العاملات بالمنازل في تونس بين الاستغلال والعنف والصمت
كتبهاعادل القادري ، في 11 أبريل 2009 الساعة: 09:52 ص
نظمت جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية ( (AFTURD يوم 27 مارس الفارط بفضاء "تناصف" المتعدد الاختصاصات (إعلام وتكوين وتحسيس واستشارات ومساعدة قانونية) الذي تديره بأريانة بالتعاون مع بعض الجمعيات والمنظمات الأخرى المعنية مثل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والاتحاد العام التونسي للشغل، تظاهرة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تم خلالها عرض شريط توثيقي (20 سنة من البحوث المناضلة من أجل المساواة والديمقراطية) تضمن ما أنجزته و أسهمت فيه هذه الجمعية العلمية النسائية طيلة عشرين سنة منذ تأسيسها القانوني في 13 جانفي 1989. كما تم بالمناسبة افتتاح موقعها الالكتروني الجديد على شبكة الانترنت.
هذا وقد احتوى برنامج التظاهرة التي نشطتها السيدة نايلة جراد الكاتبة العامة للجمعية تقديم ومناقشة نتائج دراسة ميدانية جديدة حول " العاملات بالمنازل كامل الوقت" تحت عنوان " حالات العنف المسلط على العاملات بالمنازل كامل الوقت وانعكاساتها على استقلاليتهن" ، تولت عرضها باللغة الفرنسية الأستاذة سميرة عياد إلى جانب الأستاذ عبد الستار السحباني. وقد اعتمد هذا البحث الاجتماعي والنفساني عينة تتكون من 100 عاملة بالمنازل بولايات تونس الكبرى (تونس، منوبة، بنعروس، أريانة) بعد أن رفضت 50 أخريات المشاركة، وقد أسهم ضمن فريق البحث الأستاذ محمد علي بن زينة بالمعالجة الإحصائية للمعطيات والبيانات، وهنا تجدر الإشارة إلى عدم توفر إحصائيات رسمية حول العدد الجملي للعاملات بالمنازل في تونس باستثناء ما رصده فريق البحث من مراجع صحفية أعطت سنة 2002 رقما تقديريا بلغ 50 ألف عاملة بالمنازل (ليصل إلى 78 ألف معينة منزلية سنة 2006 . وهو ما يعني أن العمل بالمنازل يمثل القطاع الثاني المشغل للنساء في بلادنا بعد قطاع النسيج. وقد أكدت الدراسة الجديدة أن هذا القطاع الذي ينمو في صمت، هش وغير محمي، فرغم أهميته العددية والاجتماعية فإنه يكاد يكون غير مرئي وغير مسموع رسميا وإعلاميا (مع استثناءات قليلة). وتتعدد أشكال العنف بين البدني والجنسي والمعنوي والاقتصادي ومنها ما يرجع إلى السلوكات التقليدية التي تشكل إرثا تاريخيا ثقيلا (مثل التزويج بالإكراه).
أما بالنسبة إلى مناطق المنشأ (المصدرة) للعاملات بالمنازل فتتصدرها ولاية جندوبة ( 27.4 % ) ثم القصرين والقيروان بنسبة (16.4 % ) ثم بنزرت (9.6 % )، وقد وصل الأمر في إحدى مناطق هذه الجهة إلى حد استغلال سوق أسبوعية في الغرض، وهذه ظاهرة خطيرة تذكرنا بأسواق العبيد.
ومع ذلك فإن السماسرة المشتغلين في هذا القطاع قد تحولوا من منطق الاستغلال القديم الفردي والعشوائي إلى منطق يمكن وصفه بالمحترف وشبه القانوني حيث انتشرت مكاتب و وكالات وشركات خدمات ومناولة مستفيدة من الطلب المتزايد الذي بينت الدراسة أنه يكون أكبر على البنات الأصغر سنا لأنهن أقل أجرا وأكثر طاعة ومرونة. وإن كان الوضع الحقيقي للمعينات المنزليات يبدو مختلفا تماما عن الوعود التي تقدم لأوليائهن. وتبلغ نسبة العاملات بالمنازل التي تترواح أعمارهن بين 12 و 17 عاما 17.5 % يعشن بلا حماية ولا يعرفن حقوقهن ويعانين من هشاشة بدنية بحكم صغر سنهن إلى جانب عدم تأهيلهن وتكوينهن ( 12.9 % لا يعرفن كيف يسرن في المدينة). في حين تصل نسبة النساء العاملات من الفئة العمرية بين 18 و 29 عاما نسبة 60 % تسمح لهن خبرتهن وتجاربهن بالطموح إلى تغيير "المهنة" (خياطة، حلاقة…). وقد كشفت الدراسة أن الطموح القوي الغالب الذي عبرت عنه المشتغلات بالمنازل هو عدم الاستمرار في هذا العمل. مع العلم أن نصف العاملات ضمن العينة المستجوبة بدأن العمل بين سن 15 و 19 سنة.
و تتمحور أسباب دفعن إلى هذه المهنة حول الفقر والجهل والأمية والهشاشة الاقتصادية والانقطاع المدرسي المبكر والتفكك الأسري. فالأغلبية العظمى من الآباء هم من العمال اليوميين (71.3 %) أوالعاطلين عن العمل ( 21.9 % ) . وكذلك الشأن بالنسبة إلى المستوى التعليمي للأولياء حيث أن معظمهم من الأميين والأميات ( 86 % من الآباء و 92 % من الأمهات). وقد بلغت نسبة العاملات بالمنازل اللائي لم يدخلن المدرسة 26 % بينما أجبرت 30 % منهن على المغادرة المبكرة. ولذلك فإن مستواهن التعليمي يتوزع بين 34 % من الأميات، و 58 % تعليم ابتدائي، و 6.4 % من التعليم الثانوي. ولكن لوحظ في الفترة الأخيرة ظهور حالات من التعليم الجامعي أشارت إليهن المستجوبات في الدراسة كنوع من احتداد المنافسة ونوعيتها مع ارتفاع نسبة البطالة حتى في صفوف أصحاب الشهائد العليا. وتنتمي أغلب العاملات بالمنازل إلى عائلات وفيرة العدد لا يتجاوز دخلها العائلي 300 دينار بالنسبة إلى 84 % منها. كما بينت الدراسة تأثير الوسط العائلي والمحيط القريب في مباشرة العمل بالمنازل حيث أن 45 % من المستجوبات لهن أخوات ( 39.4 % ) أو أمهات (5.1 % ) أو جيران ( 40 %) يمارسن هذا النوع من العمل. وقد صرحت 69 % من النساء المستجوبات أنه لا أحد من عائلاتهن اعترض على عملهن الذي يساهمن به في دخل العائلة. وإن كان بعضهن ( 10 % ) لا يعرفن مقدار أجرهن. ولا يصل أجر العاملات بالمنازل إلى حد الأجر الأدنى القانوني بالنسبة لأغلبيتهن (95 %) وليس لمعظمهن كذلك أي تغطية اجتماعية (94 % ) ولا حتى عقد عمل حيث لم تسجل الدراسة أي حالة تسلمت فيها العاملة بالمنازل عقد عملها. وإن كانت 78 % منهن يتسلمن مباشرة أجرهن (وهن الأكبر سنا) ، بينما لا تتجاوز نسبة من لهن حساب بنكي أو بريدي 9.1 % . و أبرز البحث شكلا جديدا من العمل في أكثر من منزل واحد.
وفيما يتعلق بأشكال العنف المسلط على العاملات بالمنازل، أوضحت الدراسة أن العديد منهن تعرضن إلى استغلال جنسي ولا سيما في تجاربهن الأولى ( 14.2 % عنف جنسي و 16 % استغلال جنسي) ولكنهن لم يعلمن العائلة ولا الشرطة ولا المرشدات الاجتماعيات أو متفقدي الشغل بهذه الانتهاكات وذلك بسبب الشعور بالخوف أو العار أو الخضوع… وفي هذا السياق بينت العينة أن حوالي 70 % منهن لا يستطعن رفض الأوامر و ليس لهن حرية العودة إلى أسرهن. كما أن 73 % منهن لا يتمتعن بأي عطلة راحة خالصة الأجر. بل إن 45 % من المستجوبات صرحن بأنهن مضطرات إلى مواصلة العمل رغم المرض وعدم زيارة الطبيب، مع الإشارة إلى أن أكثر من 44 % من المشتغلات بالمنازل يعملن 24 / 24 ساعة (بالإقامة).
وقد تبيّن من البحث القائم على الاستجوابات أن علاقات صاحبة البيت معهن تتسم في العديد من الحالات بالتوتر و العنف وحتى السادية و الاستهتار. وقد استعرض الدكتور عبد الستار السحباني جانبا آخر من الدراسة اهتم بتحليل نفساني متقابل لأنماط من المستأجرين أو بالأحرى المستأجرات بالاستناد إلى نظرة العاملات بالمنازل والتمثلات الذاتية المغايرة (أبوي أو متسلط، عدواني، ممثل، متوجس، متخايل) .
أما أهم الاستنتاجات العامة من هذه الدراسة فتؤكد أن هشاشة وضع العاملات بالمنازل سابقة لالتحاقهن بالعمل وتتواصل أثناءه وبعده . حيث تتميز ظروف انتدابهن وعملهن وحياتهن بالكثير من الاستغلال والعنف والاحتقار. ولذلك يجدن أنفسهن معزولات ومضطهدات ومحتقرات. أما الاستراتيجيات الفردية للمعينات المنزليات فتركز على ما بعد العمل في المنازل أكثر من تحسين ظروف العمل أو الأجر. وبالنسبة إليهن فإن نجاح معينة منزلية هو أن لا تبقى معينة منزلية.
و أعقب عرض نتائج هذه الدراسة نقاش ثري أسهمت فيه بالخصوص الأستاذات درة محفوظ و ليليا بن سالم و منية العابد ويسرا فراوس و مبروكة القاسمي وآمال الفخفاخ و خديجة العرفاوي و راضية بلحاج زكري (رئيسة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية)، وقد تم التنويه بالبحث المنجز مع التذكير بقلة الدراسات السابقة حول العاملات بالمنازل في تونس (مثل الدراسة التي أنجزتها الفقيدة إلهام المرزوقي) أو عدم توفرها ونشرها (كدراسة جمعية أمهات تونس سنة 1998)، وعلى هذا الأساس تم التأكيد على ضرورة استثمار نتائج هذا البحث وتفعيلها من خلال التوجه بها إلى الجهات المعنية ولا سيما منها المكلفة بالطفولة والشؤون الاجتماعية، على الأقل من أجل تطبيق واحترام الإطار التشريعي المتوفر وتطويره مثل مجلة حماية الطفل وقانون جويلية 1965 المتعلق بحالة عملة المنازل الذي تم تنقيحه في أفريل 2005 بتحجير تشغيل الأطفال الذين تقلّ سنهم عن 16 عاما (بعد أن كانت14 سنة) تناسقا مع مبدأ إجبارية التعليم، وردّت بعض المشاركات في النقاش على ذريعة صعوبة تطبيق القانون في مكان العمل باعتباره فضاء خاصا بالدعوة إلى تفعيل واجب الإشعار ضد الانتهاكات والتجاوزات الحاصلة والتي تبلغ حد الإجرام وذلك في نطاق عمل المرشدات الاجتماعيات وأعوان الضابطة العدلية ومزيد تحسيس المواطنين وتوعية النساء المعنيات بذلك مع الإشارة إلى تقصير الإعلام التونسي في تناول هذا الموضوع وتسليط الضوء عليه. كما تم التشديد على عدم التهوين من وضعية العاملات بالمنازل في تونس عن طريق المقارنة بأوضاع أسوأ بكثير في بلدان عربية أخرى (مثل بلدان الخليج) لأن المطلوب هو المقارنة بالأفضل و التقدم بما يضمن كرامة جميع النساء التونسيات وحقوقهن ، فتحرر المرأة لا ينبغي أن يتم على حساب امرأة أخرى. بينما ذكّرت إحدى المتدخلات (بنبرة أرستقراطية!) بالعلاقة العائلية المتينة والطويلة التي كانت تنشأ في زمن سابق بين المعينات المنزليات والعائلات المحتضنة لهن إلى حين زواجهن. في المقابل يلاحظ اليوم في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية أن الأسر التونسية من المتزوجين الجدد، غالبا ما لا تلجأ إلى معينة منزلية إلا لفترة قصيرة لا تتجاوز سنتين (إلى حين دخول الطفل إلى المحضنة) كما أن المرأة صاحبة البيت أصبحت لا تفضل في أغلب الأحيان إقامة العاملة بالمنزل كامل الوقت. وقد دعت بعض الحاضرات إلى ضرورة التمييز بين الفوارق الاجتماعية والعنف (بالمعنى الدقيق)، وأشارت متدخلة أخرى إلى أن العمل بالمنازل هو كأي عمل آخر له صعوباته وظروفه الخاصة داعية إلى تنسيب النتائج التي توصلت إليها الدراسة وتمثيليتها باعتبار محدودية العينة التي تم اعتمادها، وذلك بالرغم من الحرص الواضح لفريق البحث على توخي الدقة والموضوعية وتجنب التعاطف غير المفيد علميا لدراسة أي ظاهرة، حتى وإن كانت طبيعة هذا البحث عملية (recherche/action ) وتهدف إلى تغيير الواقع.
عادل القادري ـ جريدة الوحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























