الوحدة الشعبية و تأسيس دولة الاستقلال

كتبهاعادل القادري ، في 21 نوفمبر 2006 الساعة: 14:55 م

الوحدة الشعبية و تأسيس دولة الاستقلال

في حين كثر الحديث المستسلم والمحبط عن عودة الاستعمار والفشل المطلق لمشروع التنمية والدولة الحديثة يحتفل مناضلو حزب الوحدة الشعبية في مارس 2006 كجميع التونسيين بالذكرى الخمسين للاستقلال ولعل تزامن تنظيم المؤتمر الوطني السابع للحزب الذي ينعقد تحت شعار " التقدم حق للجميع " مع اليوبيل الذهبي للاستقلال يجعلهم أكثر استحضارا لروح الماضي بعيدا عن تلك الرؤية العدمية المتخاذلة الخطيرة التي لا تعترف بأي إنجاز لأنهم يدركون جيدا أن لا تقدم بلا تجذر وأن التقدميين الحقيقيين يجعلون من احترامهم العميق للماضي منطلقا لهم  مثلما تجعلهم إرادتهم التقدمية يسيرون بثقة و ثبات في اتجاه المستقبل أي باتجاه إقامة المجتمع الاشتراكي الإنساني الكفيل بإعلاء قيم العدالة والحرية والمساواة والكرامة.

 وفي هذا السياق تمثل الرموز التاريخية في حياة الأحزاب السياسية قيمة أساسية وأهمية قصوى بكل المقاييس الفكرية والوجدانية اللازمة لتغذية روح النضال والالتزام التي أصبحنا نفتقدها بسبب طغيان الاعتبارات الشخصية الضيقة والنرجسيات التافهة.

فمنذ أربع سنوات سألت  نورة بورصالي (مجلة حقائق) بعض الشباب في تونس إن كانوا يعرفون أحمد بن صالح و أعربت عن أسفها العميق لإجابتهم بالنفي . ولم تخف سخطها على هذا الجهل بتاريخ ليس ببعيد : تاريخ الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة. ولا يمكن للمناضل في حزب الوحدة الشعبية أن يخفي إزاء ذلك الجهل العام والتجاهل الرسمي شعوره بمسؤولية خاصة عن التقصير في التعريف بأحد أهم بناة الدولة التونسية الحديثة الأستاذ أحمد بن صالح باعتبار أنه إلى جانب دوره كرجل دولة وزعيم نقابي مؤسس حركة الوحدة الشعبية. ولذلك نعتقد أن التذكير بإنجازات هذا الرمز التاريخي الكبير واجب حزبي مثلما هو واجب وطني. وهو الكفيل  لنا بفهم حاضرنا بطريقة أفضل و إحكام صياغة مستقبلنا.

وهنا ينبغي القول إن لحزب الوحدة الشعبية ماض يبعث على الثقة والاعتزاز وجذور عميقة أبعد من سنة 1983 تاريخ حصول الحزب على التأشيرة بل وأبعد من سنة 1973 تاريخ تأسيس حركة الوحدة الشعبية ، فالحزب السياسي فكرة وتنظيم وتلك تواريخ التنظيم أما تاريخ الفكرة والبرنامج فيعود إلى سنة 1956 حيث ولد مفهوم " الوحدة الشعبية " بصيغة تونسية أصيلة لا شرقية ولا غربية من رحم الحركة النقابية العظيمة والتيار التحرري الشعبي الممتدة جذوره ببلادنا من محمد علي الحامي والطاهر الحداد إلى فرحات حشاد وأحمد بن صالح.

ولئن كان حشاد ناطقا باسم الشعب يعتقد أن " الاستقلال السياسي بغير الرقي الاجتماعي وبغير سيادة العدالة الاجتماعية وتغيير القواعد الاقتصادية والاجتماعية للنظام القائم ليس إلا غراء خادعا خطيرا"  فقد تبلورت هذه الرؤية التقدمية  سنة 1956 في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر أول منظمة نقابية في العالم الثالث تقوم بهذه المبادرة ذات البديل الشامل . وقد منح ذلك البرنامج الرائد الدولة التونسية المستقلة الناشئة دعائمها الأساسية ومخططها التنموي الأول  و ضمن للمجتمع التونسي الغارق في الفقر والبطالة والأمية والمرض مكاسب اجتماعية واقتصادية لا يمكن نكرانها إلى هذا اليوم في الوقت الذي كان فيه برنامج الحزب الدستوري يفتقر إلى المحتوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي .

ولا يمكن لأي مناضل في حزب الوحدة الشعبية إلا أن يعتز ويفتخر بأن مؤسس الوحدة الشعبية الأستاذ أحمد بن صالح ـ الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل آنذاك ( 1954 ـ 1956 ) والذي تم عزله من قيادة الاتحاد بإيعاز من الزعيم بورقيبة مستغلا فرصة سفره إلى المغرب الأقصى لتوقيع اتفاقية توحيد نقابات العمال في المغرب العربي ـ  كان المشرف على إعداد و إنجاز ذلك البرنامج الذي تضمنت مقدمته الرائعة مفهوم " الوحدة الشعبية " ومبادئها الأولى وأعلنها صراحة " أنه في بلاد مثل بلادنا لا يمكن أن تبقى القوى على توزيعها الحالي رغم ما يربط بينها من وحدة قومية. عندنا أن الوحدة القومية (بمعنى الجبهة الوطنية للزعيم بورقيبة) يجب أن تكون وحدة شعبية"  ونبه الجميع " إن البرجوازية التونسية إذ تحاول أن تشغل الشعب عن الكفاح الاجتماعي لتفعل ذلك عن قصد أما الحكومة فليس لها أن تسايرها في ذلك" وقد كان أحمد بن صالح يحلم قبل الاستقلال وبعده أن يكون لتونس حزب عمالي يعمل على تقدم البلاد ولكنه لم ينجح في ظل نظام الحزب الواحد الذي فرضه الزعيم بورقيبة إلا في تحويل الحزب الحر الدستوري سنة 1964إلى حزب اشتراكي بلا اشتراكيين باستثناء نخبة مجتهدة أصابت وأخطأت ثم أصيبت في محاكمة غريبة عاقبت المجتهدين المخلصين وتغافلت عن المتقاعسين الحقيقيين والمتآمرين والمنبتين والمخربين والعابثين .

وقد كان أحمد بن صالح مولعا بالنموذج الاسكندينافي التعاوني الذي لم يتعرض إلى التخريب من الداخل ومازالت تقارير التنمية البشرية بمختلف مؤشراتها تؤكد سنويا أنه أفضل نموذج اجتماعي في العالم وحين أصبح عضوا في الحكومة حاول بإخلاص وصدق تطبيق برنامجه الشعبي وقد نجح نسبيا ـ رغم كل الإشاعات المغرضة اليمينية واليسارية ـ في ترجمته إلى وقائع ملموسة في الصحة والتعليم والصناعة والفلاحة والتجارة والسياحة فكانت  سياسة تنمية وطنية مبنية على إرادة التحرر من التبعية للمستعمر القديم وعلى تنظيم وتقوية الجهاز الإنتاجي عن طريق التخطيط وإصلاح الهياكل الزراعية والتجارية و بعث التصنيع وتنمية البنى الأساسية و تنويع مصادر التمويل ورأينا فيما سمي بعهد الانفتاح منذ بداية السبعينات مباشرة بعد جزاء سنمار ومحاكمة بن صالح ورفاقه تهاطل الديمقراطية والحريات  والتوزيع العادل للثروات وتنامي الفكر التقدمي العقلاني فكانت مئات المحاكمات والإضرابات وقمع الحركة النقابية والحركة الطلابية وتفاقم الديون الخارجية والعودة التدريجية للمستعمر القديم وبروز التيار الديني وصولا إلى إفلاس الدولة وتزعزع المجتمع في الثمانينات. وهذا ما تحاول اليوم بعض النفوس المريضة في الداخل والخارج إعادة إنتاجه بعد فترة جديدة من الاستقرار والإنجاز لم تخل هي بدورها من نقائص ولا سيما في مستوى تواصل اختلال موازين التنافس السياسي والتكافؤ الاجتماعي وتراجع دور الدولة.

كما لا ينسى مناضلو الوحدة الشعبية الذين يرفعون عاليا شعار دعم قيم الجمهورية وهم يحتفلون بالذكرى الخمسين للاستقلال أن مؤسس الوحدة الشعبية كان أيضا  رئيس لجنة صياغة أول دستور للجمهورية التونسية الذي عبثت به الأيادي في منتصف السبعينات وهو في المنفى كما كان له قبل ذلك شرف تقديم مشروع إعلان الجمهورية أي تحويل النظام من الملكية إلى الجمهورية الذي كتبه بخط يده.

ولكل ذلك هم يقولون اليوم للمؤسس الأستاذ أحمد بن صالح الذي يحتفل هذا العام بعيد ميلاده الثمانين مستمعا كعادته إلى أشعار صعاليك العرب أنه ليس عروة بن الورد حتى وإن ضن عنه بالفعال أقاربه وأنه ليس القوة الماضية الذاهبة بل القوة الذهبية الكامنة الراسخة يستمدون منها طاقة الحركة والحلم و تدفعهم إلى التقدم  جميعا متحدين مع تنوع الفروع وتعددها ومعتبرين بكل أخطاء الماضي ونقائصه في الفكر والممارسة ولا سيما ما أكده بيان الوحدة الشعبية سنة 1975" أن النضال من أجل الاشتراكية يقتضي رفض التعاون مع القوى الرجعية كما يقتضي رفض الحكم الفردي والهيمنة".

وإذا كان شعارمؤتمرنا الوطني السابع هو " التقدم حق للجميع " فإننا لم نجد أفضل من شجرة زيتون رمزا تونسيا وعربيا وإنسانيا أصيلا للوحدة مع التعدد و لتقدميتنا المتجذرة الأصيلة.

ملاحظة أخيرة نسوقها للمولعين بالتنظير أو بالأحرى بتلقف النظريات و لمنتقدي مفهوم " الوحدة الشعبية"  أن المفكر الماركسي الكبير سمير أمين المعروف بقدراته النقدية في طرح الإشكاليات أكثر من تقديم الحلول والبدائل الواقعية لم يجد رغم  انتقاده السريع والمتسرع في أول كتبه بداية السبعينات التجربة الاشتراكية التونسية متأثرا بمواقف وتحاليل أقصى اليسار التونسي لم يجد كحل سياسي لأقطار العالم الثالث بعد ذلك بسنين في كتابه فك الارتباط (1986) وحتى كتبه ودراساته الأخيرة أفضل من " التحالف الوطني الشعبي "  مع مراهنته الخاسرة على أوروبا وحسن نيته المفرط بها وهذا التحالف الوطني الشعبي لا يختلف تماما كما قد يتصور القارئ عن الوحدة الشعبية بكل أبعادها القطرية والإقليمية والعالمية!! وهذا ما اعترف به شخصيا للأستاذ أحمد بن صالح مؤسس الوحدة الشعبية وأحد مؤسسي المؤتمر القومي العربي في لقاء جمعهما على هامش أحد المؤتمرات الدولية .

 

                     عادل القادري ( جريدة الوحدة عدد 489 بتاريخ 25 فيفري 2006 )

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الوحدة الشعبية و تأسيس دولة الاستقلال”

  1. أود الحصول على بريدك الإلكتروني



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر