إقرار تعديلات دستورية مثيرة للجدل في مصر
كتبهاعادل القادري ، في 28 مارس 2007 الساعة: 10:10 ص
كما كان متوقعا ، أقرّت النتائج الرسمية للاستفتاء الشعبي الذي تم إجراؤه يوم 26 مارس 2007 ، التعديلات الدستورية التي عرضها الرئيس المصري ووافق عليها البرلمان . فحسب وزارة العدل المصرية صوّت أكثر من 75 بالمائة من المشاركين في الاستفتاء لصالح تعديل 34 مادة من مواد الدستور. و بلغت نسبة المشاركة المعلن عنها رسميا 27 بالمائة ممن يحق لهم التصويت وعددهم 36 مليون مواطن. وإن كانت العديد من المصادر الإعلامية والحقوقية قد شككت في هذه الأرقام حيث ذكرت منظمة حقوق الإنسان المصرية، وهي هيئة مستقلة إن نسبة المشاركة تراوحت بين 6 إلى 9 بالمئة فقط .
نسبة المشاركة المتدنية مهما كان رقمها لا تحمل تقريبا أي دلالة لصالح دعوات المقاطعة التي أطلقتها ونفذتها أحزاب المعارضة (الوفد والتجمع والناصري و الكرامة…) والإخوان والحركات الاحتجاجية في المجتمع المدني (كحركة كفاية)، ولا لصالح التعبئة الشاملة التي قام بها الحزب الحاكم وأجهزة الدولة من أجل ضمان مشاركة كثيفة…لأنها تعكس العزوف المستديم للمواطن المصري عن الشأن العام والمشاركة السياسية منذ سنوات بل عقود… حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في انتخابات 2006 التي غصت فيها الشوارع بأنصار المرشحين 23 بالمائة… وإن كانت النسبة الضعيفة هذه المرة تطرح إزاء أهمية الاستفتاء وحزمة التعديلات المدخلة على الدستور ، ضرورة ضبط حد أدنى ديمقراطي من تمثيلية المشاركة لإقراره كما يحدث في بعض البلدان الأخرى المستعملة لآلية الاستفتاء.
أهم التعديلات أو بالأحرى أكثرها إثارة للجدل في صفوف المعارضة وقوى المجتمع المدني هي المتعلقة بالمواد 179 و 88 و 5 . في حين احتج البعض على عدم تعديل المادة السابعة والسبعين المتعلقة بإمكانية انتخاب الرئيس لولايات غير محددة العدد. مقابل إبقاء تعديل المادة 76 على قيود ما زالت مشددة على الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية حتى وإن وقع التخفيف منها لفترة انتقالية لفائدة الأحزاب البرلمانية.
المعترضون على تعديل المادة 179 المتعلقة بمكافحة الإرهاب ، يرون أن هذا التعديل استبدل حالة الطوارئ بنظام دائم يسمي قانون الإرهاب يهدف إلى (دسترة ) القوانين بما يقي من الطعن في دستوريتها ويعتبرون أن هذا التعديل قد أجهض كل الحريات، حيث أنه يمسّ من الحرية الشخصية ( المادة 41 ) وحرمة المسكن ( المادة 44 ) و سرية المراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال ( المادة 45 )، كما أنه تمنح الرئيس سلطة التدخل في القضاء عن طريق الالتفاف على المحاكم العادية وإمكانية إحالة أشخاص مدنيين إلى محاكم عسكرية.
أما تعديل المادة 5 الذي يحظر أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية دينية أو أساس ديني، فيبدو واضحا أنه يستهدف جماعة الإخوان المسلمين المحظورة أصلا منذ أكثر من خمسين عاما، غير أن ذلك لم يمنعها من أن تصبح من خلال مرشحيها المستقلين أكبر كتلة برلمانية معارضة في مجلس الشعب المصري بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، و هذا ما تفطن إليه تعديل المادة 62 الذي أجاز الأخذ بنظام القوائم الحزبية على حساب النظام الفردي المعمول به حاليا، ولكن ما لم تتفطن إليه في اعتقادنا التعديلات الدستورية المصرية في هذا المجال أن حظر العمل السياسي على أساس ديني يستوجب منطقيا أن الدستور نفسه ينبغي ألا يتضمن ما ينصّ على دين الدولة (وهي أيضا شخصية معنوية) أو أن شريعة دينية ما هي المصدر الرئيسي للتشريع ، وهو للمفارقة واقع الحال في المادة الثانية من الدستور المصري التي لم يطرأ عليها أي تعديل. وفي المقابل على الجماعة المحظورة أن لا تحتج كثيرا على التعديلات الدستورية ما دامت ترفع كأول شعار لها (القرآن دستورنا) وهي بالتالي لا تملك أي حجة على السلطة للتمسك بدستور وضعي لا يملك بالنسبة إليها أي قداسة أو احترام حقيقي !
تعديل المادة 88 حدّ من الإشراف القضائي على الانتخابات ، وقد اعتبر المعترضون على هذا التعديل أنه سينال من نزاهة الانتخابات في المستقبل خصوصا وقد أثبت القضاة حيادهم في الانتخابات الأخيرة. واحتجت السلطة بأن ضرورة إجراء الانتخابات في يوم واحد (وهو ما نصّ عليه التعديل الدستوري) يحول دون إمكانية وضع قاض على كل صندوق اقتراع، وهو وضع نادر في العالم.
بقية التعديلات تعلقت بحذف آلي لكل إشارة إلى الاشتراكية (من النظام والسلوك إلى المدعي الاشتراكي) من مواد الدستور. والواقع يشهد أن مصر قد تخلت عن النظام الاشتراكي منذ فترة طويلة، وجاءت هذه التعديلات (المقبولة باعتبار أن الدستور ليس برنامج حزب سياسي) متأخرة لتكريس هذا الواقع. وعوضت حماية البيئة في المادة 59 حماية المكتسبات الاشتراكية، كما عوضتها العدالة الاجتماعية في المادة 73 . ومن التعديلات الإيجابية اللافتة فعلا إلى جانب تكريس مبدأ المواطنة في الفصل الأول من الدستور، فهو ما تضمنه الفصل 62 الذي أجاز أن يتضمن القانون الانتخابي حدا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين، حيث أن نسبة تواجد المرأة المصرية في البرلمان الحالي لا تتجاوز 2 بالمائة.
إلى جانب ذلك سمحت التعديلات بتعزيز صلاحيات مجلس الشورى كما أنها أعطت (المادة 82 ) إمكانية نيابة رئيس الجمهورية في حالة المانع المؤقت إلى رئيس مجلس الوزراء وهو ما قرأه بعض المعارضين بارتباط معين بترتيبات يمكن أن تحدث متعلقة بمسألة التوريث.
وجدير بالملاحظة ،أن الحزب الوطني الحاكم في مصر لم يعر أي اهتمام حقيقي لملاحظات المعارضين وفقهاء الدستور والقانون وفعاليات المجتمع المدني المصري حول التعديلات الدستورية التي مرّت كما هي دون توافق وطني حقيقي وبسرعة غير مبرّرة أثارت حتى الآنسة كوندي التي أعربت عن قلقها الديبلوماسي فقد تعودت في بلادها على مرور سبع سنوات لتمرير تعديل دستوري واحد فما بالك بأربعة وثلاثين، ، كما أن فكرة وضع حزمة كاملة من التعديلات على التصويت دفعة واحدة بنعم أو لا ، أمر غير مقبول لأن المواطن قد يوافق على بعض التعديلات التي يراها مطلوبة ومعقولة في حين قد يعتبر أن بعضها الآخر لا يستجيب لتطلعاته أو مواقفه أو هواجسه، وما أكثرها في الواقع الاجتماعي والسياسي المصري الذي يتطلب إصلاحات جذرية في الممارسة تتجاوز مجرد تحويرات في النصوص الدستورية والقانونية.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 30th, 2007 at 30 مارس 2007 10:04 م
عزيزي عادل
شكرا جزيلا على هذا الموضوع, ولا اعرف بماذا اعلق عليه, لان الانظمة العربية و على رأسها النظام المصري ماتت من زمان, و كما تعلم “فالضرب بالميت حرام”.
“حتى الآنسة كوندي التي أعربت عن قلقها الديبلوماسي فقد تعودت في بلادها على مرور سبع سنوات لتمرير تعديل دستوري واحد فما بالك بأربعة وثلاثين،”
هذه الفقرة اضحكتني كثيرا, شكرا لانك رسمت ابتسامة على شفتي.
دم و اسلم لصديقك
هشام
أبريل 2nd, 2007 at 2 أبريل 2007 10:12 م
excellent analysis
أبريل 4th, 2007 at 4 أبريل 2007 1:16 م
أخي بصراحة الوضع في العالم العربي مخجل الغرب علينا ونحن على أنفسنا فالىأين يسير بنا قطار الزمن…؟؟
أبريل 14th, 2007 at 14 أبريل 2007 12:10 ص
عزيزي عادل،
أولا: صحيح أن نسبة المشاركة المتدنية لا تصب بالضرورة لصالح دعوات المقاطعة، لكنها تصب حقيقة في خانة التأكيد على يأس الشارع من هذا النظام،،
ثانيا: هنا خلط كبير بين مفهوم أن القرآن دستورنا، واحترام الدستور الوضعي كما أسميته، فالدستور له احترامه لدى الإخوان وغيرهم من الإسلاميين، لأنه عقد بين أهل الوطن،، ويظل القرآن فوق الدستور،، ومهيمنا عليه،،
ثالثا: النظام تصرف كالعادة بصلف، وغباء تجاه ملف التعديلات الدستورية، مما جعل الدستور المصر هو الدستور الوحيد في العالم الذي يقال عنه (غير دستوري)..
تحياتي…
أبريل 19th, 2007 at 19 أبريل 2007 2:13 م
نفعنا الله بك اخى عادل والحق انى اتفق تماما مع طرح وتعليق الاستاذ حسن مدنى باعلاه
تقبل مرورى اخى الكريم
أبريل 20th, 2007 at 20 أبريل 2007 1:38 م
الأخ حسن مدني والأخ سيد يوسف ،
تعرفان أن أهم يما يميز الدساتير الحديثة الديمقراطية، إلى جانب ضمان الحقوق ومبدأ الفصل بين السلطات (وهو مبدأ مثير للجدل في أنواعه و آلياته)، هو أن السيادة للشعب. والسيادة كما تعلمان لا تعلوها أو ” تهيمن عليها ” أي سلطة، (أكبر إشكال اليوم ، ما يسمى بحق التدخل الدولي وتعارضه مع مبدأ السيادة)، في حين أن الطرح ” الإسلامي” الصريح (غير الموارب) يقول بأن ” السيادة للشرع”، وهذا تعارض يصعب تجاوزه. والدليل على ذلك أن بعض ” الحركات الإسلامية” تعتبر أن “الديمقراطية نظام كفر “(كذا!!).
مع التحية والتقدير والسلام