المجتمع الموازي بين الهامشية والوظيفية

كتبهاعادل القادري ، في 3 نوفمبر 2009 الساعة: 14:24 م

نظمت وحدة البحث "المجتمع والمجتمع الموازي" بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة ندوة دولية متميزة تحت عنوان " المجتمع الموازي بين الهامشية والوظيفية" أيام 21 و 22 و 23 أكتوبر 2009، وقد انفتحت هذه الندوة التي احتضن يومها الثاني فضاء بيت الحكمة بقرطاج، على مختلف الاختصاصات و ميادين العلوم الإنسانية وتضمنت جلساتها العلمية 39 مداخلة لباحثين من تونس ولبنان والأردن والجزائر والمغرب وفرنسا. تدارست المجتمع الموازي بمختلف أبعاده (الموازي الاقتصادي، الموازي الاجتماعي، اليومي الموازي، الموازي الأدبي، الهوية الموازية، التواصل الموازي، الموازي والنزوع نحو الاندماج، السلطة الموازية، الموازي الديني) .
وقد انطلقت فعاليات هذه الندوة الدولية الثانية التي واكبنا جزءا من أشغالها بمفهوم المجتمع الموازي وحدوده من خلال مقاربة سوسيولوجية للأستاذ المولدي قسومي لشروط التلازم البنيوي والانفصال الوظيفي بين المجتمع والمجتمع الموازي الذي يبرز البحث أنه ليس مجرد مجتمع خارج عن الضوابط والقواعد وإنما قد يتماهى بل يتكامل في مستوى أدائه مع المجتمع الأصلي كأنه أحد اشتقاقاته في شكل من أشكال تقاسم الأدوار أو الشراكة، حيث يتم إعادة إنتاج نفس الخاصيات الملزمة للمجتمع السائد ولا سيما خاصيتي الثبات (النظام) والاستمرار (الحراك)، بما يعنى أن المجتمع الموازي حقيقة وقائعية وميدانية متجذرة ومؤثرة في مستوى الفعل الاقتصادي والسياسي والثقافي، وبقدر ما يفتقر المجتمع إلى الآليات التعديلية الضابطة تظهر فعاليات إفراز المجتمع الموازي، إما باعتباره نتيجة طبيعية لفشل الدور التعديلي الرسمي وإما لأجل القيام بالدور التعديلي الذاتي (اقتصاد السوق ذات التنظيم الذاتي). وفي هذا السياق تطرق الباحث إلى علاقة الدولة بالمجتمع حيث تكون الدولة في بعض البلدان أقوى من المجتمع وهي التي تتحكم في بلورة التحولات الاجتماعية، مشيرا إلى مفهوم الدولة البانوبتية (وهو مفهوم ظهر سنة 1972) كدولة مهنوية توظف كل الشبكات التنظيمية من أجل خدمتها.
أما الأستاذ علي الموسوي الذي تناولت مداخلته مسألة اقتصاد المخدرات والبنية العشائرية في لبنان فقد عبر عن عدم اتفاقه مع مصطلح "المجتمع الموازي" باعتبار أنه يخفي حقيقة الأشياء ويوحي كمفهوم هندسي بعدم الالتقاء مع المجتمع الأصلي في حين أنه يتقاطع معه ويتداخل، مفضلا استعمال مفهوم " المجتمع الهامشي" مع التذكير ببقية التعبيرات المستعملة في هذا المجال مثل الطرفي وغير الرسمي والشبحي والخفي وغير الشرعي…، و أكد أن لبنان منتج للجماعات الموازية بامتياز. أما اقتصاد الظل فيشمل كافة أشكال العلاقات الاقتصادية (بيع وشراء، دائنية ومديونية، أرباح…) ويستفيد من التواطؤ والحماية من طرف بعض الهياكل المسؤولة في الدولة. وأشار في هذا السياق إلى البحث السوسيولوجي الذي تطرق فيه أنتوني غيدنز إلى ظاهرة الجريمة المنظمة (تهريب، قمار، شبكات دعارة…)، متسائلا حول الأسباب التي تدفع جماعة ما إلى اعتماد نشاط اقتصادي غير قانوني. واعتبر أن الفقر هو أحد العوامل الأساسية إلى جانب البنية العشائرية المسلحة والكيان الطائفي في لبنان حيث نجد أن " الكل مواز" فالتعليم الخاص أهم من التعليم الحكومي والأحوال الشخصية (الزواج) بيد الطوائف الدينية وكذلك الخدمات الصحية والاجتماعية بيد الأحزاب (حزب الله، المستقبل…)، كما أن العلاقات القرابية تيسر النشاطات غير المشروعة. ولأن الجماعات الكيانية في لبنان أقوى من الدولة فليس هناك مصلحة عامة ولذلك فإن لبنان في أزمة مستمرة. أما زراعة المخدرات فقد جاءت نتيجة التهميش وغياب سياسية إنمائية دينامية، وقد بدأت في زحلة خلال العهد العثماني ثم انتقلت إلى منطقة الهرمل سنة 1930 والتي كانت متمردة على الانتداب الفرنسي وعلى دولة الاستقلال. وهي تتميز بعصبيتها ونمطها البدوي الذي لا يتلاءم مع الزراعة العادية التي تتطلب جهدا مستمرا . وشهد الاقتصاد الموازي في لبنان انتعاشة مع بداية الحرب الأهلية سنة 1975 ، والطريف أن السلم الأهلي خلالها بين كل الطوائف اقتصر فقط على المخدرات التي كانت طرقها سالكة في كل الاتجاهات. كما شهدت تلك الفترة توافقا ميليشيويا على تقاسم موارد المحروقات والتبغ المستورد… ثم توقفت زراعة المخدرات كليا بعد اتفاق الطائف والوجود السوري لتعود بعد خروجه. خصوصا وأنها ذات كلفة إنتاج بسيطة ولا تحتاج إلى رساميل كبيرة أو مياه كثيرة. وأكد الباحث اللبناني أن القضاء على اقتصاد المخدرات لا يمكن أن يتم بالحل الأمني وحده أوالقمع، وإنما لا بد من حلول تنموية شاملة وحقيقية.
في بعد آخر من أبعاد المجتمع الموازي قدم الأستاذ الهادي المثلوثي مداخلة حول " البدون" في الخليج العربي بين التهميش والتوظيف (الكويت نموذجا). وعرّف "البدون" بأنهم مجتمع خارج المواطنة وخارج الدولة التي جعلت منهم مشكلة لخلل فيها ونقص في بنائها. وهم غير حاملين للجنسية القانونية، وقد بدأ في ثمانيات القرن الفارط إثر محاولة اغتيال أمير البلاد تجريدهم من بعض الامتيازات (كانوا في السابق يوظفون في الجيش والشرطة…)، وهرب العديد منهم خارج الكويت سنة 1990 مع الجيش العراقي، لينخفض عددهم من حوالي 220 ألف إلى قرابة 110 آلاف (10 بالمائة من سكان الكويت)، وهم محرومون حرمانا تاما ويعيشون على أطراف المدينة والبادية ويشكلون تهديدا كامنا خطيرا للوضع الأمني والاجتماعي. ولكن القوانين الدولية لا تسمح بطردهم خارج البلاد. مما يستدعي ضرورة إيجاد حل جذري وهو التجنيس الذي ما زالت الحكومة تعارضه (خصوصا بالنسبة إلى الشيعة).
وفي سياق متصل، قدم الأستاذ عاطف عطية من لبنان مداخلة حول "دولة المطلوبين" في طرابلس الشام التي كانت متعاطفة مع المقاومة الفلسطينية، وقد تأسست في بداية السبعينات بالأسواق الداخلية القديمة لمدينة طرابلس ونظمت نفسها على أساس أنها القوى البديلة عن الدولة التي أهملت شؤون المدينة وأهلها. وكان يتزعمها شخص متهم بجريمة قتل، مشترطا على الداخلين فيها أن يكونو ممن يحملون نفس التهمة. وقد بدأ أهالي المنطقة يكرهونهم مع استشراء ضرب الإتاوات بعد أن جفت التمويلات الخارجية، وقد تطلب القضاء على هذه "الدولة الموازية" ثلاثة أشهر.
الأستاذ عبد اللطيف الحناشي قدّم مداخلة بعنوان" الأقلية المزابية بالبلاد التونسية من الانزواء الاجتماعي إلى الاندماج الاقتصادي ( 1881 ـ 1939 ) " بيّن خلالها أن أغلب أهل المزاب (سكان وادي ميزاب في الجزائر من البربر المسلمين من المذهب الأباضي) الذين استقروا في مدينة تونس العاصمة كانوا يعيشون في مجتمع شبه مغلق رغم تفاعلهم مع التونسيين ولا سيما أصيلي جربة المقيمين بالعاصمة في عدة مجالات اقتصادية وسياسية، وكانت لهم مؤسسات خاصة (المشايخ السبعة، مجلس العزابة…) كما عرفوا بالتآزر والتكافل فيما بينهم كتوفير السكن والمعاش للطلبة. وقد اختصوا بالعمل في بعض القطاعات الخدمية ولا سيما الحمامات (أمناء و ملاكين وعملة) وبيع الفحم. ولكن لم تمنع عزلة أهل ميزاب عن المجتمع التونسي من زواج البعض منهم من تونسيات خصوصا بعد تحريم مجلس العزابة الأعلى (سنة 1928) خروج المرأة من بلاد الميزاب، وقد تراوح عددهم في الفترة المدروسة بين 600 و 1200 مزابي. وقد لعب بعضهم دورا كبيرا في تأسيس الحزب الحر الدستوري سنة 1919 وكان التاجر المتنفذ صالح يحي (المزابي) أهم شخصية بعد الزعيم الثعالبي (الجزائري الأصل بدوره). ولئن حاولت هذه الأقلية أن تندمج اقتصاديا وسياسيا فقد ظلت منزوية في المستوى الاجتماعي.
من جهته قدم الباحث كمال الحكيم مداخلة حول الوافدين على المدن التونسية ومحاولة الاندماج الاجتماعي عبر الممارسة الرياضية زمن الحماية الفرنسية. كما تضمن برنامج هذه الندوة الهامة مداخلات أخرى عديدة نذكر منها مداخلة الأستاذ الكراي القسنطيني حول التعبئة النقابية الموازية إثر أحداث 26 جانفي 1978، ومداخلة الباحثة عائشة التايب بعنوان "سوسيولجيا الممارسة الاقتصادية الموازية: مقارنة من منظور النوع الاجتماعي من خلال مثال التجارة الموازية بمنطقة الحدود الجنوبية التونسية"، ومداخلة الأستاذ فتحي الشامخي حول دور البطالة ونقص التشغيل في إعادة إنتاج التهميش الموسع في تونس، ومداخلة الأستاذ مهدي المبروك بعنوان "الهجرة السرية بتونس: التهميش والشبكات والتنظيم" ، ومداخلة الباحث عادل بن عثمان بعنوان: مجهولو النسب داخل مجتمع عرب الجاهلية والإسلام، ومداخلة الأستاذ نور الدين العلوي حول "اللاقمي" في الواحات التونسية، خلوات للحرية الموازية، ومداخلة الأستاذ خالد عبيد بعنوان "ظاهرة المنسيين السياسيين خلال الحقبة التونسية المعاصرة بين منزع الهامشية ودينامية الاحتجاج" ، ومداخلة الأستاذ عبد الرحمان الونيسي حول خطاب الخدمات الصحية الرسمي والخطاب الموازي في تونس زمن الحماية الفرنسية ، ومداخلة الباحثة زينب الماجري حول المقامرين والسلطة في مدينة تونس وضواحيها خلال فترة الاستعمار الفرنسي، ومداخلة الأستاذ منجي مبروكي بعنوان "الإشاعة: قناة للمهمشين أم تهميش للقنوات؟ دراسة تحليلية لإشاعة اختطاف الأطفال في تونس" ، ومداخلة الباحث بدر السماوي حول حياة المتقاعدين والعجز اليومية بتونس بعيد الحرب العالمية الثانية، ومداخلة الأستاذ فوزي الزعلاني بعنوان " التسول: من السلوك العفوي إلى الممارسة الاجتماعية المنظمة، دراسة نفسية اجتماعية للظاهرة في بعض ضواحي العاصمة"، ومداخلة الأستاذ محمد عبد العظيم حول الأساليب الموازية المهمشة في الأدب العربي، ومداخلة الأستاذ محرز بودية حول الدخيل في النظرية النحوية العربية، ومداخلة الأستاذة نجوى الرياحي القسنطيني بعنوان "الهامشية من نجيب محفوظ إلى محمد شكري" ، ومداخلة الأستاذة مها خيربك ناصر من الجامعة اللبنانية بعنوان " الثقافة العربية المعاصرة بين الامتهان والإبداع" ، ومداخلة الأستاذ أسامة بن صالح من الأردن بعنوان " الأردنيون الفلسطينيون: جدل الأنا وسؤال الهوية"، ومداخلة الأستاذ الطاهر رواينية من الجزائر حول الرواية النسائية المغاربية والبحث عن هوية ثقافية، ومداخلة الباحثة سعيدة البكوش صفر من تونس بعنوان " الموازي في النشاط السياحي، سياحة المجتمع أم مجتمع السياحة؟"، ومداخلة الباحث باسم رزوقة بعنوان " وسائل التعبير الموازية: جريدة "السجين" السرية أنموذجا"، ومداخلة الأستاذة خديجة التهامي حول الموازي في الصحافة التونسية خلال فترة الحماية، ومداخلة الأستاذ رالف سكور من فرنسا بعنوان "المهاجرون في فرنسا بين الحربين من التهميش إلى الإدماج"، ومداخلة الباحث عبد العزيز الخماسي بعنوان " مجهولو النسب في قرى الأطفال التونسية من الهامشية إلى الاحتضان والوظيفية"، ومداخلة الدكتور عبد الحكيم أبو اللوز بعنوان "المجتمع الديني الموازي في المغرب، الحركات السلفية نموذجا" ومداخلة الدكتور علية علاني حول التيار الديني الموازي في تونس. 
كل هذه المداخلات العلمية إلى جانب النقاش الثري الذي تخللها سيقع تجميعها في كتاب سيصدر قريبا عن وحدة البحث المتعددة الاختصاصات التي يرأسها الأستاذ الكراي القسنطيني ويشارك فيها إلى جانب الأساتذة الجامعيين عدد من الطلبة الباحثين.

عادل القادري ـ جريدة الوحدة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر