الطيب البكوش في الذكرى العشرين لتأسيس المعهد العربي لحقوق الإنسان: نخجل من غياب التمويل العربي
كتبهاعادل القادري ، في 21 أبريل 2009 الساعة: 15:41 م
في إطار الاحتفال بالذكرى العشرين لتأسيسه، نظم المعهد العربي لحقوق الإنسان بالتعاون مع مؤسسة المستقبل يومي 13 و 14أفريل 2009 بأحد نزل تونس العاصمة، لقاء بيت الخبرة في مجال التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية حول ورشة تفكير بعنوان " التربية على حقوق الإنسان في المنطقة العربية: واقعها وتحدياتها وفرصها" وذلك بمشاركة خبراء في مجال التدريب على حقوق الإنسان وممثلون عن منظمات وهيئات حقوقية من تونس والمغرب واليمن وفلسطين ولبنان والأردن والبحرين والجزائر. وأشرف على الجلسة الافتتاحية التي واكبنا أشغالها كل من الدكتور الطيب البكوش رئيس المعهد العربي والدكتورة نبيلة حمزة رئيسة مؤسسة المستقبل التي قدمت نبذة عن مؤسستها (ومقرها عمان بالأردن) و التي تأسست سنة 2006 كثمرة لمنتدى المستقبل الثاني الذي انعقد في البحرين سنة 2005 بمبادرة شراكة تضم 20 دولة (الأردن، لبنان، أفغانستان، الجزائر، البحرين، مصر، إيران، العراق، الكويت، ليبيا، موريتانيا، عمان، باكستان، فلسطين، قطر، السعودية، سوريا، تونس، الإمارات واليمن) إلى جانب دول مجموعة الثماني الكبرى. وهي تهدف إلى توفير الدعم المادي والتقني لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية في جهودها الرامية إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأفادت أن مؤسستها تدعم حاليا 46 مشروعا من بين 200 طلب تمويل، ضمن حزمة متكاملة من برامج الدعم المادي والفني، بغلاف مالي يصل إلى عشرة ملايين دولار.
وتولت الأستاذة لمياء قرار مديرة المعهد العربي لحقوق الإنسان تقديم نتائج ورشة البحرين " طرق وأدوات التدريب الشعبي في مجال حقوق الأنسان في البلدان العربية " التي انعقدت في جانفي 2005، مستعرضة أهداف " بيت الخبرة " كفضاء مفتوح ومشترك بين الفاعلين في مجال حقوق الانسان وفرق العمل المتعلقة بحماية حقوق الانسان و آليات التحول الديمقراطي وحقوق الانسان في المنظومة التعليمية و الأوضاع الخاصة (العراق ، فلسطين، السودان، سوريا، بلدان الخليج).
إثر ذلك قدم الدكتور الطيب البكوش مداخلة بعنوان " خصوصيات وإشكاليات التدريب والتربية على حقوق الانسان في المنطقة العربية من خلال تجربة المعهد العربي لحقوق الانسان " مذكرا بإنجازات المعهد العربي لحقوق الانسان الذي تخرجت منه أغلب الإطارات الحقوقية العربية طيلة عشرين سنة من تأسيسه بتونس في مارس 1989 كأول معهد عربي إقليمي غير حكومي بمبادرة من اتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الانسان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وقد تميز بشمولية المجالات التي اهتم بها والفئات التي استهدفها، حيث قام بتدريب عديد الفئات المهنية مثل المحامين والقضاة في كيفية تنظيم محاكمة عادلة وفق المعايير الدولية، والإعلاميين الذين اعتبرهم "فئة استراتيجية" وقد بيّنت دراسة أن جميع التشريعات العربية بدون استثناء وبدرجات مختلفة لا تضمن حرية الإعلام الذي يلعب دور خطيرا في مجال التوعية بحقوق الانسان، وكذلك المدرسين ومؤلفي الكتب المدرسية التي أثبتت البحوث أن العديد منها لم تكن تتلاءم مع مبادئ حقوق الإنسان مما شكل صدمة إيجابية أدت في بعض البلدان العربية إلى تشكيل لجان لمراجعة البرامج التعليمية، وحتى أعوان الأمن وحراس السجون (بطلب من البحرين وقطر) لمواجهة استشراء ظاهرة التعذيب الذي يمس المواطن و الموقوف والسجين، إلى جانب تدريب الفئات الاجتماعية (المرأة، الطفل، ذوي الاحتياجات الخاصة)، كما تميزت القضايا التي ركز عليها المعهد الذي تحصل سنة 1993 على جائزة اليونسكو بالتنوع مثل الحريات العامة والحريات النقابية وحقوق المهجرين و ضحايا النزاعات والحروب و ضحايا التعذيب وتأهيلهم. بالإضافة إلى المحور الجديد المتعلق بالعدالة الانتقالية. هذا وقد انطلق التخطيط الاستراتيجي بالنسبة للمعهد العربي سنة 1996 ليصل الآن إلى الخطة الرابعة التي بدأت سنة 2008 . أما بالنسبة للإشكاليات المطروحة على المعهد فقد كشف الدكتور الطيب البكوش أن التمويل العربي مفقود تماما، مما يعتبر مؤشرا لحقيقة اقتناع المسؤولين العرب بأهمية حقوق الإنسان، معطيا مثالا طريفا حيث قرر مجلس الجامعة العربية منذ عشر سنوات دعم المعهد بمنحة مالية مقدارها 10 آلاف دولار وإلى اليوم لم تصل تلك المنحة والسبب…انعدام السيولة!! وقال" نحن نخجل من غياب التمويل العربي ولا نخجل من التمويل الأجنبي لتوفر شرطين: الشفافية والاستقلالية (عدم قبول الدعم المشروط)" . وفي هذا السياق أشار إلى أن تمويلا في غير موضعه يساهم في تشويه الصورة مدينا ظاهرة "بوتيكات " حقوق الانسان المتزايدة في المنطقة العربية حيث نجد بعض المنظمات والمؤسسات التي لا علاقة لها بالتربية على حقوق الإنسان تمنح شهادات التدريب وهي لا تميز بين إلقاء محاضرة والتدريب الحقيقي أو بين التدريب العام والتدريب الخاص، بما ينعكس سلبا على سمعة المجتمعات المدنية وصورتها. كما نبّه إلى أن جل المراكز والمنظمات الحقوقية تخلط بين حماية حقوق الإنسان وبين نشر الثقافة والوعي بحقوق الإنسان، بل إنه اعتبر أن منظمة دفاعية عن حقوق الانسان هي غير قادرة في الوقت الراهن على نشر الثقافة الحقوقية بل قد تعرقلها. ويتسبب ذلك الخلط بين الوظيفتين حسب رأيه في تشتت الجهود أو التنافس السلبي. وركز على أهمية الشراكة الواسعة بين مكونات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية مع المحافظة على الاستقلاية مؤكدا أن هذا خيار استراتيجي بالنسبة للمعهد. وفي تقييم عشرية الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان (1995 ـ 2004 ) أكد أن ما قام به المجتمع المدني كان أفضل من أداء الحكومات العربية بتفاوت بين البلدان. ولأن تلك العشرية لم تكن كافية أقرت المنظمة الأممية برنامجا عالميا للتربية على حقوق الإنسان ، ليشير في الأخير إلى إشكالية التناقض الحاد على المستوى الدولي (الولايات المتحدة) بين القيم والممارسة (أبوغريب، غوانتانامو…) مما يجعل الرأي العام يفقد الثقة في تلك القيم.
من جهتها أشارت الأستاذة جمانة مرعي (مديرة مكتب بيروت للمعهد العربي) بدورها في مداخلة بعنوان " أسئلة التربية على حقوق الإنسان في المستوى غير الرسمي في المنطقة العربية في ضوء التحولات والتحديات الإقليمية والدولية الراهنة" إلى وجود "ثقافة فساد" في بعض مراكز حقوق الإنسان، مستعرضة أهم التحديات التي يواجهها الواقع الحقوقي ومنها أزمة غياب الديمقراطية وتراجع المساواة والحق في التنوع والتسامح حيث أن الاستبداد لا يهم فقط الأنظمة السياسية بل الأنظمة المجتمعية، وألمحت إلى ضعف الاهتمام بحقوق النساء والمساواة الجندرية وكذلك العمالة المهاجرة (الاتجار بالنساء والأطفال..)، مؤكدة أن حالة الحرب والنزاعات تعيق في بعض البلدان العربية التطور الديمقراطي إلى جانب الأزمة الاقتصادية العالمية التي تقلص من المساعدات الضعيفة أصلا التي تقدم للمنظمات وقد أصبح التمويل باتجاه أعمال الإغاثة أكثر منه للتربية والثقافة، كما تطرقت إلى إشكاليات التنسيق والتحالف مؤكدة أن معظم تجارب التشبيك لم تنجح، مما أضعف قوة العمل الضاغط واستمرارية الحملات وتمكين المتدربين ولم يوفر لهم ممارسة المعارف بعد انتهاء الدورات التدريبية، وأشارت إلى إمكانية استثمار المشاريع التنموية للوصول إلى الناس إلى جانب الثقافة الإبداعية (القصة، المسرح، الموسيقى..)، أما إنتاج الأدلة والوثائق فلاحظت الكثير من الاستسهال في هذا المجال فغالبا ما يقع الاكتفاء بتعريب أدلة أجنبية غير مكيفة مع مشاكل واقعنا وخصوصياته، وأكدت ضرورة دراسة الاحتياج التدريبي دراسة علمية (مسح اجتماعي سريع عوض الاكتفاء باستمارة)، مع الاعتناء بكيفية عرض التقارير حيث ما زال أمامنا الكثير لبناء موقع لنا في المحافل الدولية، ويفرض مد جسور التعاون بين الرسمي وغير الحكومي.
وقد أثيرت خلال النقاش مسائل أخرى عديدة من بينها صعوبة دراسة أثر التدريب وضرورة التمييز بين المتابعة والتقييم وقياس الجدوى وإمكانية تكفل بيت الخبرة بضبط معايير الجودة وميثاق أخلاقيات التدريب الحقوقي.
هذا وقد تضمن برنامج اليوم الثاني تنظيم خمس مجموعات عمل لاستشراف تطوير برامج التدريب والتربية على حقوق الانسان في المنطقة العربية وإعداد وثيقة توجيهية حول تطوير منهجية ومضمون وطرق التربية على حقوق الانسان، المجموعة الأولى حول حماية حقوق الانسان وطرق استعمال المنظومة الدولية (د. محمود المصري)، والمجموعة الثانية حول الدين والثقافة وحقوق الانسان من أجل رؤية كونية ( محمد نجيب عبد المولى)، والمجموعة الثالثة حول التحولات الديمقراطية والعدالة الانتقالية (مصطفى بوشاشي)، والمجموعة الرابعة حول حقوق الانسان في السياسات الرسمية وفي المناهج التعليمية (خليل رضوان)، والمجموعة الخامسة حول حقوق الانسان في الأوضاع الخاصة (عزالدين الأصبحي)، كما تضمن البرنامج لقاء مع ممثلة مؤسسة المستقبل.
عادل القادري - جريدة الوحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























