إلى متى سيبقى الوالي رئيسا للمجلس الجهوي؟

كتبهاعادل القادري ، في 21 ديسمبر 2006 الساعة: 16:21 م

عند الحديث عن التنمية الجهوية في تونس، يجدر التمييز بين ما تقوم به الدولة لفائدة الجهات وهو مما لا يمكن إنكار أهميته، وما تقوم به الجهات لتنمية نفسها بنفسها وهو شبه منعدم. فعندما تقع الإشادة بالتنمية الجهوية وأرقامها والميزانيات المخصصة لها، نكاد لا نسمع إلا إنجازات الدولة : الدولة خططت ، الدولت منحت، الدولة ساعدت، الدولة مولت، الدولة أحالت، الدولة وازنت، الدولة أقرضت، الدولة أشرفت، الدولة تكفلت، الدولة فاضلت… والولاية كجماعة محلية شأنها في ذلك شأن البلدية، لا حول لها ولا قوة ، باستثناء ترسانة قانونية هائلة في مجال الجباية المحلية( مجلة الجباية المحلية لسنة 1997) لا يقابلها إلا النزر القليل من العائدات بسبب التهرب الجبائي الذي يفوق المحلي منه الوطني، إلى جانب بعض التفويضات والصلاحيات المتعلقة بالتصرف في الأملاك العمومية الموكلة إليها.

ولا شك أن إعطاء المجالس الجهوية والمجالس البلدية حرية واستقلالية أكبر ، سيخلق في البداية بعض الاضطراب والخلل والتجاوزات (الموجودة بدونها)،  ولكنه بالتأكيد سيجعلها تدريجيا أكثر مسؤولية أمام منظوريها من المواطنين المتساكنين، ويجعل هؤلاء أكثر مسؤولية ورقابة ومتابعة ومحاسبة إزاءها وتجاه أنفسهم. وإذا كانت الدولة قد وثقت في الأفراد والشركات الخاصة الوطنية والأجنبية بتفويتها في العديد من المؤسسات العمومية والتنازل عن جزء هام من قرارها الاقتصادي، فحري بها أن تثق في الجماعات المحلية ومجموع المواطنين في تسيير مصالحهم المحلية المباشرة(الفصل 71 من الدستور ينص على ممارسة الجماعات المحلية للمصالح المحلية). ومن المعلوم أن اللامركزية تضمن توازنا أفضل بين الخدمات العمومية والحاجات المحلية ومتطلباتها الخصوصية، كما تسمح بتحميل المسيرين المحليين كامل مسؤولياتهم، مثلما قد تدفع إلى  نوع من  التنافس الإيجابي بين الجماعات المحلية مع تحفيزها و تفعيل نجاعة ما تبقى من القطاع العمومي.

وإذا كانت التنمية الذاتية غائبة ببلادنا في المستوى الجهوي والمحلي فذلك لأنها تفتقر في اعتقادنا لأهم مقومات الإدارة الذاتية وهي الاستقلالية والتوزيع الواضح غير المتداخل للصلاحيات بين الدولة والجماعات المحلية. فالتنمية الجهوية ليست مجرد مسألة اقتصادية أو تضامنية (مع تأكيدنا على أهمية ضمان التوازن وتقليص الفوارق المزمنة بين الجهات الساحلية والجهات الداخلية) بل هي كذلك مسألة سياسية وديمقراطية ومدنية بامتياز، خصوصا وأنها تسهم في التقليص من  تركيز السلطات (غير التشريعية بطبيعة الحال في دولة مركزية) وتفصل بينها، وتمنع شلل الأطراف وتضخم المركز.

 وهاجسنا هنا ليس مستوى تمثيلية الأحزاب السياسية والتعددية داخل المجالس الجهوية التي حاولت التنقيحات القانونية الأخيرة مراعاته ، بل في كون هذه التنقيحات لم تضمن استقلالية المجلس الجهوي ككل وتمتعه بمشمولاته كاملة دون تداخل مع صلاحيات الدولة وممثليها وعلى رأسهم في المستوى الجهوي السيد الوالي.

 وفي هذا السياق لا بد من التذكير بمبدأ أساسي كثيرا ما يقع تجاهله في تونس وهو أنه لا سلطة إشراف على هيئة منتخبة. وهذا ما لا يوفره الإطار التشريعي الحالي لمجالسنا الجهوية (تماما مثل المجالس البلدية)، حيث تخضع المجالس الجهوية لأحكام القانون الأساسي للمجالس الجهوية (عدد 11 لسنة 1989 المؤرخ في 4 فيفري 1989 ) الذي ينص على الصفة المزدوجة للولاية كدائرة ترابية إدارية للدولة وكجماعة محلية تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلالية المالية،  مثلما أن للوالي وظيفة مزدوجة كأعلى ممثل للدولة في الجهة وكرئيس للمجلس الجهوي.

ومن دون مبالغة، يمكن القول بالنظر إلى القانون الأساسي للمجالس الجهوية أن الوالي في الجهة هو تقريبا كل شيء، وأن المجلس الجهوي هو تقريبا لا شيء، باستثناء رئيسه طبعا ، ودون نسيان اليد العليا (كسلطة إشراف ) لوزير الداخلية في هذا المجال. و المفارقة الكبرى المستمرة أن القانون المذكور في فصله السادس لا يسمح بالتصويت لرئيس المجلس الجهوي وهو السيد الوالي باعتباره عضوا غير منتخب ، ولكنه رغم ذلك يسمح له في هذا الفصل و بقية الفصول بأن يكون سيد الموقف والقرار والتمثيل لهذه الجماعة المحلية أو بالأحرى شبه المحلية .

فالوالي الذي يتم تعيينه من طرف السلطة التنفيذية المركزية ، هو الذي يترأس جلسات المجلس الجهوي كما يترأس مكتب المجلس (تنقيح 1993 ) ويترأس مكتب إجراء البتات العمومية ، وهو الذي يعين الأشخاص ذوي الخبرة في  الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية لحضور الجلسات التي يحق له وحده تقرير عموميتها أو سريتها(الفصل 14 ) ، وهو الذي يدعو إلى انعقاد المجلس في دوراته الأربع الوجوبية ودوراته الاستثنائية  . كما يؤخذ رأيه من طرف وزير الداخلية حين يقرر حلّ المجلس الجهوي وتوقيفه مؤقتا (الفصل 9 ). ولا نعلم إن كان الوالي يستشار هنا بصفته الأولى أم بصفته الثانية والأكيد أنها الأولى (كممثل للدولة) إذ لا يعقل أن تقع استشارة رئيس جماعة محلية عند حلّها وهو على رأسها. فلا يمكن أن يكون الخصم والشاهد والحكم، وهذه مشكلة أخرى تريد حلا !!   لا يبدو متوفرا في الفصل 10 من القانون الذي ينص على رئاسة الوالي للنيابة الخصوصية التي تقوم بنفس وظائف المجلس في صورة حله. ويمكن القول هنا أيضا إن الوالي ينوب نفسه !! ولا علاقة لهذه الصيغة الجهوية من النيابة الخصوصية  بأختها المتعلقة بالبلديات المتمتعة على الأقل بانتخاب رئيسها من طرف أعضاء المجلس البلدي. والتي يمكن من خلالها للسيد المعتمد (ممثلا للدولة) أن يحلّ مكان رئيس البلدية وهو مرتاح الضمير !!

والوالي هو كذلك الذي يقرر باسم المجلس الجهوي منح رخص إشغال الملك العمومي للولاية (كجماعة محلية) و هو الذي يسلّم رخص التصفيف الفردية والرخص المتعلقة بالطرقات التابعة للملك العمومي للولاية بالمناطق غير البلدية وكذلك رخص التقاسيم والبناء وتحوير البناءات أو إصلاحها بدائرة الولاية خارج مناطق نفوذ رئيس البلدية في هذه الميادين (الفصل 29 ) كما أن للوالي بصفته رئيسا للمجلس الجهوي سلطة معاينة المخالفات لقرارات التصفيف والتسوية للطرقات وفي ميدان البناء …

والواضح أنه ليس للمجلس الجهوي خارج نطاق رئيسه أي سلطة تنفيذية كما يؤكد ذلك الفصل 33 من القانون الذي يجعل من مشمولات الوالي اتخاذ القرارات لغاية تنفيذ مداولات المجلس الجهوي . و يمكن للوالي بصفته رئيسا للمجلس الجهوي أن يفوض إلى الكاتب العام للولاية جانبا من وظائفه في تنفيذ مقررات المجلس الجهوي.

والسيد الوالي ( عفوا) بل السيد رئيس المجلس (حسب الفصل 39 ) هو الذي يتولى إعداد مشروع ميزانية الولاية ويعرضه على اللجان المعنية للدرس، ثم على المجلس للمداولة والبت. وهو المكلف بتنفيذ الميزانية وهو الذي يأذن بصرف الاعتمادات. كما يسهر على استخلاص الأداءات والمعاليم الراجعة للجماعة المحلية (العمومية في نص القانون).

والأهم من كل ذلك أو الملخص لكل ذلك، نجده في الفصل 41 الذي يقول فعلا القول الفصل حيث يمثل السيد الوالي بصفته رئيس المجلس الجهوي الولاية كجماعة محلية في كل الشؤون والأعمال ( ولنلاحظ جيدا كل الشؤون والأعمال) المتصلة بنشاط المجلس.

ويزيد الفصل 48  لرئيس المجلس الجهوي أهلية إبرام الصلح مع الخصوم في المادة المدنية والإدارية بعد مداولة المجلس وموافقة وزير الداخلية. ونعتقد أن تلك الأهلية ولئن كانت قانونية (حسب قانوننا الجاري به العمل) فهي غير منطقية وتفتقد إلى مشروعية التمثيل  للجماعة المحلية المسماة عندنا الولاية ومجلسها الجهوي.

وحين يتم الحديث في تونس عن عقود برامج بين الدولة والمجالس الجهوية، يمكن أن نتساءل عن مشروعية صيغ التعاقد بين الطرفين،إذا كان المسؤول الأول الممثل للدولة المتعاقدة مع المجلس الجهوي هو نفسه المسؤول الأول عن المجلس المتعاقد معه. فهل ستعطي الدولة باليد اليمنى لتأخذ باليد اليسرى واليدان لشخص واحد نسميه في تونس السيد الوالي ( مع كل التفويضات  الموكلة إليه من مختلف الوزراء ) وهو في نفس الوقت السيد رئيس المجلس الجهوي؟!!

 

ولا جدوى من التذكير بمركزية القرار الأخير في التحكيم والمفاضلة بين مشاريع المخططات الجهوية للولايات المختلفة.

ويبدو جليا من خلال أغلب الفصول القانونية التي أشرنا إليها وغيرها، بصرف النظر عن الظلال السياسية الواقعية المحيطة بها والمعروفة من الجميع، أن الوالي ليس مجرد رئيس للمجلس الجهوي فحسب، بل يمكن أن يقرر بدلا منه متى أراد ذلك وإلا فإن الحلّ موجود وهو أيضا بيد السيد الوالي أو وزير الداخلية وليس من أنظار القاضي الإداري.

 صحيح أن الفصل 15 يوحي بدور ما لبقية أعضاء المجلس حين ينص على أخذ مقررات المجلس في كل الحالات بالوفاق (وأي وفاق!!) كما يسمح في صورة عدم حصول هذا الوفاق بإمكانية طلب ثلث الأعضاء الحاضرين اللجوء إلى التصويت، لاتخاذ المقررات في هذه الحالة بالأغلبية. ولكن في صورة تساوي الأصوات يتعين على الوالي اتخاذ القرار الملائم.

و عادة ،في كل المجالس والهيئات، يرجح صوت الرئيس عند تساوي الأصوات، ولكن الإشكال الدائم في حالتنا هذه، أن الرئيس، و هو السيد الوالي، لا يحق له التصويت، كما شدد على ذلك  الفصل 6 المشار إليه أعلاه ، وحتى لا نظلم هذا الفصل رغم اختلاله ، وحتى لا يساء فهمنا، يتعين التوضيح أننا نرى ـ على ضوء هذا الفصل بالذات ـ مدخلا لتنقيح الفصل الأول الملتبس من قانون المجالس الجهوية وبقية الفصول  المتعلقة بازدواجية وظيفة الوالي وصفة الولاية.

وهنا لا مناص من التأكيد أن ترسيخ الوعي التشاركي المحلي لدى المواطن التونسي وتعزيز ديمقراطية الجوار لا يمكن أن يتحقق من فراغ ولا يمكن أن يتطور في إطار قانوني مبهم ومختلط ، على النحو الذي يجسمه التشريع التونسي المولع بتقليد النموذج الفرنسي  بطريقة انتقائية وملتبسة ومتأخرة حتى وإن لم يكن أنسب النماذج المتعلقة بالجماعات المحلية بالنسبة لنا، لا سيما وأنه من مستويات ثلاثة عندهم (البلدية والولاية والإقليم) في حين أنه ذو مستويين فقط عندنا ( بلديات و ولايات) .

واعتبار لما تقدم، وسعيا إلى التقدم، يمكن اقتراح تنقيح القانون الأساسي للمجالس الجهوية بما يضمن :

ـ تفادي الخلط بين هيكل تابع للدولة و جماعة محلية وإحداث مصطلح قانوني جديد للجماعة المحلية المسماة عندنا الولاية يمكن أن يكون ( الجهة). مع إبقاء تسمية الولاية للدائرة الترابية الإدارية الحاملة لهذا الاسم.

 ـ انتخاب رئيس المجلس الجهوي من طرف أعضاء المجلس الجهوي على غرار انتخاب رئيس البلدية من طرف أعضاء المجلس البلدي.

ـ  بقاء الوالي بصفته الممثل الأول للدولة في الجهة كعضو في تركيبة المجلس الجهوي لا يحق له التصويت، مع المحافظة على كامل مشمولاته الأخرى  (واجب الإعلام وغيره من المسائل المتعلقة باحترام المحاسبة العمومية والتراتيب والأمن العام ) بما يحفظ المصلحة العامة ومشاريع الدولة في الجهة.

ـ إحداث مقر آخر خاص بالمجلس الجهوي لا يكون مقر الولاية، و الأرجح أنه سيكون أكثر انفتاحا وتفاعلا مع المواطنين.

ـ إعادة النظر في وضعية المجالس القروية وتمثيلها في المجلس الجهوي .

ـ إعطاء المجالس الجهوية وكذلك المجالس البلدية الاستقلالية المطلوبة إزاء الدولة ضمن الصلاحيات التي يعطيها إياها القانون بعد تنقيحه وتوسيع تلك الصلاحيات في المسائل الاقتصادية والاجتماعية (السكن ، التعليم ، الصحة، النقل، التهيئة الترابية…) ، وتكون المراقبة ومرجعية أي خلاف بينها،  بيد القضاء الإداري أو مجلس الدولة.

فإن لم يكن ذلك ، ولكي نضمن شيئا من المنطق القانوني والسياسي في لامركزيتنا، يستحسن أن ننزع صفة الجماعة المحلية عن الولاية فتتخلص هي والسيد الوالي من صفتيهما المزدوجتين، ونكتفي كبعض البلدان (مثل البرتغال) بمستوى واحد من الجماعات المحلية وهي البلديات ، مع تمكينها من صلاحيات كاملة غير تفويضية وغير خاضعة لسلطة إشراف إلا القانون.

 

    عادل القادري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر