا من يشرب عصيرها في الأخير معرضا عن أحد أهم أوجه المعركة السياسية وهو الصراع الايديولوجي . ولماذا  يجهد نفسه بعد أن حرق ورقته  الايديولوجية كي يجد له موقعا مميزا على الخارطة السياسية التونسية التي غطاها بالورود من كل جانب  ( مع الاعتذار لظلام هيجل وبقراته) رغم تأكيده أن حزبه المائع فكريا والمتعدد المصادر بلا مكان محدد . ثم يزعم بعد ذلك كله أنه يمثل ( يسار الوسط ) وصوت المعارضة الصالحة غير الطالحة.

وهذه قصة أخرى  لا بد أن نعود إليها لاحقا بأكثر تفصيل لأنها تعنينا ولا تعنيه .

 

             عادل القادري

( جريدة " الوحدة " التونسية ـ العدد 523 ـ 11 نوفمبر 2006 )

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “أحزاب آخر زمان غير ايديولوجية”

  1. و لكن ما رأيك يا ….. في أحزاب الذّل و الهوان و صّحفها الصّفراء

    الوحدة الشعبية نموذجا صارخا

    لأنّه ليست من عاداتي إضاعة الوقت في المجادلات العقيمة مع أمثال عادل القادري (الذي لا أعرفه شخصيا)، و لأنّ ما ورد في مقال الأستاذ أحمد نجيب الشّابي الأمين العامّ للحزب الدّيمقراطي التقدّمي قد يكون في حاجة لقراءة نقدية (و هو ما اعتبره حقّا في تكريس الممارسة الديمقراطية، و ضرورة لأنّ مقاله لم يتطرّق باستفاضة لخصوصيات تجربة الحزب الدّيمقراطي التقدّمي كحزب غير إيديولوجي) غير أنّ القراءة النقدية لا تكون بالتهكّم و التلاعب بالألفاظ على طريقة زبانية السّلطة وعملائها، بل بطريقة أكثر جدّية و عمق من تلك السّخافات التي تلفّظ بها عادل القادري؛ لذلك فإنّني سأقتصر على تذكيره بأنّ الحزب الدّيمقراطي التقدّمي و كافة مناضليه و مناضلي الحركة الدّيمقراطية الصّادقة و المستقلّة بتونس لم و لن يقبلوا نصائح و توجيهات مناضلي التزلّف وإهدار أموال المجموعة الوطنية التي حرمت منها الأحزاب المناضلة و صحفها، مناضلي الإستكانة و الخضوع و الوقوف عند سقف الولاء و التأييد و المساندة و هلمّ جرّا من المضحكات المبكيات: الوحدة الشعبية نموذجا صارخا. لن يقبلوا منك يا ….. نقدا يفتقد لأبسط مقتضيات الحوار الدّيمقراطي الهادف و البنّاء، لآنّك لست في مستواه بعد و لأنّ مقالك لم يرتق له بالمرّة، و لأنّ الحزب الذي تنتمي إليه و الجريدة الصّفراء التي تكتب على أعمدتها هي عنوانك الكبير، الذي لا يحتاج لوصف و لا لتوصيف.

    لن أكلّف نفسي عناء محاورتك و لكنّني أطمئن كافة أصدقاء الحزب الدّيمقراطي التقدّمي بأنّ مناضلي الحزب بصدد إعداد مؤتمره الثّاني خلال شهر ديسمبر القادم، حيث سيشهد تقييما لتجربة الحزب و أدائه السّياسي و التنظيمي خلال السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك تجربة الوفاق السّياسي بين مناضلين ينحدرون من مشارب إيديولوجية مختلفة و تجارب نضالية متباينة، و هي مناسبة سنعمل من خلالها على عرض عديد الورقات و اللّوائح و مناقشتها و إصدار وثائق توجيهية بناءا عليها تتعلّق بالخطّ السياسي للحزب و خطّته التنظيمية للمرحلة المقبلة و رؤيته لمجمل القضايا الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية و التربوية… و الأكيد أنّ نتائج هذه الورشات و الورقات المتمخّضة عنها ستعرض على صفحات جريدتنا الغرّاء الموقف و على موقع الحزب الدّيمقراطي التقدّمي.

    لست مدافعا عن الأستاذ أحمد نجيب الشّابي في شخصه لأنّ تاريخه النضالي الحافل و ما راكمه من قراءات و كتابات فكرية و سياسية يجنّبني مثل هذه المهامّ، لكنّني أجذب أذن “عدّولة” و أمثاله غيرة منّي على تجربة أساهم في نحت معالمها مع بقيّة مناضلي الحزب و كلّي قناعة بوجاهتها.

    اختم بعامّيتنا التّونسية لأقول لصاحب المقال: احشم ياعدّولة و العب قدّام داركم، هذيا نقاشات نساء و رجال أحرار و مناضلين، مش متاع ببّوش بو مصّة. و ربّي يهديك و يحسن عاقبتك، و خوذ العبرة من غيرك و نحبّ نقلّك حاجة مهمّة: التجمّع، يحقر النّاس اللّي يعملوا كيفك فما تتصوّرش اللّي هوما باش يحترموك، فكون معارض محترم و إلاّ لوّح عليك.

    أقدّم كافة اعتذاراتي لقرّاء توني نيوز على الأسلوب الذي اعتمدته في الرّد على المدعو عادل القادري لأنّه لا يمتلك الحدّ الأدنى لأدبيات المحاورة الفكرية و السياسية و اعتقد أنّه لن يفهم إلاّ لهجته.

    رامي الصّالحي

    من شباب الحزب الدّيمقراطي التقدّمي

  2. الأخ العزيز رامي،

    سمعت عنك وعن أخلاقك ما يثلج الصدر، وربما التقينا في بعض منتديات الموقف والجاحظ مع الصديق سليم الزواوي، ولتكن متأكدا أنني لا أعارض أو أنتقد أشخاصا . بل برامج ورؤى ومنظومات سواء في السلطة أو المعارضة أو عامة الشعب .

    لم أدخل السياسة إلا في سن النضج. ولم تأخذني حماسات الشباب وسجالات الجامعة وأقطابها وبعضهم كما تعلم في أحسن الأحوال الآن.

    والطريف أنك سبقتني بتشريف مدونتي بهذا المقال الذي قرأته من قبل في موقع تونس نيوز ، وقد كنت بصدد إدراجه في مدونتي لإعطاء فكرة عما يمكن أن يفعل التعصب الحزبي الأعمى بأحسن الأخلاق الفردية.

    ولو قرأت مقالي جيدا والمقالين السابقين له لاكتشفت أن نقدي للسلطة هو أعمق من سبك لي ولها.

    مع العلم أن مقالي حول تعديل الساعات السياسية والمدنية قد انتقد بشدة أحد أبرز رموز السلطة عندنا ولكن أخلاقه وخبرته تقبل السجالات النظرية العميقة (أكثر مما تصور) ولا تعتبرها عقيمة مثلك ومثل أمينك العام.

    وفي الأخير يبدو أنك لم ترم إذ رميت يا رامي بل إن أحد النجباء هو الذي رمى.

  3. salem

    ,

    ne te prends pas la tête avec des gamins “révoltés” et qui se la jouent intrépidos”".. …………………………………………………………………………………

    نصحني احد الاصدقاء الطلبة بقراءة “الموقف”, “الجريدة الغرّاء”, -( غوغاء plutot)- لاهذب معلوماتي و اتثقف سياسيا حول الوضع في تونس و ما “اثقف” ما قرأت!!

    ……………………………………………………………………………………..

    voilà ce que j’ai lu dans un article du secrétaire général du parti, qui est censé être la porte parole principale du parti ……………………………………………………………………

    {”ومن هذا المنظور،أصر على أن الاشتراكية – الديمقراطية لا تملك مشروعا مجتمعيا مختلفا عن أحزاب اليمين في العالم الغربي وانما تتميز عنها ببرنامجها السياسي والاجتماعي والذي يعكس مصالح فئات اجتماعية مختلفة .”} ………………………………………………………………………

    cette phrase m’est déjà un peu trop paradoxale!!!!

    tout au long de l’article il s’agit d’affirmer, de croire, d’insister et de répéter et de prétendre!!!

    …………………………………………………………………………alors que:

    1-الاصرار و الاعتقاد والتكرار و الزعم بالتحديد دليل على التخبط في الاديولوجيا.الهوية تنمو مع الوعي بالتمركز الاديولوجي, ذلك ادنى ان تعرف و يعترف بها ف “ما توليش تشليك موش هوية”… ………………………………………………………………..

    2-في مقاله لا ارى وعيا بالتخبط والخلط الذان يقع فيهما فاما ان يكون ذلك ناتجا عن لا وعي واما ان يكون متعمدا لذر الرماد في عيون من ينتقده و عيون قارئيه و قارئيهم .. ……………………………………………………………………

    3- الاصرار و الاعتقاد لا يكفيان للاقناع الا اذا اردنا اعادة تعريف المفاهيم و العلاقة بينها …………………………………………………………………..

    Si le parti se déclare de droite, je n’aurai rien à dire, mais qu’on me dit après que c’est de la gauche, euh.. non je ne suis pas d’accord.. qu’on me dit un parti schizophrène.. là je comprend.. « Ibtassem ennaha touness !!! »

    c’est trés facile de crier au martyr.. ” tous nous envient, nous détestent..” zw..la myopie intellectuelle renforce le gout pour le vulgaire et les commentaires dignes d’une “réalités” ou pire..

    alors qu’on essaye d’instaurer un débat, un échange d’idées, ils préfèrent un combat de coqs ou un lynchage populiste..

    ton article est juste ya Adel, ne fais pas attention à

    ceux qui s’attaquent aux personnes parce qu’ils ne peuvent pas argumenter contre leur idées.. ….

  4. رامي الصّالحي قال:

    إلى عادل القادري،

    أكتب لك بكلّ تجرّد و بدون أية خلفية، لأقدّم التوضيحات التّالية،

    أوّلا و بعد الإطّلاع على تعليقك الأخير و مشاهدة صورتك على الموقع تذكّرت أنّنا بالفعل - و كما قلت - قد تقابلنا في فضاءات عديدة بمعيّة الصّديق سليم الزواوي، و هو أمر إيجابي يسقط عنّي على الأقلّ تحفظّ عدم معرفتك.

    ثانيا، أنا أقدّر الإنسان و احترمه مهما كان انتماؤه أو جنسه أو لونه… غير أنّ الإنسان عندما يمتزج بالسّياسة قد يطوّر المعادلة نحو الأفضل و لكن قد يجعلها تميل نحو الأسفل كذلك، و هو ما علينا العمل على تفاديه.

    ما كتبته في مقالك لم و لن أصادره كحقّ، و لكنّ ما ورد فيه من تجنّ و تهكّم على تجربة سياسية تعاني ضغوطات سياسية و أمنية من السّلطة و من الأحزاب الموالية لها، يفقد مقالك موضوعيته و يجعله يتنزّل في إطار غير سليم. و هو ما رفع عنّي حرج الحدّة.

    لم يرمك غيري يا عادل و اسأل ب-حسن فسيقول لك من أنا و ما هي مواقفي و ممارساتي، فلا تذهب بمخيّلتك بعيدا.

    أدعوك للتفاعل الإيجابي و للتجاوز. و أبادرك بذلك في انتظار تقاطعات قادمة.

    ramysalhi@yahoo.fr

    رامي الصّالحي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر