لا دولة قوية بلا مجتمع مدني قوي
كتبهاعادل القادري ، في 18 أغسطس 2009 الساعة: 18:29 م
يدرك السياسيون أكثر من غيرهم أن المظاهر خداعة. فالصديق الأول قد يكون أكبر عدو والتصفيق الصاخب قد ينقلب إلى صمت مطبق والإجماع المطلق ربما تحول في لحظة واحدة باتجاه معاكس، خصوصا إذا تقلصت الحريات المدنية والسياسية واستشرى النفاق والتوجس وانعدام الثقة والأمان بين المواطنين حتى وإن كان الرابط بينهم محض ولاءات شخصية وعلاقات زبونية لا علاقة لها باحترام دولة القانون والمؤسسات.
ولئن كان المنظور المنهجي والإجرائي يقتضي الفصل بين الدولة والمجتمع فإن الحقيقة الحية تكشف أن الوحدة بينهما تكاد لا تنفصم ولا سيما إذا وقع الخلط بين الدولة والسلطة، وهو واقع الحال في بلادنا "بفضل" حزب حاكم يسيطر على الساحة السياسية والمدنية برمتها ولا نسمع من أفعاله إلا " هل من مزيد". وإذا كان الخطاب الرسمي قد أكد في بعض المناسبات أن قوة الحزب الحاكم من قوة أحزاب المعارضة فقد حرص خطاب آخر على دعوة مناضليه إلى الاهتمام أكثر بالجمعيات والمنظمات. وقد بدأنا بالفعل نلمس في الفترة الأخيرة ثمار هذا الاهتمام المتنامي ويا لها من ثمار وتشبيكات واعدة.
عندما تنظر السلطة إلى التنظيمات المستقلة في المجتمع المدني وإعلامه الحر كبؤر وبائية لا بد من محاصرتها وتقييدها حتى لا تنتشر بدعوى أنها تهدد كيان الدولة، فذلك لن يزيد بالتأكيد من مناعة الجسم الوطني بقدر ما يضعفه ويكبت حيويته ونماءه. والأخطر أن يقع العمل بصفة غير قانونية وباستعمال أدوات غير نظيفة على اختراق أي نواة مدنية حقيقية غير مزيفة لتفتيتها من الداخل مهما كان صغر حجمها بقصد السيطرة عليها وكأنها فيروس خارجي، لأن النتيجة ستكون عكسية تماما ومؤلمة وخطيرة وإن كانت صامتة وهي انتشار ورم سرطاني متضخم على حساب ذبول الجسم ككل وصولا إلى موته التدريجي. أما الفيروسات الحقيقية التي يتم توظيفها دون وعي لتسريع المآل الحتمي فهي تلك التي تنتقل بكل صفاقة وحصانة من عضو إلى آخر وهي الأقرب إلى الخارج.
إن ضعف المجتمع المدني وغياب الديمقراطية هو دليل مؤكد لضعف الدولة التي يختصرها البعض في حكومة مركزية أو سلطة تنفيذية أو حزب سلطة أو حكم فردي. ولعل في انهيار العملاق السوفياتي والكتلة الشرقية أشهر مثال على ذلك.
و إذا اعتبرنا مجازا أن الدولة هي رأس المجتمع فإن المفروض أن يحرص ممثلوها و"المؤتمنون عليها" قبل غيرهم على حماية الحياة المدنية التعددية والمتنوعة بمختلف مكوناتها من أي انهيار لأن الذي سيليه عاجلا أو آجلا هو انهيار الدولة أمام أي تحد حقيقي وبالتالي انهيارهم، ولو أن البعض لا يعنيهم استمرارها بقدر ما يحرصون على استمرارهم في السلطة حتى وإن تغيرت في عصر نشهد فيه عودة الاستعمار وتنصيب العملاء المأجورين وبيع الأوطان، وهؤلاء أيضا ينتمون إلى ما يمكن تسميته بالتيار المحافظ في أي سلطة كتجسيم لأولوية المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























