محمد الجويلي في منتدى التقدم : تلفزيون الواقع استثمار للرأسمال العاطفي وسلطة الحميمي
كتبهاعادل القادري ، في 18 مايو 2009 الساعة: 18:15 م
انعقد في إطار منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم 29 أفريل 2009 لقاء حول "تلفزيون الواقع" حاضر خلاله الأستاذ محمد الجويلي وشارك فيه بالخصوص عدد من الإعلاميين والمحامين.
وقد أشرف على افتتاح هذا اللقاء السيد محمد بوشيحة الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية الذي أكد ما يوليه الحزب من اهتمام متواصل بالشأن الإعلامي انطلاقا من دفاعه المبدئي عن حرية الإعلام وحقوق الصحفيين وما قدمه من مقترحات وبدائل في هذا المجال، مشيرا إلى ما حدث في الفترة الأخيرة من جدل واسع حول بعض البرامج التلفزية التونسية التي بيّن أنها لا تهم فقط فئة مهنية معينة مثل المحامين بل قطاعات واسعة من المجتمع، معربا عن احترامه لكل المواقف الصادرة عن الأطراف المعنية ما دامت تراعي قواعد الحوار وتفهم الرأي الآخر، كما عبر عن تقديره لما ورد في خطاب رئيس الجمهورية مؤخرا من توضيحات بخصوص حرية الإعلام والصحافة في تونس وفق معادلة تبدو متوازنة بين الحرية والمسؤولية بما يضمن احترام العمل الصحفي وحق الوصول إلى المعلومة وإنارة الرأي العام وكشف الحقائق في كنف الشفافية من جهة واحترام كرامة الأشخاص وسمعة المؤسسات وهيبة الدولة بعيدا عن الثلب والتشهير والمغالطة من جهة أخرى. و أشار إلى الموقع الذي أصبحت تحتله الآن تلك البرامج في المشهد الإعلامي البصري حسبما تؤشر له نسب المشاهدة المرتفعة، وإن كان البعض يراها من روافد العولمة ومجرد استنساخ وتقليد لبرامج أجنبية قد لا تتلاءم مع بيئتنا المجتمعية ولا سيما على صعيد المنظومة الثقافية وتقاليد الأسرة التونسية والعربية. ولكنه لاحظ أن بعض هذه البرامج، إذا ما أحسن إعدادها وبلورة غاياتها حتى لا تقتصر على الجانب التجاري و الإشهاري والبحث عن الشهرة، قد تسهم في خلخلة حالة الجمود والركود التي تعاني منها مجتمعاتنا المفتقرة إلى فضاءات النقاش والحوار، وقد تسلط المزيد من الضوء على العديد من المواضيع المحظورة أو المسكوت عنها، وترسخ مفهوم السلطة الرابعة والرأي العام وتعزز دعائم الديمقراطية الناشئة .
إثر ذلك تولى الدكتور محمد الجويلي تقديم مداخلة حول تلفزيون الواقع من وجهة نظر سوسيولوجية كظاهرة انطلاقا من مفهوم أعم يطلق عليه مجتمع العواطف والمشاعر، مذكرا بكتابين حول هذا المفهوم الأول لأنطونيو ديماسيو بعنوان خطأ ديكارت والثاني لغولدمان بعنوان الذكاء العاطفي. في مقابل الذكاء العقلاني الذي انبنت عليه الحداثة الغربية. ثم ميّز بين ثلاثة مجالات هي الفضاء العام والفضاء الخاص والحميمي، حيث ينبني العام على المواطنة والسوق والإعلام. ولئن كان المجال الثاني يتعلق بالحياة الخاصة فإن الحميمي الذي يقع في قلبها هو جزء من فضاء واقعي أو استعاري يمثل الحدود التي لا يمكن تجاوزها ولا يمكن كشفها إلا لعدد محدود من الأشخاص. مثلما يخص أسرار الحياة الجنسية والمراسلات والكراس الحميمي… ولكن التحولات التي حدثت تبرز كما هو الحال في مدونات العراء بالانترنت الرغبة الجامحة في الظهور و الانتقال إلى حميمية مكشوفة تعرض نفسها للفرجة أو القراءة، و حتى السينما أصبحت تتجه أكثر نحو السينما البيوغرافية الواقعية التي تؤرخ للأفراد وتجاربهم الشخصية (مثل شريط كحلوشة في تونس)، وإذا كان كشف الحميمية متاحا في السابق للمبدعين بأسلوب فني مثل الشعراء والرسامين فإنه أصبح اليوم ديمقراطيا ومن حق الجميع مثل المدونات. كما أصبح فرصة لتثمين الذات وفرصة للعرض القابل للاستثمار بالتوازي مع التسامح أمام كشف الحميميات. وأدرج الأستاذ محمد الجويلي ذلك ضمن ما يسمى بانتشار الذات وتمددها.
وإذا كان الفضاء العام يشمل ما هو جماعي، فإن الفرد هو العنصر الأساسي في الفضاء الخاص، أما الحميمي فهو منطلق الذات بمعنى الفرد الذي يتجاوز ما هو متاح أمامه و يكشف تجربته للآخرين، فيضفي على فرديته أبعادا جديدة بكل ما يتوفر له من حرية وإمكانات إبداعية، والجدير بالملاحظة توطد العلاقة بين هذه المجالات الثلاثة، فالذات أصبحت بسهولة تنتقل من الحميمي إلى ما هو خاص بل تجاوزته وأصبحت تخترق ما هو عام، لا سيما إذا لبت المؤسسات الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، الجامعة…) هذا التطور وأعطت قيمة للفرد الذي يكتشف أن بإمكانه أن يتجاوز هذه المؤسسات و "يصنع نفسه" ويجد له مسلكا كما يدرج القول في اللهجة التونسية، فيما يتعلق بالاعتماد على الذات وأن يكون المرء مسؤولا عن نفسه وعن مشاريعه الخاصة في نطاق فرادانية ذاتية.
ثم توقف المحاضر عند تسمية تلفزيون الواقع كإحدى الصور المتداول بها الحميمي، ليوضح أنها تسمية مفخخة بل مغلوطة و الأرجح هو الواقع الذي يصنعه التلفزيون مع الاعتبار الابستمولوجي بأنه ليس هناك واقع يمكن ضبطه بل تصورات للواقع واختلافات وصراعات في تأويل السياقات والتجارب المعيشة، وأيد ذلك بمثال عن أحد البرامج الأجنبية لنفس الشركة بث في تونس وفي الجزائر ولكنه لم يعط نفس النتيجة والتأثير، مؤكدا أنه ليس هناك ما يسمى بالغزو الثقافي في اتجاه واحد بمعنى الاستقبال السلبي مستشهدا بدراسة سوسيولوجية لسيلفيا سانشيز حول أكلة البيتزا التي خرجت من إيطاليا لتصل إلى مناطق أخرى في العالم غير أنها لم تبق تماما كما هي في منطقة المنشأ، بل أضفيت عليها حتى في تونس لمسات محلية، وهذا ما يحدث لأي شيء يأتي من الخارج، ولذلك برز مفهوم "العالمحلي" . أما بالنسبة للتلفزة فذكر بأنها مرت بثلاث مراحل وهي التلفزة الرسولة المبشرة، وهي توافق بالنسبة إلى تونس تلفزيون الستينات والسبعينات كمؤسسة لتوعية الناس وتوجيههم، ثم انتقلنا إلى التلفزة العلائقية التي تدعو الناس إلى المشاركة وطرح الأفكار، وأخيرا جاء تلفزيون الواقع في إطار التلفزة الفاعلة التي تحاول أن توازن بين العرض والطلب، فبرامج تلفزيون الواقع جميعها تعتمد على مشاركات الناس التي كانت في السابق محدودة ومحصورة ولأول مرة يمكن لكل الناس الدخول إلى التلفزة، كنوع من ديمقراطية السوق، ولكن تلفزيون الواقع يختلف من مجتمع إلى آخر وفق استقبال هذه الظاهرة ومدى قدرتها على أن تؤالف بين الأصول الثقافية لمجتمع الاستقبال وبين الفكرة الأصلية التي تم اقتناؤها.
وتطرق الأستاذ محمد الجويلي إلى موضوع التلصص voyeurisme مذكرا بأنه مسألة قديمة في التاريخ الإنساني، يعتبرها البعض نوعا من الفضولية أو العيب المقبول أوالخطأ الصغير الموجود لدى الجميع بأشكال مختلفة، ولكن الفكرة الأساسية التي تعتمد عليها برامج تلفزيون الواقع في نظره هي أن يكون للشخص المشارك قدرات عاطفية، أو ما يعبر عنه بالرأسمال العاطفي (وليس الرأسمال الرمزي لبورديو) ، وأعطى نماذج من خلال البرامج التونسية لشخصيات تمتلك مثل هذا الرأسمال: إعلامي ببرنامج "بالمكشوف"، ورئيس جمعية رياضية اشتهر ببكائه طيلة سنة كاملة، ومدرب شهير يستعمل كلمة شعب، موضحا أن الرياضة الآن وكرة القدم بشكل خاص مبنية على الاتصال العاطفي، مع التركيز على الجمالية و"الدخلة" والأغاني، ضمن ما أسماه بصوفية الملاعب، القائمة بدورها على الذكر والبعد المشاعري، و لذلك تعمل التلفزة على استثمار ذلك كمنتوج جديد يقدم عواطف ويجعل الناس تذرف الدموع، ومع الترويج لانتهاء الأفكار والايديولوجيات الكبرى يتم الآن التركيز على هو جزئي الذي أصبح عنده اليوم قيمة أكبر من الكلي، وأصبحت الجزئيات والتفاصيل المشهدية تكوّن نسيج الفرجة التلفزية بشكل عام .
كما أشار المحاضر إلى عملية اختيار المشاركين أو الممثلين (الكاستينغ)، التي يتولاها المنتج أوالمخرج أو المنشط، تحت شعار" لا يدخلن علينا من كان عصي الدمع…" لأنه غير مؤثر لا يناسب تلفزيون الواقع ولا يمكن أن يكون وقودا لبرامجه، إلى جانب ما يسمى بعبادة القدرات (العالية) وفق مقتضيات السوق في كل المجالات، وهي "ديانة جديدة" تبدأ مع تلاميذ المدرسة ضمن ما يسمى بثقافة الامتياز والمعدلات المرتفعة. وأوضح أبعاد تشريك الناس في المشاعر ضمن " التقسيم الاجتماعي للعواطف" حتى لا تبقى فقط في مجال خاص ضيق بل يجب أن يعلم بها الجميع في علاقة جديدة بين الذات والآخرين كدعامة اجتماعية لما هو حميمي قادر على شد انتباههم وتعاطفهم، ومن ذلك تولد لدى الكثيرين امتلاك الجرأة على كشف الحميميات التي أصبح لها قيمة تبادلية كأي سلعة ولها قدرة تحصيلية على امتيازات عديدة بما فيها المساعدات والخدمات الاجتماعية لدى مؤسسات لم يعد المسؤول فيها يقرأ الملفات والمطالب بل وجوه الناس وقدرتهم العاطفية على إبراز مشاكلهم. كما طرح مسألة الرأسمال العاطفي كمحرك اجتماعي والاحتجاج عبر الدموع للحصول على الحقوق عوض الالتجاء إلى الهياكل النقابية، بل وصل استثمار هذا البعد العاطفي في كشف الحميمية إلى الموت ملمحا إلى حركات المقاومة التي أصبحت تعرض شرائط " الاستشهاديين" قبل تنفيذ عملياتهم للتأثير على الناس.
وفي سياق الجانب السياسي وعلاقته بالحميمي أشار الأستاذ محمد الجويلي إلى السياسيين في خطاباتهم وحملاتهم الانتخابية وعلاقتهم بالناس، مذكرا بالزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وكيفية حديثه عن مسائل حميمية خاصة به دون أن يمس ذلك من شخصيته وجماهيريته بل استطاع من خلالها أن يقنع الناس ويؤثر بواسطتها على مستمعيه وجمهوره، مبرزا قوة العواطف في النفاذ إلى الناس و تمتين الشرعية السياسية، كما ذكر بنموذج الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي يستعمل مثل هذا الجانب العاطفي، وأكد أن هناك اليوم دراسات واهتمامات بهذه المسألة مع إعادة تعريف جديد للحميمي الذي بدأ يوسع من مناطق نفوذه على الناس والأشياء، والملاحظة الهامة في هذا المجال أن كشف الحميمية سواء كان في تلفزيون الواقع أو غيره لم يعد الآن تهمة بل أصبح فرصة ينبغي انتهازها واستثمارها.
ملاحظة: نواصل في العدد القادم من جريدة الوحدة تغطية هذا اللقاء وتقديم النقاش الذي شارك فيه السادة خميس الخياطي وزياد الهاني وخالد الكريشي وشهاب الرويسي والأزهر العكرمي وحافظ الدربالي وعادل الحاج سالم وأيمن الرزقي وجمال العرفاوي وهشام الحاجي وعبد الرحمان كريم والعياشي بالسايحية ووسيلة العياري والمختار التليلي وعبد الحق طرشونة وفوزي جراد وتعقيب الأستاذ محمد الجويلي.
عادل القادري ـ جريدة الوحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























