لماذا نخاف على ذاكرتنا الوطنية من الحقيقة؟

كتبهاعادل القادري ، في 31 يوليو 2009 الساعة: 17:59 م

 أثارت شهادة السيد أحمد بن نصير (التليسي) في منتدى الذاكرة الوطنية لمؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات جدلا واسعا طيلة شهر جويلية 2009 فتحت له صفحاتها جريدة "الصباح" التي تميزت بمواكبتها المتواصلة والجريئة منذ سنوات لفعاليات مؤسسة التميمي وشهاداتها التاريخية، ولو أنها لم تخل أحيانا من نقائص في مستوى الدقة والتفصيل.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تثير فيها مثل هذا النقاش والردود لقاءات مؤسسة التميمي ذات السمعة الدولية التي نشرت مئات الدراسات حول فترة حكم  الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ونظمت حوله  مؤتمرات عديدة وأصبحت تشكل بشهادة المختصين في التاريخ المعاصر قاعدة بيانات أساسية في بلادنا حول تلك الفترة. ولكن ما لفت الانتباه بالنسبة إلى الشهادة الأخيرة، التي قدمت حلقتها الأولى يوم 4 جويلية الفارط، أنها لم تستكمل، حيث لم يواصل السيد أحمد بن نصير (75 سنة) ما وعد به من كشف لوقائع و"حقائق" أخرى عديدة بقيت خافية أو غامضة في نظر المؤرخين حول المقاومة المسلحة وبعض أسمائها (ولا سيما حسن العيادي الذي عمل تحت إمرته) والنزاع البورقيبي اليوسفي خصوصا بين سنتي 1955 و 1957 وما ساده من تصفيات متبادلة فيما يشبه حربا أهلية لعل أشهر علاماتها القاتمة في الذاكرة الوطنية "صباط الظلام" بتونس العاصمة وضحاياه من اليوسفيين، حيث أوضح الشاهد انطلاقا من تجربته الشخصية، أن هذا المكان المؤمّن من المحاولات المعادية، اختير في تلك الفترة، كبديل لنادي الدويرات المكشوف للمارة، وقد خصص "للتحقيق"  والتعذيب الذي شارك فيه وليس للقتل على خلاف ما هو راسخ إلى حد اليقين في الذاكرة الوطنية .   

وكان واضحا أن السبب المباشر في السكوت المفاجئ لأحمد التليسي بل تراجعه عن شهادته الموثقة وإلغاء حلقة يوم 18 جويلية وقبل ذلك إرباك حلقة يوم 11 جويلية، هو إطلاعه على مقال للأستاذ محمد رضا الأجهوري يدعو فيه إلى إيقاف بقية حلقات هذه الشهادة التاريخية و إلى محاكمة صاحبها الذي اعترف بارتكابه جريمة التعذيب ضد اليوسفيين، وهي جريمة لا تسقط، في رأيه، بمرور الزمن، معتبرا أنه "شاهد زور" وأن مواصلته الإدلاء بشهادته فيه إساءة لأهالي الضحايا وذكراهم إلى جانب كونها إساءة كبرى لذكرى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي اتهمه حارسه الشخصي، صاحب الشهادة، بإصدار التعليمات في عدد من الجرائم السياسية التي ارتكبت آنذاك مثل محاولة اغتيال أحمد بن صالح سنة 1956.

ولئن ساء الجميع ما نشر بعد ذلك من ردود متشنجة إلى حد القدح الشخصي بين أستاذ القانون وأستاذ التاريخ، فإن الضرر الأكبر في اعتقادنا قد مسّ الحقيقة المنشودة والتي يفترض بناؤها علميا عبر زوايا مختلفة وشهادات متقاطعة أو متعارضة و متكاملة. ويبقى من دور المؤرخين المحترفين غربلة الشهادات غثها وسمينها ومقارنتها وتقييم صحتها وتماسكها، والأكيد أنه لا يمكن لهم أن يقوموا بذلك على أحسن وجه إذا لم تمنح الفرصة للشاهد، ولو كان "شاهد زور"، حتى يتكلم ثم يحكمون عليه، بالصدق أو الكذب، بالصواب أو بالخطأ، وليس بالسجن أو بالإعدام. لأن مؤسسة التميمي، على ما نعلم، لم تدع لنفسها يوما تمثيل تجربة المحاكم الرمزية في جنوب إفريقيا لمجرمي الميز العنصري ولا حتى تجربة المغرب في المصالحة والإنصاف ثم التعويض لضحايا سنوات الرصاص، وإنما هي ملتزمة بدورها كمؤسسة علمية في خدمة الذاكرة الوطنية، صحيح أنها مفتوحة للجميع ولكنها أولا في خدمة المختصين الذين يمكن لهم منهجيا، تأليف الحقيقة التاريخية المتناثرة عبر الشهادات الشفوية الثمينة والوثائق المكتوبة النادرة المتوفرة في أرشيفنا الوطني وأرشيف المستعمر القديم، ولكنها ليست بالتأكيد مكتب تحقيق أو اتهام أو ادعاء عمومي.

والشهادة الوحيدة التي يمكن أن نضيفها من جانبنا حول هذه القضية، أن شهادة السيد أحمد التليسي التي حضرنا حلقتها الأولى كانت من وجهة نظرنا من أجرأ وأصدق الشهادات التاريخية التي واكبناها بمؤسسة التميمي وغيرها من المنابر وإن تخللها بدورها بعض المسكوت عنه المرتبط على ما يبدو بأشخاص ما زالوا على قيد الحياة أو بوقائع ملتبسة، فقد التزم الشاهد في نقله للأحداث بمبدأ المعاينة المباشرة و المشاركة الشخصية في الحدث مما يسمح بتحديد أسماء المسؤولين عنه في التنفيذ وفي إعطاء الأوامر، ولم يجنح إلى ذكر ما يصله من أخبار غير موثوقة وإشاعات منتشرة في تلك الفترة التي شهدت مثلا عن قصد سياسي وتنظيمي تضخيم أحد الأسماء (الطاهر الأسود) في المقاومة المسلحة و نسبة الكثير من العمليات ضد المستعمر وعملائه إليها، وقد رفض الشاهد عموما الإجابة عن أي سؤال اعتبر أنه لا يملك كمصدر الإجابة المؤكدة بالنسبة إليه.  

 ولعل الانطباع الحاصل عندنا، من شهادة أحمد التليسي وما تضمنته من تفاصيل دقيقة وتسمية الأشياء بأسمائها وإن كانت أفعالا مشينة وغير أخلاقية لدى بعض رموز الحركة الوطنية، هو  أن من ينفذون الأوامر (لما يعرف سياسيا "بالمهام القذرة") أصدق من الذين يصدرونها. خصوصا إذا شعروا بالغدر والنكران من الرؤوس المدبرة التي تميل عادة إلى التخلص منهم بعد أداء مهامهم بداعي تفادي الابتزاز أو التشويه أو التوريط.

و مهما تكن خطورة الوقائع والجرائم المذكورة من طرف الشاهد المطلوب أن يسكت من طرف بعض المدافعين عن حقوق الإنسان (كذا)، ومع اعتبار الظرف العام الذي كان بمثابة حرب أهلية وليس فقط باعتبار بعده الزمني بأكثر من نصف قرن، فإن الاعتراف بالذنب فضيلة لأنه يدل على الندم والرغبة في التطهر وإرجاع الحق، ولو كان مرا و بعد فوات الأوان، لأصحابه، والأهم أنه ينتصر للحقيقة التي يحاول الكثيرون التنصل منها وطمسها بما يؤدي إلى تكرار ما حدث دون رادع ولو رمزي متناسين أن الماضي ساكن في الحاضر، ولذلك قد تبدو أي محاولة لإسكات هذه الأصوات النادرة في خريف عمرها وتخويفها إساءة للذاكرة الوطنية التي تهمنا جميعا كتونسيين وتونسيات وليس فقط أهالي الضحايا لأنها أساس وعينا الجماعي الذي نريده أن يكون صلبا ومتحررا من الخوف من أشباح الماضي على حاضرنا ومستقبلنا، بل ربما يذهب الظن إلى أن هدف تلك المحاولات  قطع الطريق أمام هذه الشهادات حتى لا تطال المجرمين الحقيقيين أو الرؤوس المدبرة وإن كان معظمهم قد رحلوا منذ عقود… أما الدفاع عن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، الذي لا ينكر أحد نضاله وخصاله ورؤيته الاستراتيجية وما بذله من أجل تونس وبناء دولة الاستقلال والحداثة، فلا يكون بإنكار أخطائه وخطاياه، وهو الذي اعترف بنفسه كرجل دولة، دون أن يكون شاهد زور، عن مسؤوليته الأولى مثلا في قضية اغتيال الزعيم صالح بن يوسف المتهم باستهدافه وزعزعة استقرار البلاد ووحدة كيانها السياسي الناشئ آنذاك. وإن كان لا يمكن، مثلما أثبتته شهادة أحمد بن نصير، أن يحمّل لوحدة مسؤولية كل ما كان يقع في عهده من تجاوزات وانتهاكات من طرف المحيطين به والمختبئين وراءه والناطقين باسمه والذين أثقل بعضهم خلال السنوات الأخيرة الذاكرة الوطنية بشهادات طنانة فارغة لا أثر فيها إلا لتضخم الذات والإنجازات بعيدا عن النقد الذاتي وتحمل المسؤولية فأساؤوا للحاضر والمستقبل مثلما أساؤوا للماضي وكذبوا عليه.  

لكل ذلك نأمل أن يتمسك هذا الشاهد بشهادته التاريخية الهامة ويواصلها دون خوف إلا من ضميره، عسانا نتعلم من قول الحقائق القاسية المتعلقة بماضينا كيف نواجه الحقائق الراهنة دون نفاق وننظر إلى أنفسنا دون خجل. 

 

                                                                  عادل القادري ـ جريدة الوحدة      

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “لماذا نخاف على ذاكرتنا الوطنية من الحقيقة؟”

  1. :)…merci pour le résumé

  2. de rien marmar, bon travail



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر