محمد الكيلاني في منتدى التقدم : نحو تجديد المشروع الاشتراكي

كتبهاعادل القادري ، في 20 مارس 2009 الساعة: 13:56 م

  استضاف منتدى التقدم يوم 27 فيفري 2009 السيد محمد الكيلاني في لقاء فكري حول "تجديد المشروع الاشتراكي" وذلك بمناسبة صدور كتابه الجديد " التجربة السوفياتية: اشتراكية أم رأسمالية؟" .

 

 وقد افتتح هذا اللقاء، الذي شارك فيه عدد من السياسيين والحقوقيين والإعلاميين والطلبة،  السيد هشام الحاجي (رئيس تحرير جريدة الوحدة) بكلمة رحب خلالها بالحاضرين ومن بينهم السيدين عادل الشاوش وحاتم الشعبوني (من حركة التجديد) مؤكدا موقف حزب الوحدة الشعبية الثابت في دعم مطلب مناضلي الحزب الاشتراكي اليساري وحقهم في الترخيص القانوني والعمل العلني، ونوّه بالجهد النظري والتوثيقي الكبير الذي بذله المسؤول الأول عن هذا الحزب السيد محمد الكيلاني في كتابه الجديد الذي يطرح قضية مهمة وراهنة خصوصا وقد تزامن مع الأزمة العالمية الخانقة التي يعيشها النظام الرأسمالي حيث أعاد طرح المسألة الاشتراكية بالنسبة إلى من كان يتوهم أو حاول إيهام الآخرين أن المشروع الاشتراكي قد قبر مع التجربة السوفياتية وغيرها من التجارب.  

 

إثر ذلك تولى السيد محمد الكيلاني تقديم مداخلة تمهيدية حرص في بدايتها على توضيح أن ما يطرحه لا  يمثل سوى وجهة نظر جزء من مناضلي اليسار الماركسي التونسي والعالمي  حول التجربة الاشتراكية ورؤيتهم لكيفية تجديد المشروع الاشتراكي، وهو لا يدعي مع رفاقه في الحزب الاشتراكي اليساري تمثيل اليسار أو أنهم بديل عنه، آملا أن يسهم الكتاب في إثراء النقاش وتعميق الحوار حول تجربة الحركة الشيوعية عموما، مؤكدا فيما يتعلق بدوافع التأليف وسيرورته أنه لم يكن وليد السنوات الأخيرة و إنما يعود إلى أواخر الثمانيات وبداية التسعينات، مع سقوط جدار برلين و ظهور العولمة في شكلها المتعاظم والانهيار المفاجئ لألبانيا الاشتراكية التي كانت تمثل بالنسبة له ولرفاقه القبلة أو المثال الحي على إمكانية بناء الاشتراكية في بلد متخلف، وقد  هز ذلك الانهيار قناعاتهم التي كانت تقرب العقائد، ودفعهم  إلى التفكير والبحث في أسباب ذلك الفشل على جميع الأصعدة،  انطلاقا من المساءلة العلمية التي تطرح ضرورة مراجعة الظروف التي أقيمت فيها تلك التجربة ومكوناتها ليس فقط العملية ولكن أيضا المبادئ والأسس النظرية التي قادتها.  و بالتالي فإن التقييم لم يكن لذاته أو للاكتفاء بالوقوف على الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية مع الاستمرار في نفس النسق الفكري، بل  كان وعيا بضرورة التجديد من أجل إيجاد مخرج من المأزق الحقيقي الذي وقعت فيه التجربة،  ومن ثمة كان التساؤل حول كيفية التجاوز والمضي  إلى بناء الاشتراكية التي  تجد مشروعيتها التامة انطلاقا من قراءة موضوعية لتناقضات المجتمع الرأسمالي لا يمكن تجاوزها ومعالجتها إلا بمشروع اشتراكي. وشدد محمد الكيلاني على أن هذا الأمر ليس إراديا وإنما تفرضه تلك التناقضات الجوهرية التي تقتضي معرفة الطريق إلى حلها. وكانت المهمة الأولى المطروحة عليه كيفية التعامل مع المقولات الماركسية و بصورة عامة النظرية الاشتراكية العلمية التي كان  اليسار في تونس و في العالم يتعامل معها بالكثير من الجمود العقائدي الذي كان يجد الخارج عنه نفسه تحريفيا أو مرتدا وغيره من النعوت، بالتوازي مع الصراعات التي أرهقت الحركة والمشروع برمته (هذا تروتسكي، هذا زينوفيفي، هذا بوخاريني، هذا بريجنيفي، هذا ماوي…)، وتولد عن ذلك الصراع العقائدي الكثير من المآسي الكبرى المؤثرة التي تطرق إليها الكتاب، فقد راح ضحيتها الكثير من المناضلين من أبناء الثورة و الاشتراكية الطامحين إلى التغيير والتقدم وفيهم من روادها من وجد نفسه متهما بالخيانة العظمى ومحكوما عليه بالإعدام، وفي هذا السياق أكد السيد محمد الكيلاني أن  تلك العقلية الإقصائية وذلك التعامل العقائدي هو الذي أوصل الحركة الاشتراكية إلى مأزق، وهو ما جعله يتوصل مع رفاقه إلى ضرورة  الأخذ من النظرية الماركسية روحها الفلسفية ورؤيتها للعالم، والاجتهاد فيما عدا ذلك مع قراءة الواقع بما يلبي حاجات تغييره والبحث عن طريق تطوره الإيجابي وليس بأن يفرضوا عليه منطقهم الخاص وإرادتهم الخاصة.

أما النقطة الثانية الأساسية إلى جانب المراجعة الفكرية التي طرحها المشروع (الكتاب) حسب محمد الكيلاني فهي طبيعة النظام السياسي القادر على فتح الطريق أمام المجتمع لبناء الاشتراكية وهل سيكون بعقلية النظام الشمولي و قيادة الناس إلى الجنة بالسلاسل أي الديكتاتورية السياسية أم بالديمقراطية السياسية ؟ وحول هذا السؤال وإشكاليات كيفية بناء النظام السياسي وعلاقته بالمجتمع وبالطبقة العاملة و ببقية مكونات الشعب، وكذلك قضايا الحريات و المجتمع المدني أكد محمد الكيلاني أن التاريخ أعفانا من الإجابة حيث بيّنت التجربة أن النظام الكلياني لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الاستبداد وعودة الرأسمالية في أشكالها البدائية، لذلك لا يمكن في اعتقاده تصور تنمية اشتراكية أو مشروع تنموي للاشتراكية دون أن يكون قائما على الديمقراطية، مؤكدا أن هذه الفكرة تكاد تهيمن على كتابه من أوله إلى آخره. حيث أبرز أنه لا يمكن للطبقة العاملة أن يمثلها حزب واحد، كما لا يمكن لحزب واحد أن يكون حاملا للحقيقة في المجتمع، أو يكون باسم الدستور أو القانون هو القائد  الواحد وينفي حق المجتمع المدني في التواجد. لأن هذا النوع من "الاشتراكية" ليس في رأيه سوى "اشتراكية" الماسكين بالسلطة بل مصالح الماسكين بالسلطة، ولا يمكن أن تكون إلا مصالح خاصة. وقد شكلت هذه الأفكار بالنسبة له ولرفاقه منطلقات البحث والنقاش والمراجعة منذ أكثر من خمسة عشر عاما واستغرق العمل النهائي في الكتاب (التجربة السوفياتية: اشتراكية أم رأسمالية؟ نحو تجديد المشروع الاشتراكي) وصياغته وتدقيقه والتثبت في مراجعه …السنوات الثلاث الأخيرة.

مداخلة محمد الكيلاني قدمت فكرة أولية عن كتابه، وفتحت في منتدى التقدم أبواب نقاش ثري بدأه السيد لطفي بن عزيزة الذي اعتبر أن الكتاب بما تضمنه يغني عن مطالعة العديد من الكتب متلمسا فيه طريقة مغايرة في مراجعة التاريخ الحزبي والايديولوجي للماركسية اللينينية، وأشار إلى أنه تتبع خط تأزم الأوضاع في التجربة السوفياتية حيث وقع تقليص الديمقراطية (بما فيها داخل الحزب) من السوفياتات وعموم روسيا إلى الدوما والحكومة ومن اللجنة المركزية والمكتب السياسي إلى السكرتير العام ملاحظا تعدد العوامل والمخاطر التي مست التجربة السوفياتية أولا في مرحلة التطهير الستالينية التي طالت بالجملة بقايا الكولاك والرأسماليين والجيش الأبيض وكذلك داخل الحزب (يمينا ويسارا) ثم طالت المطهرين أنفسهم، وجاءت النتائج المدمرة التي لحقت بها مع الحرب العالمية الثانية فنسفت مكاسب الطبقة العاملة السوفياتية من العشرينات إلى آخر الثلاثينات وأدت سياسة الأرض المحروقة التي طبقها ستالين إلى تخريب شبه كلي وقتل آلاف الكوادر الذين بذلت الثورة سنينا طويلة في تنشئتهم،  ثم تفاقم الوضع مع الحرب الباردة والحصار الرأسمالي الذي رافقها وتحويل الاستثمارات غربا في حين كان الاتحاد السوفياتي يساعد الكثير من الشعوب والثورات في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ليستنتج من ذلك أنه لا يمكن أن يعزى الفشل فقط إلى التحريفات أو التخريب الداخلي أو الزعامة الشخصية بقدر ما لعب العامل الخارجي إلى أواخر الثمانينات دورا هاما.

السيد عادل الشاوش أشار إلى أنه ليس من السهل إعادة النظر أو البحث في التجربة الاشتراكية، فقد تخللتها منذ البداية نظرة لاهوتية وكأنه ثمة نص مقدس منزل للماركسية، وهناك رجالات وخيانات وتفسيرات وتأويلات، في حين كانت هناك بذور خلل ونقائص في النص والنظرية نفسها، وإذا كان  ستالين قد زاد من طبعه الشخصي العنيف فيما هو معلوم من جرائم فإنه وجد الأرضية الفكرية المناسبة فيما خلفه لينين ونظريته حول الحزب الواحد والدولة، ومهما اختلف الشخص (ربما بريجنيف أقل من ستالين) فإن النتيجة كانت ستكون تقريبا واحدة. وأكد عضو الهيئة السياسية لحركة التجديد أنه  ينبغي التوقف بجدية عند قضية هامة جدا في اعتقاده هي علاقة ديكتاتورية البروليتاريا بالديمقراطية، لأن المسألة لا تحل بمجرد القول إننا أقمنا الاشتراكية وكانت ناقصة قليلا من الديمقراطية، وهذا ما تساءل عنه شخصيا عند ظهور البريسترويكا والحديث عن إصلاح النظام الاشتراكي، إذ كيف يمكن مواصلة التجربة بالتعددية السياسية التي لا يمكن أن يكون وراءها إلا نوع من الليبرالية ؟ لأن تلك التعددية تفترض تعددية في المجتمع وليس فقط أجنحة في حزب (أو أحزاب تنطق كلها باسم الطبقة العاملة)، وحسب رأيه فإن ربط الاشتراكية بالتعددية يطرح جوهر الاشتراكية والملكية الفردية نفسها، مشددا على أهمية طرح السؤال بالجرأة الكافية لأنه مثلما خرجنا من الوثوقية يمكن أن نسقط في وثوقية أخرى قد تكون رأسمالية، داعيا إلى الأخذ من الماركسية أهم سماتها في اعتقاده وهو النقد، مع الإبقاء على اليقظة الدائمة تجاه كل الأفكار وتنسيبها وقبول الاختلاف عند التفكير في تجديد المشروع الاشتراكي.

السيد سليم الزواوي  توجه بالشكر للسيد محمد الكيلاني على إسهاماته السابقة العديدة في التعريف  بالتراث الشيوعي والحركة الشيوعية في تونس، وإن كان قد كتبها في رأيه بصيغة محافظة وعقائدية انتقدها في كتابه الجديد المختلف. رغم أنه لم يغادر الإشكالية العامة، وهو هم بناء الاشتراكية. واعتبر أن نقد محمد الكيلاني للتجربة السوفياتية وقف عند مستوى معين، بمعنى أنه لم يلمس النص الماركسي الأصلي وتجرأ على النص الثاني أي لينين، وشبه ذلك بالجرأة على السنة واحترام القرآن، حيث بقي معتمدا على ماركس كمرجع مطلق دون أي قدرة على تجاوزه أو على الأقل إبراز نسبية التجربة الصادر عنها فكره الذي أصبح من المسلمات، حتى في مستوى تصوره للدولة كأداة سيادة طبقة على أخرى، في حين  تطور مفهوم الدولة بعد ماركس مثل دراسات ماكس فيبر الذي يعتبر أن البيروقراطية التي ينتقدها محمد الكيلاني مكون حديث محايث للدولة الحديثة التي هي بالضرورة بيروقراطية، وإن اختلف مستوى تسلطها وجمودها. أما عن كيفية تجديد أسس المشروع الاشتراكي فقد بدا للمتدخل من خلال قراءته الأولية غير المتعمقة لكتاب الكيلاني (421 صفحة) وكأنه ثمة عودة للأممية الثانية و إعادة الاعتبار لكاوتسكي على حساب لينين، باعتبار تبني الطريقة البرلمانية على حساب الطريقة الثورية. ولم ير في ذلك قدرا كبيرا من التجديد بقدر ما هو اختيار بين بدائل كانت مطروحة طورتها ما يسمى تجربة الاشتراكية الديمقراطية وسارت بها أشواطا أدى بعضها أيضا إلى مآزق معينة. كما تساءل عن سبب عدم الاهتمام بتجربة اعتبرها طريفة لم يكتب لها أن تعيش في ظل الدولة السوفياتية هي تجربة سلطان غالاييف خصوصا وأنها ذات صلة حضارية بنا (كمسلمين)، وقد كانت له مقولة أساسية في تحديده للتناقض الرئيسي على أساس أنه تناقض  بين الشعوب المضطهدة التي سماها الشعوب البروليتارية وليس فقط الطبقة العاملة وبين الامبريالية التي عرفها لينين  بأنها أعلى مراحل  الرأسمالية وهي التي تقف إلى الآن حائلا دون تقدم الشعوب.

السيد صالح الزغيدي أكد على ضرورة دعم الأحزاب البرلمانية المعارضة في تونس وجرائدها بأكثر إصرار وفاعلية لحق الجمعيات (مثل الجمعية التونسية للدفاع عن اللائكية) والأحزاب مثل الحزب الاشتراكي اليساري في التواجد القانوني بما يعزز المناخ اليساري التقدمي الديمقراطي الذي نطمح إلى تقوية دوره في بلادنا. أما بالنسبة لموضوع اللقاء فاعتبر أن محمد الكيلاني قد بذل جهدا جبارا في كتابه للتدليل على شيء كتبه يساريون تونسيون في مقالات عديدة منذ ستينات القرن الماضي، أي على أن ما طبق في الاتحاد السوفياتي هو رأسمالية دولة وليس اشتراكية، دون اعتبار النقد التروتسكي والأممية الرابعة للتجربة السوفياتية، وإن كان  " التشوه البيروقراطي" الذي تم التركيز عليه لا يجيب وحده عن المسألة. وفي رأيه فإن من  نقاط ضعف النظرية الاشتراكية من الأول عند ماركس وتواصلت، هو أن قضية الديمقراطية ليست قضية رئيسية أوحتى أساسية، وكذلك الأمر بالنسبة للائكية وقضية الدين (الاتحاد السوفياتي مثلا كان دولة ملحدة وليس دولة لائكية) وحقوق الإنسان والمرأة، متسائلا هل إن الاشتراكية هي مجرد معاداة للرأسمالية، ونقيض لها كنظام اقتصادي اجتماعي، وإذا كانت الماركسية من وجهة نظره قد فهمتنا جيدا أسس الرأسمالية وبشاعتها فكأنها لم تقل لنا شيئا عن البديل الاشتراكي باستثناء أنه نقيض الرأسمالية (ملكية جماعية عوض ملكية فردية وديكتاتورية البروليتاريا عوض ديكتاتورية البرجوازية)، كما تساءل حول إمكانية بناء ما نسميه الاشتراكية في بلد متخلف.

 

 

 

ملاحظة: نواصل في العدد القادم من جريدة الوحدة تقديم بقية المداخلات وتعقيب السيد محمد الكيلاني.

 

 

       

 

  عادل القادري ـ جريدة الوحدة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف, مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر