العرب بين الإسلام والإسهام*

كتبهاعادل القادري ، في 12 يناير 2007 الساعة: 18:59 م

لست ممن يحقر الدين أو يغمطه حقه، وأنى لعربي أن يفعل ذلك بجزء أساسي في هويته. ولا أعتقد أن معظم التونسيين والتونسيات ممن يفعلون ذلك. ولكني ممن يميزون بين العقيدة (الإيمان والعبادات) غير القابلة للتطور لأنها مسألة غيبية تتجاوز العقل وشروط المعرفة والتجربة، والتشريع (المتعلق بالمعاملات و بتنظيم العلاقات المجتمعية) وهو في نظري دائم التطور. وأنا ممن يؤمنون بالتقدم الإنساني الذي كان الإسلام ،في وجه من أوجهه المنهجية والتاريخية، تجسيما له،  حتى في مسألة العقوبات والقصاص. التي لا تعفي الدولة ـ أي دولة ـ من مسؤوليتها الوقائية أولا في منع الجرائم بتوفير الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية والثقافية والأمنية لمواطنيها والإحاطة بهم حتى لا يصبحوا مجرمين.

فالرجاء منك الرجوع إلى المصادر الأساسية في التفاسير القرآنية (ولا سيما الناسخ والمنسوخ) والحديث (الكتب الصحاح) وسيرة النبي والخلفاء الراشدين ( ولا سيما عمر بن الخطاب ومسألة حد السرقة، وكذلك فك الرقاب المشجعة على تحرير العبيد) للتأكد من ذلك ومن الأبعاد المقاصدية المفتوحة للاجتهاد والتطوير .
تونس الزيتونة لها شرف إهداء الإنسانية أعظم مفكر في التاريخ البشري(ابن خلدون). ولها كذلك من علماء الإسلام في العصر الحديث أرفعهم مكانة علمية ( أمثال الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير ،والخضر حسين شيخ الأزهر، والشيخ الدكتور محمد بن الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي ).
أما الحجاب (ذو الشكل الخاص جدا ) فهو لا يمثل في اعتقادي وتجربتي الوازع الأخلاقي الذي يضمن للمرأة " الشرف والعفاف " مثلها مثل الرجل ، فتلك مسألة لا يعلمها إلا الله، وقد اكتسى الحجاب عندنا طابعا سياسيا فلا " تحريم " ولا تجريم له في تونس وإنما هو منشور إداري صدر في ظرف معين سنة 1981 يمنع ارتداءه ببعض المؤسسات العمومية تماما مثلما هو الحال في تركيا، وإن كنت  ممن يرون اللباس شأنا فرديا خاصا لا علاقة له بالقانون أو الضوابط الإدارية المتدخلة في الحرية الشخصية وإنما هو العرف والسائد في كل عصر. وآمل أن يكون النقاش (الصغيرأمام نقاشات أهم وأجدى ) حوله مدنيا وثقافيا وليس في شكل حملات أمنية أو سياسية موجهة تجعل من المعنيات به ضحايا .
وأعود إلى موضوع الخروج عن الإسلام لأدعوك إلى التعمق أكثر في القرآن والسنة فسترى أن قصص الأنبياء من آدم ونوح و إبراهيم إلى التشريعات التوراتية وتعاليم المسيح والتي أخذت جزءا هاما في الثقلين، تبرز أن المنهج الرباني الذي أشرت إليه يدعوك إلى التواصل النقدي مع الآخرين الذين سبقوك والسعي إلى تجاوزهم واكتشاف انحرافاتهم وتثبيت مزاياهم وإنكار أخطائهم أو ما لا يتلاءم مع متطلبات المكان والزمان،  مع الحرص على التميز .

 ولدينا منذ أكثر من ألف عام قصص جديدة لحكماء جدد ومجتمعات أخرى غربية وشرقية (غير ثمود والفراعنة وذي القرنين الذي لا يتصور الكثيرون أن معلمه كان أرسطو…) ودساتير وأنظمة وتحولات وثورات سياسية واجتماعية أخرى ، جديرة بالاعتبار والتمحيص وهي الأولى بالقراءة والتأمل والتدبر، ثم تقديم بديلك الحضاري الجديد للعالم بأسره وليس فقط للعرب أو للمسلمين إن استطعت. أما دون ذلك فلا شيء سوى الأصنام حتى وإن كانت مصاحف أوكتبا صفراء و ما وجدنا عليه آباؤنا وأجدادنا .
الإسلام جاء لتحرير العقل وليس لتقييده. ولتوحيد الإنسانية وليس لتمزيقها إربا كما يفعل باسمه الآن بعض الفوضويين المتقوقعين و ملاحقيهم من المجرمين الكبار بحق الشعوب في التواصل والعيش بأمان وسلام.

وإذا كان أغلب الإسلاميين يعتقدون أن الإسلام قد جاء تأليفا متجاوزا لليهودية والمسيحية، فالمفارقة أنهم يزعمون أن ما سيتجاوز الليبرالية والشيوعية اليوم هو الإسلام أيضا. أي أنهم لتغطية عجزهم الفكري وقصورهم العقلاني يحولون الدين إلى ايديولوجيا ويختبئون وراء المقدس، والمنطق الجدلي السليم ـ من دون شيء آخر ـ يرفض ذلك، ويفرض أن التأليف المتجاوز يكون من جنس الأطروحة ونقيضها .فعلينا بالإسهام …والإسهام … ثم الإسهام التقدمي في الحضارة الإنسانية الحديثة . و بذلك وحده يمكن أن نكون مسلمين حقيقيين. ونكون مرة أخرى اللبنة التي تكمل الصرح الإنساني الجديد  الذي يحتاج فعلا اليوم إلى الاكتمال (انظر الحديث النبوي الصحيح : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله فجعل الناس يطيفون به يقولون ما رأينا بنيانا أحسن من هذا إلا هذه اللبنة فكنت أنا تلك اللبنة).
وأعتقد أن ذلك لن يكون بالتمسك بالقصاص الدموي ذي الجذر اليهودي بل العصر الحجري أو تضخيم مسألة الحجاب الذي يكاد يحاكي ويغطي أمة بكاملها يحاولون (من الداخل والخارج) حجبها وشنقهاوحرقها  وإخراجها من التاريخ .

 

* تعقيب على تعليق محمد علي بن عمر صاحب مدونة " التواصل والحوار" على مقالي حول إلغاء عقوبة الإعدام.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

16 تعليق على “العرب بين الإسلام والإسهام*”

  1. الأخ العزيز عادل

    بداية أشكرك زيارة مدونتي و التعليق

    في هذا الزمن نحن نعيش زمن فقدان الهوية

    نريد الاسلام أن يكون متحضرا نحو الغرب

    نريد العروبة ان تكون منقسمة ما بين الحدود و تحت علم الدولة التي ننتمي لها

    فضعنا بين الصحراء و الخليج و المحيط فذهبت ثقافة النجف و القاهرة و القيروان

    أرجو لك المزيد من التقدم

    أخوك حسن الأنصاري

  2. الأخ حسن،
    زمن فقدان الهوية يتطلب منا تطوير هويتنا لتصبح فعلا بحجم العالم الذي نأمل أنه ما زال يحتاج إلينا ولم تتجاوزنا روحه التقدمية ـ على رأي هيجل الألماني ـ كمحطة من محطاته التي لن يعود إليها. ونرجو أن لا نكون كاليونان وغيرها.
    مع الشكر والتقدير والأمل في التواصل المستمر.

  3. اخي الكريم اطلب الحق و لو كان على نفسك

    فالنقاش في هذه المواضيع الحساسة يتطلب سعة العلم و سعة الصدر

    راجع مدونتي ( الجدال العقيم بيت السنة و الشيعة)

    مع محبتي

  4. الاسم: محمود الخطيب

    البلد: فلسطين

    الفئات: خاصة, سياسة و أخبار, ثقافة و فن, أدب و كتب, تسلية وأفلام وتلفزيون, ديانات, الأسرة و الأصدقاء, انترنت و برمجيات, ألحان و أنغام, صور و تصاميم, علوم و تكنولوجيا, سفر و تجوال, عام, المرأة.

    التقويم

    الإدراجات السابقة

    جميع الإدراجات

    دعابة قصف الجزيرة.. ومن الدعابة ما قتل!!

    “يا للعار ويا للعار.. ضعنا بعدك يا بو عمار”

    ذكرى انتفاضة الأقصى مرت بسلام!

    كاتب يهودي ينتصر للإسلام من البابا!!

    عاجل: إسرائيل تفتتح معبدا يهوديا تحت المسجد الأقصى!!

    المزيد …

    الأرشيف

    أيلول 2006

    تشرين الأول 2006

    كانون الأول 2006

    كانون الثاني 2007

    عدد الزائرين

    الإثنين,تشرين الأول 23, 2006

    في تونس.. الإسلام لا بواكي له!!

    مفهوم أن الحكومات الغربية تحارب الإسلام بدافع الحقد الصليبي على دين الإسلام وعلى المسلمات المحجبات بشكل خاص في بعض الدول، لأن هذه الدول تعتبر الإسلام دخيلا عليها، لكن أن تكون محاربة الدين ومنع الحجاب من نظام كل أهله مسلمون تقريبا، قهذا ما لا يمكن تفسيره أو تفهمه!

    يحدث هذا في تونس الآن فالحملة مستعرة على الدين الإسلامي ولا نقول على المحجبات وحدهن، فالطريقة التي يجري فيها تطبيق قانون ظالم هو قانون الأحوال الشخصية لعام 1981؛ والذي اعتبر الحجاب “زيا طائفيا”، هذه الطريقة تشي بأن الطبقة الأمنية الحاكمة على رقاب الشعب التونسي الشقيق تكن من الحقد على دين الإسلام ما لم تظهره أي حكومة غربية..

    صحيفة تونسية مقربة من الحزب الحاكم تصف الحجاب بأنه “لباس المومسات”، ورجال الأمن وسلطات التعليم بالذات تجبر الطالبات على خلع الحجاب في المدارس والجامعات، ومن تصر منهن على حقها في ارتداء الحجاب تحرم من مواصلة التعليم، وقد منعت السلطات التونسية الطالبات المحجبات من دخول قاعات الامتحانات مما حرم العديد منهن من أداء الاختبارات النهائية، مع نهاية العام الدراسي. ووصل الأمر إلى نزع الحجاب من فوق رؤوس الفتيات وإيقافهن وتهديدهن إِن عدن إلى ارتداء الحجاب، وبلغ حد الاعتداء عليهن بالضرب في الشارع وفي المؤسسات التعليمية، وحرمان المحجبات الحوامل من تلقي العلاج بالمستشفيات العمومية.

    وقد أدانت شخصيات وجمعيات إسلامية وحقوقية الحملة الجديدة للسلطات التونسية على التلميذات والطالبات المتحجبات، وقال بيان حمل توقيع” الطلبة الإسلاميين التونسيين” إن قوات الأمن ضربت حصارا على مداخل الكليات ومنعت المتحجبات من الدخول لإجراء الامتحانات قبل أن يخلعن حجابهن.

    و أضاف البيان المذكور ا إن الحملة تجاوزت الجامعة إلى المصانع والمؤسسات الخاصة والشوارع وإنه تم اقتياد عدد من المتحجبات إلى مخافر الشرطة لإجبارهن على توقيع التزام يتعهدن فيه بعدم ارتداء الحجاب.

    ووجه الموقعون على البيان نداء استغاثة إلى المسلمين من اجل وقف ما أسموه “الحملة الظالمة التي يشنها النظام التونسي على كل مظاهر التدين ببلاد جامع الزيتونة الذي كان جامعة إسلامية تحتضن الطلبة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

    هذه الحملة الحاقدة على الحجاب استعرت في شهر رمضان الذي تصفد فيه شياطين الجن، لكن شياطين النظام الحاكم في تونس تأبى إلا أن تقوم بمهمة إبليس بالنيابة وبفنون مبتكرة ربما يحسدهم عليها إبليس نفسه!

    الأمين العام لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي “الحاكم” في تونس دافع عن قرار الحزب الأخير القاضي بمنع النساء من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة.

    وقالت وكالة الأنباء التونسية نقلا عن الهادي المهني قوله : “إذا قبلنا اليوم الحجاب فقد نقبل غدا حرمان المرأة من حقها في العمل والتصويت ومنعها من الدراسة، وأن تكون فقط أداة للتناسل والقيام بالأعمال المنزلية”!

    النظام في تونس معروف بأنه أمني ونفسه قصير جدا مع معارضيه وهو يتصدى بتشنج لحملات النقد التي تستهدفه.. النظام لم يطق استضافة قناة الجزيرة للمنصف المرزوقي في أحد برامجه ليتحدث عن حق الفتاة التونسية بالحجاب فأغلق سفارته في الدوحة!! فهو لم يكتف بما يجري به العرف عادة من استدعاء السفير، لكنه أغلق سفارته في قطر ليعاقب آلاف التونسيين العاملين في الدوحة بحرمانهم من الحصول على خدمات سفارتهم..

    قبل مدة كتبت عن مصادرة السلطات التونسية لعدد من صحيفة فرنسية نشرت مقالا هاجم الإسلام، لكن يبدو أن ذلك كان ذرا للرماد في العيون وتغطية على جريمة تجري بحق المسلمات المتحجبات وبحق دين الإسلام، وبحق بني آدم وحرياتهم الشخصية..

    كتبها محمود الخطيب في 01:17 صباحاً :: :: أضف تعليق تعليق واحد

    في 03,كانون الثاني,2007 - 02:25 صباحاً, مجهول كتبها …

    جزاك الله خيرا يأخي على هذه الإضاءة

  5. الأخ محمود،

    إن كنت تحب تونس كما نحب نحن فلسطين، فلا أعتقد أنك ستكتب بمثل هذا التحامل المختلط الذي يبدو أنه يستند إلى بيانات سياسية من بعض الأطراف التي وجدت أرضا سوداء خصبة لتحرث فيها ، ولكنها تحرث في البحر.

    مع العلم أن قانون الأحوال الشخصية في تونس صدر سنة 1956 ولا علاقة له بالحجاب، بل بمنع تعدد الزوجات وإنما تقصد منشورا إداريا صدر في ظرف معين سنة 1981 .

    أما الإسلام واحترامه فلا نحتاج كتونسيين وتونسيات لأي طرف خارجي حتى وإن كان شقيقا ليعطينا دروسا فيه.

    مع التحية والتقدير والسلام.

  6. حياك الله..انا معك تماما..والادهى والامر منع الكتاب الاسلامي .لان السيد يرى نفسه جديرا بان يحدد نوع قراءاتهم..ومطا لعاتهم..فهو اية الله المثقف..والمرجع العظيم في تحديد نوع الثقافة التي يجب ان يتعاطاها وغيرهم..ناسيا ان قداسة الحرية والشفافية والتعاطي الحر لكل الافكار والايدلوجيات هو القمين بانتخاب الاجود والاليق..لان هناك قانون طبيعي قاهر مؤداه..ان الزبد يذهب هباء وان ما ينفع الناس فيمكث في الارض..وهذا القانون لم يطلع عليه السيد لان ردحا من عمره قضاه متسكعا بين اروقة الفكر الغربي الذي يؤمن بالتناقض والصراع وهو نقيض مفهوم التدافع القراني النبيل والانساني..

    الحرية..الحرية..اما الاقصاءفممارسةغبية وايدلوجية نافقة..

    سعيد اخي بزيارة مدونتك..اشد على يديك..استمر….ستمر ستمر ستمر

  7. الرفيق عادل القادري

    لقد قرأت باهتمام ما كتبته حول موضوع عقوبة الإعدام وموقفك الرافض لهذه العقوبة لكنك لم تشر للحظة لمن وقع قتله والآلام التي تعيشها عائلته جراء ما يقوم به البعض ىمن قتل مجاني.

    يجب أن ننظر للوجه الآخر للحكاية..كيف نرحم من يغتصب طفلة ويقتلها ومن يعتدى بالفاحشة على طفل ويقتله ومن يقتل الناس من أجل سرقة هاتف ومن يقتل أمه وأباه…

    هذه أسئلة مقلقة أود لو تجيبنى عنها

    رفيقك

    شوقي بن سالم

  8. الرفيق العزيز شوقي،
    الموضوع ليس مسألة تشفي أو تعذيب ، وحتى بهذا المنظور التقليدي للعدالة ، يمكن القول إن الإعدام بالنسبة إلى المجرمين الذين أشرت إليهم قد يكون بمثابة الموت الرحيم لأن عملية الإعدام قد لا تستغرق أكثر من لحظات، أما السجن بقية العمر أو لمدة طويلة فهو فضاء مغلق ومساحة زمنية أطول لعذاب الضمير الذي قد يصحو بعد المحاكمة و العزل المنفرد خلف القضبان.
    مع التقدير والمحبة

  9. عزيزي عادل/
    العرب والإسهام بالإسلام

    بداية لا يستطيع أحد أن ينكر إسهامات تونس في الفكر والثقافة الإسلامية منذ دخل الإسلام إليها وحتى يومنا هذا، والبعض حين يستنكر أو يعترض على بعض القرارات والدعوات هناك، فهم يقصدون أصحابها وليس الإقلال من شأن تونس، وكذلك الأمر مع كل البلاد العربية والإسلامية، أو هكذا يجب أن يكون.. كما أنه ليس لأحد أن يشكك في دينك، ونواياك،،، وإنما نحن أفكار تلتقي، وتتحاور..
    أتفق معك في كون المعاملات وتنظيم العلاقات والشؤون الإدارية مسألة دائمة التطور، ولكن التطور يجب أن يكون محكوما بالثوابت والأصول، وإلا كان تيها في الفلاة. ولذلك استخدم القرآن في كثير من الأمور كلمة “المعروف” أي ما تعارف عليه الناس. ولكنه أيضا نص على أشياء وسمّاها حدود الله، وأمرنا بالتزامها، منها بعض العقوبات، ومنها المواريث. فهذه أمور لا نستطيع أن نتعداها وإلا كنا مخالفين لأمره تعالى.. أما في مسألة حد السرقة وحكم عمر بن الخطاب، فقد كان عمر بن الخطاب في حكمه يرجع إلى قاعدة مهيمنة في الفقه، وهي “من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” وكان ذلك في عام الرمادة، (مجاعة شديدة) والناس تموت جوعا، فلم يعاقب من سرق ليأكل، وهذا حكم متفق عليه، أن من سرق ليأكل (حفاظا على حياته)، لا يعاقب. ولا يعد هذا تعطيلا للحد أو إلغاء له، ولكن الحد يطبق بشروطه. فإن انتفت الشروط توقف الحد..
    مسألة الحجاب، طال فيها الحديث وكثر، ولم يقل أحد أن الحجاب زي خاص، ولا له شكل محدد، كأزياء الدول الشيوعية، هو شرط في الملابس يجب أن يتحقق. فما حقق الشرط فقد وافق الشرع، وما كان دون ذلك خالفه. ولم يكثر الحديث عنه إلا بتكرار الهجوم عليه. يثيره عادة من يهاجم الحجاب ويسعى لمنعه، كما في تركيا.. أما المسلمون أو الإسلاميين فهم لا يشيرون إليه إلا عرضا، ولم يقل أحدهم أن الحجاب هو الواقي الأخلاقي، ولكنه نتيجة الوازع الأخلاقي الديني، أو يجب أن يكون نتيجة له، وعلامة عليه. ولا يختلف الناس على أن من لابسات الحجاب من تخالف آدابه، وهذا لا يسيء للحجاب إلا كما يسيء اللصوص إلى القانون.
    ذكرت في حديثك عن التواصل مع الآخرين عبارة جميلة، بقولك ” تثبيت مزاياهم، وإنكار أخطائهم……. مع الحرص على التميز”. وهذا يثير مسألتين، الأولى ماهو المرجع في تحديد صوابهم من خطئهم؟ والثاني كيف نحرص على التميز.
    أحسب أن الإجابة على السؤالين تكمن في المرجعية، فالحرص على المرجعية هو أساس التميز، وعلى ضوء المرجعية وفي هديها أستطيع أن أحدد ما أصاب فيه الآخر وما أخطأ.
    ونحن حين نرى الإسلام بديلا ناجحا عن الليبرالية والشيوعية، فنحن لا نختبئ وراء مقدس، ولكننا نهتدي بهذا المقدس لئلا نضل طريقنا، فالثابت عقلا أن الله وهو خالق الإنسان أعرف بالإنسان من نفسه، وأعدل من الإنسان وأحكم. ونحن لا نرى الإسلام مجرد عقيدة وشعائر عبادية، بل هو كذلك نظام حياة ونظام فكر. فإذا كانت الشيوعية نتاج تطور لمدرسة فكرية بدأت بأفلاطون. فإن الإسلام بمنظومته الفكرية، قادر على تطوير حضارة بديلة متفوقة “في رأيي”.. وبهذه المنظومة الفكرية المبينة على الإسلام، استطعنا من قبل أن نقيم حضارة ملأت الدنيا، وقادت البشرية، وبها نستطيع أن نقيم حضارة جديدة، بشرط تخليص هذه المنظومة من الشوائب، بحسن فهم الإسلام، وحسن تطبيقه، مع الاستفادة طبعا من تطور الفكر البشري، والمعارف الحديثة في كل أنحاء الدنيا.
    وبذلك وحده نستطيع أن نسهم فعلا في تقديم بديل حضاري مميز، نابع من أصالة فكرية، وليس نتاج تبعية فكرية لمدرسة أخرى..

    ملحوظة أخيرة: القصاص موجود في الشرائع السماوية مثل اليهودية والإسلام، وغالبا كان موجودا في الشرائع السابقة كذلك. وذلك أن المصدر الأصلي للشرائع السماوية واحد وهو الله عز وجل. ولا يعني هذا أن الإسلام قد اقتبس من اليهودية أو العكس. بل يعني أن الله قد كتب القصاص على البشرية منذ كانت، ولم يطرأ عليه تطوير.

    تحياتي،،

  10. عزيزي عادل

    مشكلة مقالك هذا انه لم يترك لي مجالا لاعلق عليه, فأنت شرحت وفصلت وسردت الادلة والبراهين.

    فقط اريد ان اقول انني سعيد لوجود اناس في العالم العربي لديهم هذا الفكر و هذه الثقافة.

    شيء آخر اريد ان اقوله و هو ان لغتك جميلة و جملك قصيرة ولم اشعر بأي ملل في قراءة مقالك وهذا النوع من الكتابة لا اصادفه الا في فترات متباعدة.

    اسلم لصديقك

    هشام

  11. العزيز هشام،
    شكرا على التنويه، وإن كنت لا أستحقه ، خصوصا فيما يتعلق بالأسلوب واللغة .
    دام تواصلنا مع التقدير والمحبة والسلام.

  12. الأخ حسن،
    رائع أنت في عرض رأيك المخالف لرأيي. وكم أنا سعيد بهذا النوع من الحوار الراقي والجدي الذي يقف عند التفاصيل ، ويدقق في كلام الآخر دون تعويم أو تعميم.
    الثالوث الذي يقوم عليه الفقه الجنائي الإسلامي ( الحدود والقصاص والتعزير ) مبحث واسع جدا مثير لجدل كبير عبر القرون وحسب المذاهب … ولا أعتقد أنه سيفي بغرضنا التقدمي…
    المرجع للتمييز هو العقل النقدي …
    ملاحظة : قلت ” كتب القصاص على البشرية منذ كانت، ولم يطرأ عليه تطوير” ، وردي أن أكثر من نصف دول العالم (123 دولة) قد ألغت عقوبة الإعدام ، 88 دولة منها بالنسبة إلى جميع الجرائم.
    كما أن احترام الحرمة الجسدية ( ومنع التعذيب…) أصبحت تحكمه اتفاقيات دولية مصادق عليها من معظم دول العالم… البشر ية تتطور يا حسن، إنها فعلا تتطور … وأعرف أنك لن تسقط في الرد بالاحتجاج بما تقوم بعض الدول الاستعمارية من مظالم … فنحن نتحدث عن القيم والمبادئ والقواعد الأخلاقية والقانونية … وليس عمن يكسرها ويسيء إليها…
    وإلى لقاء أجمل

  13. أخي عادل القادري

    تحية ملؤها الاحترام والمودة

    أشكرك على التعليق ..تقييماتي احاول ان أشذبها ولكني لا أنجح دائما ولا سيما اذا وضعت المفتي تحت مشرح الكوارث التي جلبها بنفاقه لحكومات عربية او جماعات معينة وصدقيني أخي عادل واقعنا أكثر مرارة وسوداوية من كل ما يمكن ان تطلقه على المتسببين في ها السيل الجارف من الدم في العراق وفلسطين وما هو مخفي أعظم ..هو مجرد رأي في أحوالنا مع انني احاول ان أكون منصفا وحادا في هدم مسلمات ويقينيات قاتلة وان أثير القلق والشك لأنها مشاعر الابداع عكس الاسترخاء لأحكام بسيطة من بعض فقهاء البلاط

    كما أحاول ان ننتبه عند اي تقييم لحاكم او تجربة الى مؤشرات واقعية موضوعية اساسية وليس لحكم الاعلام المأجور أو فقهاء الظلام

    ولا اختلف معك في نظرتك للأمور بل انها تمثل غيرة المسلم الذي يحمل في اعماقه كل الحب والاحترام للقيم السامية و لا يركن كما اغلب الناس على أرائك الجهل والتبسيط فرحين بما هم عليه من التقوقع الانتحاري في الماضي للسلف الصالح

    احييك على هذا التحريض والاستفزاز لوحدات دماغنا لتعمل وتقلق وتبدع هو اول طريقنا للخروج من شرنقة التخلف ..

  14. الأخ أحمد صالح،

    شكرا على التفاعل وأرجو استمرار التواصل خصوصا وأن الأخ محمد حماد قد وضعنا ـ كمختلفين عنه ـ في خانة واحدة …من دون المعلقين عليه جميعا!!

    مع التحية والتقدير والسلام

  15. بسم الله

    أخ عادل أعدك بالنقاش العملي الجاد في موضوع الخلافة

    تحياتي لك

  16. الأخ فراس،
    أنا في انتظارك ، ولن أقول إني على أتم استعداد للنقاش، ولكن سأحاول أن أتفاعل معك بالقدر المتاح لي فلست أدعي الاختصاص في المسائل التراثية أو الدينية. وإن كنت أزعم لنفسي بعض العلم بالمواضيع السياسية النظرية وقدرة على الفهم والنقد العقلاني غير المفارق لانتمائه الحضاري وتطلعه الإنساني المستديم.
    مع التحية والتقدير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر