أزمة القراءة في تونس والبلدان العربية
كتبهاعادل القادري ، في 16 مايو 2009 الساعة: 19:28 م
بمناسبة معرض تونس الدولي للكتاب، انعقد في إطار منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم 24 أفريل 2009 لقاء فكري حول " أزمة القراءة في تونس والبلدان العربية" بمشاركة الأستاذ البشير بن سلامة والأستاذ عبد الرحمان مجيد الربيعي والأستاذ حسن بن عثمان،
وقد أشرف على افتتاح هذا اللقاء السيد محمد بوشيحة الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية بكلمة أكد خلالها ما يوليه الحزب من اهتمام متواصل بالمسألة الثقافية التي يعتبرها من أولوياته انطلاقا من خلفية الفكرية ذات البعد العقلاني و التقدمي ونظرته إليها كرافد أساسي من روافد التنمية الإنسانية والسياسية، مشيرا إلى أن أزمة القراءة هي جزء لا يتجزأ من أزمة الثقافة العربية التي لم تستطع إلى حد الآن أن تكون في مستوى التحديات المطروحة عليها في عالم مليء بالمتغيرات والتطورات، رغم المجهودات المبذولة من طرف بعض النخب المستنيرة لمواجهة التصورات الماضوية والسلفية معربا في هذا السياق عن التضامن مع المثقفين والمفكرين الذين تستهدفهم العقلية التكفيرية. ولئن نوه على الصعيد التونسي بالجهود التي قامت بها الدولة من خلال القرارات الرئاسية وبرامج وزارة الثقافة والمحافظة على التراث لتشجيع الكتاب في مستوى التأليف والنشر والتوزيع وتجاوز مشكلة الرقابة الإدارية المسبقة والإيداع القانوني، فقد لاحظ أنها تحتاج إلى المزيد من الإسناد والدعم في مستوى حرية التعبير والإبداع وضمان حقوق المؤلفين والمبدعين، مؤكدا أهمية المبادرة التي أذن بها رئيس الجمهورية لتنظيم استشارة وطنية حول الكتاب، وشدد في هذا المجال على أن الكتاب يبقى أهم أداة ومحمل للمعرفة الواعية والتفكير النقدي كما أن القراءة هي أيضا فعل مقاومة.
إثر ذلك تولى الأستاذ البشير بن سلامة (كاتب ووزير ثقافة سابق) تقديم مداخلة بدأها بالتمييز اللغوي بين القراءة والمطالعة والتلاوة، ليوضح أن المسألة المطروحة اليوم هي أزمة المطالعة المتعلقة بالكتاب الثقافي لا الكتاب المدرسي، مشيرا بالنسبة إلى الكتاب العربي إلى أنها أقل حدة في المشرق العربي مما هي في تونس والجزائر والمغرب. و لاحظ أن الإحصائيات المتوفرة في بلادنا تقتصر في الكثير من الأحيان على إنتاج الكتاب ونشره معتبرا أنها تقريبية بل وهمية فيما يتعلق بالمطالعة. لأن الاستناد إلى المبيعات من الكتاب التونسي لا يدل على عدد القراء فالكتاب الواحد قد يتداول عليه العديد من الأشخاص، كما أن الأخذ بعين الاعتبار التردد على المكتبات العمومية قد لا يعني شيئا لأن المكتبة تستعمل في الغالب كفضاء لإعداد الدروس من التلامذة والطلبة. و لكنه لاحظ أن معدل عدد النسخ المسحوبة في المطبعة للكتاب الواحد قد تدهور، فبعد أن كان في الثمانينات ثلاثة آلاف نسخة أصبح في تقديره اليوم في حدود الألف نسخة فقط. وأكد تفشي ما أسماه الأمية الثقافية رغم انتشار التعليم وكثرة المتعلمين. حتى أن العديد من أصحاب الاختصاص والشهادات العليا قد عزفوا عن مطالعة الكتاب بل والجريدة والمجلة إلا ما يدخل ضمن اهتماماتهم المهنية. أما معرفة أسباب هذه الظاهرة فتتطلب في اعتقاده إجراء بحوث ميدانية علمية ودقيقة لم تنجز في السنوات الأخيرة، معتبرا بالاستناد إلى تجربته كمسؤول سابق عن عدة قطاعات، أن العوامل التي تحول دون حل مشكل العزوف عن المطالعة، تتعلق بالمحيط العائلي وبالمؤسسة التعليمية وبالبيئة الاجتماعية. حيث أن الطفل أو الشاب الذي لا يتعود في البيت على وجود الكتاب ولا يرى والديه يخصصان وقتا للمطالعة أو ركنا لمكتبة منزلية، ولا يحضانه على ذلك فإنه لا يهتم بالكتاب. أما المدرسة فهناك عدة عوامل تحول دون قيامها بدورها كاملا، فإن خصصت حصة للمطالعة فإن المناهج البيداغوجية المعتمدة تتطلب أن لا تكون تلك الحصة مجرد فرض من الفروض حتى يجد الطفل متعة فيها، كما أن قلة الكتب وندرتها في المؤسسات والنوادي، تم تلافيها في عهده بمشروع الألف مكتبة إثر بعث صندوق التنمية الثقافية التي تم إلغاؤه في جويلية 1986 بعد خروجه من الوزارة، وأضاف إلى ذلك عامل ضغط الوقت الذي اعتبر أنه ينخر المؤسسة التربوية منذ زمان ويثقل كاهل التلميذ والمربي بأعباء تطبيق البرنامج بسبب اختيار نظام تعليمي معين أثناء الحقبة الاستعمارية، طبقه الأستاذ محمود المسعدي لما أصبح وزيرا للتربية في دولة الاستقلال رغم تنديده بذلك النظام مع الأمين الشابي وأحمد عبد السلام ومحمد مزالي أواخر سنة 1947 في آخر عدد من مجلة المباحث الصادرة باللغة العربية. ويعزو الأستاذ بشير بن سلامة الوضع اللغوي المتذبذب في البلاد اليوم إلى هذا النظام التعليمي الذي يرتكز على "ثنائية لغوية مغلوطة وانتقائية وحشية" داعيا الباحثين النزهاء الذين ليست لهم خلفيات ايديولوجية وسياسية مسبقة إلى القيام بالبحوث اللازمة ليتبينوا أن المسألة خطيرة جدا على مستقبل المجتمع التونسي الحضاري والثقافي، مشيرا إلى أن بيت الحكمة قد بدأت في سنواتها الأولى بالقيام بدراسات لغوية وألسنية للبحث في المشاكل المتعلقة بالقراءة غير أنها توقفت ككل المشاريع الجادة في رأيه. و اعتبر أن النظام التعليمي التونسي قد فشل في أن يجعل من الثقافة سندا للبرامج التعليمية، ملمحا إلى إجهاض التجربة التي قام بها كوزير للثقافة في الثمانينات مع وزارة التربية.
الأستاذ عبد الرحمان مجيد الربيعي (كاتب روائي) انطلق في مداخلته من تجربته كمنتج للكتاب ليؤكد هبوط مؤشرات النشر في البلدان العربية، ملاحظا أ، بعض دور النشر تطبع اليوم 500 نسخة من الكتاب الواحد وأحيانا أقل. كما استحضر مثال مجلة الأقلام العراقية التي كانت تصدر في 15 ألف نسخة حين كانت توزع على مساحة واسعة واليوم لم تعد تتجاوز 2000 نسخة، ليبرز أنه كلما أتيحت فرصة التوزيع على مساحة أوسع كلما كان ذلك لصالح الكتاب، وأعرب عن أسفه لتواجد البلدان العربية في مرتبة متأخرة بالقائمة العالمية لإنتاج الكتب ونشرها. أما بالنسبة إلى تونس فلاحظ أن الناشر غالبا ما يحتفظ بالكتاب ولا يخرج منه إلا النسخ التي يطلبها منه بعض أصحاب المكتبات، وكثيرا ما تنقذ وزارة الثقافة الكاتب بشراءاتها، وأشار إلى أنه في زيارة له مؤخرا إلى معرض الكتاب بالمغرب لم يجد الكتاب التونسي، وهذا مما يدفع الكاتب إلى المغادرة باتجاه دور نشر أخرى وخاصة دور النشر اللبنانية التي توزع الكتاب على كل البلدان العربية وهي تتعامل بحرفية تجارية مع الكتاب كبضاعة يتم ترويجها مثل كل السلع وبتقنيات تسويقية عالية لأن الكتاب هو أيضا في حاجة إلى إشهار، كما أشار إلى تجارب أخرى ناجحة في نشر الكتاب من خلال السعر البخس (مثل الكويت) حيث يصل عدد النسخ من الكتاب الواحد إلى 60 ألف نسخة. واعتبر أن للكتاب قيمة أثيرة بين يدي القارئ من جيله و رائحة وخصوصيات تميزه عن الوسائل الأخرى للمعرفة مثل الانترنت والتلفزيون، وإن كان القارئ العربي اليوم قارئ صحف وليس قارئ كتب، متذكرا في هذا السياق كيف كانت تعج المكتبة العمومية التي كان يرتادها أيام شبابه بالناصرية في العراق بالقراء من الجنسين طيلة أيام الأسبوع، وما ينبغي أن يميز المسؤول عن المكتبة من كفاءة وخصال يتم على أساسها اختياره.
الأستاذ حسن عثمان (كاتب وإعلامي) قدم مداخلة بعنوان " الحق في عدم القراءة" ملاحظا اتساع وشمول عنوان " أزمة القراءة في تونس والبلدان العربية" بل التباسه وغموضه، معددا أنواعا كثيرة من القراءات الوظيفية التعليمية والتراثية التعبدية والرمزية والصحفية والأدبية والعلمية والمهنية (قراءة الملفات والتقارير!)، وأكد بدوره غياب إحصائيات دقيقة ذات مصداقية تقوم بها جهات محايدة بعيدة عن شبهات التوظيف، في ظل ظروف دولية حالكة السواد تنتهك فيها الحقيقة ويقع التلاعب بها وفق الأهواء والمصالح. و اختار أن يقلب طرح المسألة للتركيز على الكتابة الأدبية أو الثقافية، معرضا عن تحميل القراء أي اتهام وإدانة، معتبرا أن في ذلك تبرئة خبيثة من الكتّاب لأنفسهم وإلقاء المسؤولية على قراء وهميين أو افتراضيين. لأن القراء، حسب عبارته، ليسوا مرآة يدمن الكاتب في تملي نرجسية نجوميته المفقودة على صفحتها الصقيلة، ليؤكد أن أزمة القراءة هي في المقام الأول أزمة كتابة وندرة إبداع، فكلما توفر ما يستحق القراءة فإنه سيقرأ وينتشر في المكان ويسافر في الزمان والكتب الجيدة (مثل أعمال الطيب صالح) تكسر الحدود والكاتب الحقيقي يخلق قارئه من عدم. وبيّن ما يصيب بيئة الكتاب المستقرة الآسنة من العاهات، وأبرزها انعدام حياة سليمة للكتاب الذي لا يتخلق في رأيه بشكل سويّ إلا عبر ثلاث مراحل تصنع وجوده وهي أولا مؤسسة للنشر لها مصداقية تتبنى الكتاب وتدخل مع كاتبه في شراكة معنوية ومادية وتعمل لمساندته وترويجه حتى لا يتحول الناشر إلى مجرد مرتزق أو وسيط بلا رؤية ولا مشروع ثقافي، وإن كان الكثير من الناشرين يعانون مثل الكتاب وأحيانا أكثر. والشرط الثاني إعلام محترف مكتوب ومسموع ومرئي لا يختلط فيه الحابل بالنابل ولا تطغى عليه المجاملات أو تصفية الحسابات، أما العنصر الثالث فهو ساحة ثقافية حيوية ونشطة لا تضيق بالنقاش والجدل وتتسع لكافة التوجهات الفكرية في عهد تدعمها مؤسسات جامعية لا تنتهك العمل الأكاديمي ولا تتدخل في الشأن الثقافي إلاّ من وجهة نظر علمية وتلتزم التمييز بين الموقع الأكاديمي للمنتسبين لها ومشاركتهم في الكتابة الثقافية غير الجامعية.
هذا وقد شارك في النقاش الأستاذ عادل الحاج سالم الذي أعرب عن تحفظه على مسألة شراء وزارة الثقافة للكتب باعتبار ما يشوب هذه العملية في نظره من حيف لا بد من تلافيه ولارتباطها بشبكة العلاقات الشخصية أكثر من القيمة الإبداعية أو الثقافية للكتاب، مشيرا إلى ما أخرج من مخازن الدار التونسية للنشر و وزارة الثقافة من الكتب المكدسة المهملة، داعيا إلى التفكير في صيغ أخرى لدعم الكتاب من خلال التمويل المباشر والاعتماد على لجان قراءة محكمة، أما دور النشر فقد لاحظ أن العديد منها تصدر الكتب ولا تنشرها، ولذلك يلجأ بعض الكتاب التونسيين اليوم إلى النشر في أسواق خارجية مثل فرنسا وألمانيا لأن الناشر هناك له شبكة توزيع ممتدة من الكندا إلى استراليا على أساس تسويقي مدروس من الدعاية ودراسة السوق وانتظارات القراء (مثال: أحلام مستغانم وعلاء أسواني لهما أرقام مبيعات كبيرة وطبعات عديدة من كل كتاب يصدرانه)، وبيّن أنه حتى في مستوى النشر الالكتروني للكتب الرقمية فإن العرب متخلفون وإن كان يرى أن تضاؤل نسبة القراءة ليس ظاهرة تونسية أو عربية بل هي ظاهرة عالمية. وبالنسبة للتعليم قارن بين المدرسة العمومية التي تدهورت في بلادنا رغم رفعة ما يقع تدريسه من الأدب ولكن بطرق تقليدية وبين المدرسة الفرنسية الخاصة بتونس حيث يقع ترغيب التلاميذ في المطالعة عبر العديد من الأساليب والطرق البيداغوجية مثل زيارة المكتبات وتعلم استعمال المعاجم…
الأستاذ زهير الخويلدي اعتبر أن القراءة هي التي تحيي الكتاب وإلا بقي ميتا، وانطلق من تجربته الخاصة ككاتب ليصرح بأنه لن يعيد تجربة النشر على نفقته الخاصة رغم ما اعترضته في السنوات السابقة من صعوبات مع دور النشر، وعدد العوائق التي تحول دون انتشار الكتاب الثقافي ولا سيما الفلسفي والعقلاني والتقدمي ومنها الثقافة السائدة التقليدية وما ينتظره الجمهور، إلى جانب بروز الثقافة الرقمية (الانترنت و الفضائيات…) وكأننا نعيش في عصر الصورة نهاية الكتاب، وهو ما يفسر لجوءه إلى الكتابة في المواقع الالكترونية. مؤكدا أنه ككاتب لا يبحث عن قارئ نموذجي أو ما قد يتجاوز قارئ المقال الصحفي. ومن بين الحلول التي تتراءى له ضرورة عدم الفصل بين الثقافة والسياسة حيث يفترض أن تكون للأطراف السياسية رؤية وسياسة ثقافية واضحة وجدية، كما يجدر في اعتقاده إعادة تنظيم المبدعين خارج إطار الهياكل التقليدية التي اعتراها الروتين (مثل اتحاد الكتاب) أما بالنسبة للثقافة الرقمية فلاحظ أنها بدأت تفتح آفاقا جديدة أمام عودة الثقافة العربية، مستبشرا ببداية التحرك الإيجابي لدى بعض بلدان الخليج في مجال الاستثمار الثقافي.
الأستاذ سليم الزواوي أكد أن ثقافتنا السائدة تكره الأسئلة في حين أن القراءة في نظره هي بنت الأسئلة، أما السياسة الثقافية الرسمية فاعتبر أنها منحازة إلى ثقافة الصورة التي تخاطب المشترك و تخلق كائنا طيعا، بينما تتميز ثقافة الكتاب بأنها ثقافة نقدية بالضرورة.
عادل القادري ـ جريدة الوحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























