في فينزويلا وجه آخر للصمود أمام الامبريالية

كتبهاعادل القادري ، في 6 ديسمبر 2006 الساعة: 13:28 م

حسّن الزعيم الفينزويلي هوغو شافيز أرقام انتصاراته في الانتخابات الرئاسية التي قفزت إلى أكثر من 61 بالمائة يوم 3 ديسمبر الفارط مقابل 59 بالمائة سنة 2000 و 56 بالمائة سنة 1998 . وقد بلغت نسبة المشاركة في التصويت هذه المرة رقما قياسيا ( 70 بالمائة).

 

وقد أشرنا منذ أكثر من أربع سنوات ـ إثر الانقلاب الفاشل على شافيز في أفريل 2002 ـ إلى أن للزعيم البوليفاري وأمين القومية اللاتينية والأصلية في أمريكا الجنوبية نبوءة شخصية غريبة تقول إنه سيبقى رئيسا إلى حدود سنة 2021 ولم نخف حينها استغرابنا من هذه النبوءة رغم فرحتنا العارمة بفشل الانقلاب الذي اعتبرناه انتصارا طبقيا لفقراء كاراكاس وسقوطا لأقنعة المتواطئين مع ( اليانكي ) وليس مجرد بطولة فردية خارقة أو نباهة عسكرية و أمنية  واستخباراتية.

أما بعد الفوز الكبير للسيد شافيز على 13 منافسا له في الانتخابات الرئاسية الفينزويلية الأخيرة وذلك للمرة الثالثة على التوالي إلى جانب تغلبه على خصومه في الاستفتاء الشعبي الذي انتظم بطلب منهم لإسقاطه سنة 2004 ، وبعد تبشيره باستفتاء شعبي على تعديل في الدستور سيجريه سنة 2010  يسمح له بما لا يتيحه الدستور الفينزويلي الحالي الذي وضعه بنفسه سنة 1999 أي تجديد ترشحه لأكثر من مرة واحدة وهو الذي لا يجيز له القانون الأساسي للدولة الترشح سنة 2012 ،  حان الوقت لمحاولة فهم تلك النبوءة الرئاسية للمخلص المسيحي المؤمن بأن الوحدة هي طريق الحرية وتناولها من زاوية أخرى بعد أن تبلور المشروع الذاتي لآلياتها الدستورية، عسانا نكتشف بعض خلفياتها في مستوى موزاين القوى الدولية بعد أن ركزنا على مقوماتها الاجتماعية المحلية والشعبية أثناء قراءتنا لانقلاب 2002 الفاشل والمثير للجدل وقد بردت الآن أعصابنا وفورتنا اليسارية المتفاعلة مع الحدث خصوصا وأن اشتراكية القرن الواحد العشرين التي يعد بها شافيز لم تتضح معالمها الكاملة بعد وتبقى غائمة وسديمية حين يؤكد أن  " الاشتراكية هي بالأساس إنسانية وحب و تضامن. اشتراكيتنا أصيلة وأصلية (السكان الأصليين) ومسيحية وبوليفارية… مملكة الحب والسلام للسيد المسيح هي مملكة الاشتراكية ، مملكة مستقبل فينزويلا ". وهذا لا يبتعد كثيرا عن وجهة نظر الرئيس المخلوع في هايتي أحد رموز لاهوت التحرير السيد أرستيد والذي تم إنقاذه من معارضيه المدعومين من فرنسا على متن طائرة أمريكية.

 وعلى هذا الصعيد الخارجي المقارن يمكن أن نتلمس ملامح أخرى للزعيم الثوري الشاب شافيز ( 52 سنة)  الذي اعتبره بعض العرب أكثر عروبة من كافة رؤسائهم عندما استدعى سفير بلاده في الكيان الصهيوني احتجاجا على العدوان الهمجي على لبنان في الصيف الفارط، وقد قام قبل ذلك بسنوات بزيارة فريدة إلى العراق المحاصر. كما لا يتردد في زيارة كل البلدان المقلقة للولايات المتحدة مثل الصين وإيران وتوطيد الصلة بها والتعاون معها في كل المجالات . إلى جانب مساندة كل نفس يساري مقاوم للامبريالية في أي مكان بالعالم.

ولأننا لسنا من المؤمنين بالمعجزات والنبوءات والتنجيم والانتصار الحتمي للخير والأخيار في هذا العصر المادي والعقلاني جدا رغم أشباح الماضي وأساطيره المضيئة التي لا ننكر استمرار تأثيرها الفعال على النفوس وقدرتها على استنهاض روح المقاومة والصمود، يحق لنا أن نتساءل من أين استمدّ شافيز ثقته العالية بصحة نبوءته المعلنة مع احترامنا لبعد نظره في استشراف المستقبل وقدراته الاستراتيجية كعقيد مظلي متقاعد له ذاكرة وطنية حية تحفظ وتستحضر تاريخ الذكرى المائوية الثانية لخروج المستعمر الإسباني سنة 1821. ونلاحظ على الفور أنه ربما تناسى تاريخا قريبا منه لا يقل أهمية وامتدادا وتأثيرا وهو سنة 1823 تاريخ إعلان عقيدة مونرو الرئيس الأمريكي الذي أسس لمبدأ خاص أن أمريكا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ولا يحق للدول الأوروبية التدخل في القارة الأمريكية بشمالها وجنوبها، ولكن في المقابل الولايات المتحدة لم تلتزم بعد الحرب العالمية الثانية بعدم التدخل في شؤون القارة الإفريقية المحسوبة على أوروبا. بل إنها عمدت إلى تشجيع بعض الزعماء الأفارقة على التمرد على المستعمر القديم وإرباك مخططاته و ( تعطيل مصالحه).

 وما دمنا نرجح أن تلك النبوءة الفردية غير الديمقراطية لزعيم حركة الجمهورية الخامسة لم تنزل على شافيز بمظلة سماوية من قبيل الوحي . فمن أين أتته إذن؟

يقول شافيز أن المراجعة القريبة للدستور تأتي " على ضوء الواقع الجديد العالمي والقاري والوطني " غير أننا نشهد أن الانتصارات اليسارية المتتالية في أمريكا اللاتينية لم تكن تحتاج رغم الضغظ الأمريكي إلى تنقيحات دستورية ولا إلى رجم بالمستقبل البعيد ، وهذا لم يحدث لا في البرازيل مع لولا ، ولا في الأورغواي ولا في الشيلي ولا في الأرجنتين والقائمة تطول… بل إن السانديني دانييل أورتيغا لم يتوان مؤخرا عن التحالف مع بعض الليبراليين وأقلع عن خطابه الثوري القديم،  فلماذا يصر السيد شافيز على التضحية بمبدأ التداول الذي يعتبر من اهم أركان الديمقراطية. وإذا كانت ( الثورة البوليفارية في فينزويلا) اشتراكية فعلا فهي لا تحتاج إلى شخص واحد ترتبط به وترتهن إليه حتى وإن حقق بعض الإنجازات في مستوى مقاومة الفقر وتوزيع عائدات الثروة البترولية التي تمثل نصف الناتج المحلي الخام لفينزويلا و80 بالمائة من صادراتها. كما يمكن لشافيز إذا صحت نبوءته أن يعود إلى تقديم ترشح جديد سنة 2018 وهو ما يسمح به الدستور الفينزويلي الحالي.

من جهة أخرى يعتقد الكثيرون أنه لا حاكم في العلاقات الدولية إلا الإدارة الأمريكية التي دعا شافيز أنصاره خلال الحملة الانتخابية  إلى عدم نسيان أنها " الشيطان نفسه الذي يواجهونه، وأن هذه الامبراطورية الأقوى في العالم هي خصمهم الأساسي وليس خدمها في الداخل الفينزويلي ". ولو عكسنا بطريقة منطقية كلام شافيز فسنجد أن من ترضى عنه هذه الآلهة العالمية وملائكتها  فلا خوف عليه ولا هو يحزن حتى وإن تآمر عليه كل من في الداخل. وبذلك يمكن أن نفهم على نحو مغاير لما كنا نتصوره إجهاض انقلاب أفريل 2002 الذي شاهدنا فيه تحالفا مدهشا لقادة المنظمة العمالية و منظمة الأعراف والكنائس والقنوات الإعلامية الخاصة والعديد من مكونات المجتمع المدني وجنرالات الجيش يفشل في الإطاحة بشافيز، كما  شاهدنا فيه بشريط مصور الطريقة المحترمة التي عومل بها شافيز سواء في الطائرة أو في الجزيرة التي نقل إليها عند الانقلاب أو عند عودته المظفرة منها إلى قصر ميرافلوريس بعد يومين من إعلان الانقلاب الكارموني المفبرك على عجل، في مشهد يختلف تماما عما حدث للشهيد الإفريقي الخالد باتريس لوممبا في الكونغو الذي بدأ تعذيبه منذ لحظة نقله مع رفيقيه في طائرة الموت إلى مكان إعدامه ، و انطلاقا من علاقته المتوترة في الظاهر أكثر من اللازم مع الولايات المتحدة التي ما زال يصدر لها نصف النفط الفينزويلي قد نتلمس أحد خيوط الثقة الشافيزية التي أردنا البحث عن مرتكزاتها الدولية التي غاب عنها الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان يفسر بشيء من الوضوح الصمود الكوبي في وجه الولايات المتحدة،. ولنقل داوني بالتي كانت هي الداء ، وقد يكون الدواء لدى الأعداء …

 ولا مناص من تذكر أمثلة مشابهة قريبة وبعيدة من فينزويلا سمعنا فيها ولا نزال خطبا نارية  تكيل الشتائم للولايات المتحدة صباحا مساء ولكن لا نراها تحرك في واشنطن وحلفائها شعرة ثأر حقيقية واحدة . وعادة ما تكون هذه الشعرة إذا كانت حقيقية من نوع ما وقع للشهيد الاشتراكي في الشيلي سلفادور اليندي إذا لم تكن من صنف ما حلّ بالثائر العالمي الخالد تشي غيفارا أو الرئيس العراقي الصامد صدام حسين.

ويبدو أن العناية الالهية مثلما غمرت الزعيم الكبير كاسترو وأنجته حسب الرواية الكوبية الرسمية من أكثر من 600 محاولة اغتيال طيلة قرابة نصف قرن أمضاها على رأس الدولة ،  قد غمرت خليفته في الصمود أمام الامبريالية والحصار وفي الصمود على كرسي الرئاسة، الرمز العالمي الصاعد  شافيز الذي عاده في مشفاه الهافاني وأخذ عنه المشعل الأحمر وأسرار البقاء وإقامة جمهورية اشتراكية ترفض زيف الديمقراطيات التمثيلية وتداولها (الكاذب). حتى وإن أوصلته إلى الحكم وأوصلت أيضا عدة يساريين (معتدلين وراديكاليين) خلال السنوات الأخيرة في عشرة بلدان من أمريكا اللاتينية التي عانت لعقود طويلة من الحروب الأهلية و الحركات الثورية التي ارتد بعضها وأصبح ورديا. وهذا يقضّ بطبيعة الحال مضجع الأمريكيين بما قد يعادل المستنقع العراقي الذي غاصت فيه أرجل المارينز.

بل إن شافيز قد استطاع بعناية شاملة لمحيطه أن يحبط (حسب ما أعلنه بنفسه) أيضا محاولة اغتيال استهدفت منافسه الأبرز وزعيم المعارضة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة الاشتراكي الديمقراطي مانويل روزاليس الذي حقق نتيجة محترمة ( 38 بالمائة ) ولكنها غير كافية لإزعاج شافيز وقد اعترف روزاليس بهزيمته. واعدا بمواصلة النضال من أجل بناء عهد جديد ( وهذا اسم حزبه). ويبدو أن وعد روزاليس الشعبي جدا خلال الحملة الانتخابية بتوزيع بطاقة سوداء بلون النفط لفائدة مليونين ونصف مليون فقير فينزويلي  يمكنهم ان يسحبوا بها آليا كل شهر ما بين 300 و500 دولار لم يكن كافيا كذلك لترجيح الكفة لصالحه. ولم يكفّ روزاليس عن اتهام شافيز وحلقاته البوليفارية ( الميليشياوية) باستنساخ النظام الكوبي ولجان الدفاع عن الثورة مثلما اتهمه بحرمان المصوتين ضده في استفتاء 2004 من الوظائف العمومية وطرد البعض الآخر . وقد ردّ روزاليس على اتهامه بتأييد محاولة الانقلاب على شافيز سنة 2002 مدافعا عن نفسه بأن شافيز نفسه قد أقدم على محاولة انقلابية فاشلة سنة 1992 أدت إلى سقوط العديد من الضحايا. كما أعلن شافيز عن إحباط محاولات تفجير قطارات (على طريقة تفجيرات مدريد التي أطاحت بحكومة أزنار في انتخابات مارس 2004)، خططت لها خلال الحملة الانتخاية " مجموعات فاشية راديكالية " مجهولة مثل قناصة 2002 أرادت أن تزعزع الأوضاع وتحمل المسؤولية المفترضة إلى شافيز نفسه.  فهل بعد هذه العناية من عناية ؟

و مهما يكن من أمر ، و مهما كانت الملاحظات والمؤاخذات ، لا يمكن لأحد أن ينكر دور شافيز في الانزياح القاري بأمريكا اللاتينية باتجاه اليسار والتوحيد. وهو الاتجاه الأسلم لإثبات الذات أمام الامبريالية المعولمة والصمود أمامها.

 

                         عادل القادري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “في فينزويلا وجه آخر للصمود أمام الامبريالية”

  1. j’ai lu un article dans le “courrier international” qui traite de chavez, tout un dossier.. les interrogations que tu poses deviennent de plus en plus répandues apparemment.. même si pas d’une manière directe..

    mais je ne sais pas.. je crois que c’est plus complexe que soit noir soit blanc…avec ou contre les états unis

  2. الأخت مرمر،

    في هذا المقال لم أقل كل شيء, فثمة أشياء لا تقال حتى في المدونات، وقد كنت مترددا بين العاطفة والعقل، وفي مستوى العلاقات الدولية يمكن أن نتوقع كل شيء،

    مع العلم أني أشرت في هذا المقال أيضا بطريقة جريئة تثير التساؤلات إلى زعيم عالمي آخر مشهور بنضاليته .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر