إشكاليات التنمية الإنسانية وأهداف الألفية
كتبهاعادل القادري ، في 16 مايو 2007 الساعة: 16:20 م
انتظم في إطار منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم 11 ماي 2007 لقاء فكري حول التنمية الإنسانية وأهداف الألفية للتنمية حاضر خلاله الأستاذ عزام محجوب الذي شارك بصفته خبيرا اقتصاديا دوليا في إعداد التقرير الأول لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التنمية الإنسانية العربية وكافأته مؤخرا وزارة التعليم العالي (مثل بعض الأساتذة الجامعيين التونسيين المرموقين من ذوي السمعة الدولية) بإحالته إلى التقاعد القانوني جدا وهو في أوج العطاء العلمي.
وقد رحبت السيدة عربية بن عمار(عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية) بضيف المنتدى وبكافة المشاركين في هذا الفضاء الحواري المفتوح لجميع المهتمين بالشأن العام الذين يجمع بينهم التفكير في مستقبل أفضل لبلادنا مهما اختلفت الرؤى والمرجعيات الفكرية و الايديولوجية و المواقف الحزبية والفردية.
من جهته أكد الأستاذ عزام محجوب نائب رئيس الجمعية العربية للدراسات الاقتصادية حاجتنا الملحة لتوطيد تقاليد الحوار،داعيا إلى تعزيز التصالح بين التونسيين في المجال الفكري على الأقل، لأن في ذلك ركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي مبني على احترام اختلاف الرأي، معتبرا أن الحريات الأكاديمية في تونس ليست في أحسن الأوضاع ولا سيما في السنوات الأخيرة.
وقد تضمنت المحاضرة في محورها الأول تقديم مفهوم التنمية الإنسانية أوالتنمية البشرية، وهومصطلح برز في بداية التسعينات، بمبادرة من عالمين كبيرين هما أمارتيا سين (من الهند) المتحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، ومحبوب الحق (من الباكستان) وكان موظفا ساميا في برنامج الأمم المتحدة للتنمية، ولعل في انتماء الرجلين إلى شبه القارة الهندية (الفقيرة) أكثر من دلالة. وتعرّف التنمية البشرية بأنها عملية توسيع لخيارات الناس والحريات الجوهرية الفعليةعن طريق توسيع الوظائف والقدرات لكل فرد من المجتمع. والوظائف تعبر عن مجال الإمكانات والفرص لكل فرد أي مختلف الأشياء التي يطمح أن يتمتع بها ويحياها وأن يعمل على إنجازها. ولكن هذه الإمكانات المتاحة تكون قدرات حين تكون فعلية، أي أن القدرات هي مختلف الوظائف التي يتم تفعيلها، وهي بالتالي تمثل نطاق الحريات الجوهرية الأساسية التي يتمتع بها كل إنسان وكل فرد، ولئن كانت القدرات كثيرة ويمكن أن تتباين شكلا ومضمونا، فإنها تبقى مترابطة، وتشمل مهما كانت مستوياتها، ثلاث قدرات أساسية،على الأقل، وهي: 1) أن يحيا الإنسان أو الفرد حياة مديدة وصحية. 2 )أن يحصل على المعرفة. 3 ) أن يحصل على الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق. وهذه القدرات التي تنبني عليها الحريات يضبطها مؤشر التنمية البشرية (IDH) وهو مؤشر كمي (من 0 إلى1) يقع بواسطته تصنيف البلدان ضمن ثلاث مستويات تنموية: ضعيف (من 0 إلى 0.5) ومتوسط (من 0.5 إلى 0.8) وعالي (أكثر من 0.8). ويتناول هذا المؤشر القدرات المذكورة. أولا في مجال الصحة: العمر المتوقع عند الولادة، ثانيا التحصيل التعليمي (وفيه مؤشران: نسبة القراءة والكتابة، ونسبة التمدرس أو الالتحاق بالمدارس في كل المراحل التعليمية)، وثالثا نصيب الفرد من الداخل القومي، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يسميه الاقتصاديون بتعادل القدرات الشرائية(PPA) الذي يقيس القدرة الشرائية لقيمة الدولار الأمريكي الحقيقية بالنسبة إلى كل بلد في العالم. وكمثال مبسط، إذا كان الدخل (أو الإنفاق) الشهري أقل من 120 دولار لعائلة تونسية تتركب من 5 أفراد، فإن مقاييس البنك الدولي (ذات البعد الواحد النقدي) تعتبرها تحت عتبة الفقر.
وتعتمد التنمية الإنسانية على ثلاث ركائز هامة تربط بين المجال التنموي الاجتماعي والاقتصادي بالمجال السياسي، كلما تحققت فعلا كلما كان الأداء في مجال التنمية البشرية أحسن وأعلى، وهي المشاركة والشفافية والمساءلة. ويمكن التعبير عنها بطريقة مباشرة بالحريات السياسية والإسهام الفعلي في الشأن العام و حرية الإعلام واستقلالية القضاء وحياد الإدارة والتداول على السلطة.
أما عن حقيقة وجود علاقة ترابطية وسببية بين التنمية والحريات، فلئن لم تؤد التنمية بصفة آلية وحتمية إلى ازدهار الحريات كما يبرز في بعض الأمثلة فإن هناك علاقة غير مباشرة تاريخيا بينهما، باعتبار أن التنمية كرافعة للوعي العام تقوي من الروح المطلبية من أجل إحقاق وتفعيل الحريات. وقد أثبت باحثون دوليون أن انعدام الحريات والمبادئ الثلاثة المذكورة يؤثر سلبا على ديمومة التنمية واستمراريتها في المدى المتوسط والبعيد، لأن غياب الشفافية والمشاركة والمحاسبة من شأنه تشجيع الفساد والمحسوبية (وتعيينات بمناصب على أساس الصداقة وليس بمعيار الكفاءة) ويفتح إمكانات لبعض الفئات والأفراد غير الخاضعين لسلطة القانون، لتحويل متراكم لنصيب لا يستهان به من محاصيل التنمية لأغراض شخصية وزبونية، يصبح عائقا دون مواصلة العملية الإنمائية بل ربما التفريط في المكاسب المحققة.
وبالنسبة إلى تونس، اعتبر الأستاذ المحاضر أننا في منعرج تاريخي وأن بلادنا هي المؤهلة أكثر موضوعيا في المنطقة للانتقال إلى ربط عملية التنمية بمزيد من الإصلاح السياسي الذي نتفق عليه ونختلف في نسقه ومداه، مما يؤكد أهمية فتح الحوار.
ويبلغ مؤشر التنمية البشرية المتعلق بتونس 0.760 (في آخر تقريرعالمي صدر سنة 2006) وتحتل تونس بهذا المؤشر مرتبة متوسطة في العالم: 87 من مجموع 177 دولة مصنفة. وأوضح المحاضر أن العملية التنموية هي عملية تراكمية لمدة أكثر من نصف قرن ويمكن التأكيد أن تونس قد حققت تقدما في مجال التنمية البشرية، فقد ارتفع معدل العمر المتوقع للتونسي إلى 73.5 سنة وبلغت نسبة التمدرس ( للفئة العمرية 6 ـ 24 سنة) 75.4 بالمائة وإن كانت بعض التقارير تشير إلى ظاهرة ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي، ولكن النقص يبرز بالخصوص في القدرة على القراءة والكتابة حيث بقيت نسبة الأمية مرتفعة بمعدل 23.5 بالمائة. وتصل في بعض الولايات إلى 35 بالمائة ، وهنا تجدر الملاحظة أن العديد من دول العالم الأقل دخلا من تونس قد حققت نسبة أمية أقل من تونس ومنها من قضى على الأمية بالكامل.
وبمقارنة ترتيب تونس الدولي حسب معدل الدخل الفردي ( المرتبة 69 ) وترتيبها حسب مؤشر التنمية البشرية ( المرتبة 87) يبرز تفاوت واضح (يهم أغلب البلدان العربية ولا سيما النفطية ذات الدخل المرتفع) يحمل دلالة عجز في النجاعة في تحويل التنمية الاقتصادية إلى تنمية إنسانية (اجتماعية). والمطلوب هو ترشيد السياسات وتصويب التدخلات لتجاوز ذلك العجز.
أما أهداف الألفية للتنمية التي وضعت أمميا سنة 2000 فتتعلق بضبط أهداف يجب تحقيقها على كل دولة في غضون 10 ـ 15 سنة، بالتقليص من نسبة الفقر إلى النصف ،وكذلك بالنسبة إلى مكافحة الجوع وتحقيق شمولية التعليم لمختلف مراحله مع إزالة التفاوت بين الجنسين وتخفيض معدل وفيات الأطفال وصحة الأمومة وكذلك مكافحة الأمراض والأوبئة… ويعتقد الدكتور عزام محجوب أن هذه الأهداف في متناولنا بتونس وليست صعبة المنال ، لاسيما إذا أمكن الرفع من نسبة النموالاقتصادي إلى 7 بالمائة عوض 4 أو 5 بالمائة الحالية، وإن كان يقترح إدخال مفهوم لامركزية أهداف الألفية وضبط مؤشرات محلية (حسب المعتمديات و الولايات) لأن التفاوت بين الجهات والمناطق هو من أسوأ النقائص التي ينبغي حصرها في بلادنا إلى جانب تسجيل الإنجازات.
وقد أثارت هذه المحاضرة ، نقاشا عميقا أسهم فيه الأستاذ محمد الجابلي (رابطة الكتاب الأحرار) الذي اعتبر أن الأهم بالنسبة إليه هو التأكيد على أن التنمية موصولة بالحريات وأن وضع الحريات في تونس لا يتطور، أما الإحصائيات الرسمية إذا سلمنا بمصداقيتها فإنها لا تجيبنا هل إنها مؤشرات لتنمية مؤقتة أم تنمية مستديمة، وعندما نقول مثلا إن لدينا في تونس 9 آلاف جمعية فهل يعني ذلك أن لدينا مجتمع مدني فاعل حقيقة.وقد تعكس التنميةغير البنيوية والمتضافرة العوامل، في قطاعات هشة، تطورا مختلا وغير متكافئ. ورأى أن ظاهرة الانقطاع المدرسي تعني انسداد الأفق أمام شباب لا يفكر الآن إلا في فرص الربح السريع والمغامرات غير المحسوبة و(الحرقان) الذي تشهد عليه عشرات الضحايا في قاع المتوسط وضفتيه، متسائلا بنبرة متشائمة عن قدرة البلدان الفقيرة التابعة والشعوب المسلوبة الإرادة على تقرير مصيرها أو أن تكون لها خيارات حقيقية في توجيه اقتصادياتها المستقبلية، فحتى برامجنا التعليمية مستوردة وإطارات الإشراف التربوي عندنا يشرفون عليهم من الخارج.
أما الأستاذ سليم الزواوي فقد اختار مناقشة المحاضرة من زاوية معاكسة لما طرحه الدكتور عزام محجوب، حيث أشار إلى السياق التاريخي الذي ظهر فيه التقرير الأول للتنمية الإنسانية العربية، فقد تزامن مع الإعلان الأمريكي عن مشروع الشرق الأوسط الجديد،عبر شعار الإصلاح الديمقراطي والحكم الصالح، ولذلك تعرض التقرير لانتقادات عديدة وحملة تشكيك واسعة. كما اعتبر أن التقرير قد أغفل التعرض للمعوقات الخارجية مع تركيزه المبالغ فيه على ما يسميه النواقص الثلاث ( الحريات ـ المعرفة ـ تمكين المرأة). ومن أبرز المعوقات المهملة قضية التبعية والتجزئة أي استحالة قيام تنمية في ظل أنظمة تابعة وأمة مجزأة بالإضافة إلى وطأة الديون الخارجية، والإرث الاستعماري الثقيل الذي جعل التفاوت التاريخي بين العرب والبلدان الغربية أمرا موضوعيا يصعب تداركه في الوقت الراهن. ورأى أن المؤاخذة الكبرى على التقرير انعدام ضبط الأولويات ووضع استراتيجية عملية تجعل التوصيات الواردة فيه ممكنة التحقق، إذ لا بد من تحديد القوى المؤهلة وصاحبة المصلحة في تحقيق الأهداف الإنمائية، وتحديد القوى المضادة المعارضة لتلك الأهداف وإبراز التكتيكات الملائمة لمواجهتها . ودون ذلك لن تكون تقارير التنمية الإنسانية سوى أحلام غارقة في طوباوية أكبر من المشاريع الايديولوجية المتهمة بالطوباوية. كما لاحظ أنه كان على معدّي التقرير تحديد طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن أن تتحقق فيها مؤشرات التنمية الأفضل. هل هو النظام الرأسمالي أم النظام الاشتراكي أم نظام آخر لم يحدد بعد، وقبل ذلك وبعده لا بد من التساؤل عن طبيعة النظام العالمي وقواه المهيمنة حاليا وإلى أي مدى يمكن أن تسمح بنجاح مشروع التنمية ببلادنا.
الأستاذ نوفل الزيادي أشار إلى الجدل الكبير الذي يشق النظريات حول التنمية والنمو… فكل مرة نسمع شيئا جديدا معتبرا أن تفوق البنك العالمي والشركات متعددة الجنسيات هو تفوق ثقافي وسياسي وليس مجرد هيمنة اقتصادية مؤكدا أن الثقافة هي قاطرة الحياة والمجتمعات… ولذلك لا بد لنا من القيام بتعرية حقيقة الليبراليين المتطرفين الذين يريدون انتزاع جلد العمال والشعوب. فخبراء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بعد أن حددوا لنا مسارنا الاقتصادي المتعثر (برنامج الإصلاح الهيكلي والخوصصة وضروة خروج الدولة من دائرة الإنتاج والتداول…) عادوا للاعتراف بأنهم كانوا مخطئين. والجميع اليوم (حتى ساركوزي) يقرون بدور الدولة الاقتصادي. أما التعامل مع التنمية على أساس مؤشرات فقط قد يجعلنا نتغافل عن الفوارق الطبقية والفوارق الجهوية والفوارق الدولية، مشيرا إلى سيطرة مجتمع السوق وعقلية الاستهلاك مع تفاقم مشاكل الإقصاء والتهميش الاجتماعي وبروز أنواع جديدة مهينة من الشغل والمناولة، حتى في البلدان المتقدمة الصناعية… ثم أثار العديد من القضايا المتعلقة بالهجرة وأبناء الضواحي وقيم عصر التنوير والمواطنة والاقتصاد الإنساني ومكانة القطاع العام والبيئة وقيمة العمل و الأرقام المفزعة للبطالة (التي تصل ببعض الولايات التونسية إلى 30 بالمائة) و الفقر (الذي نجده كذلك في الأرياف الفلاحية بالوطن القبلي) وتراجع الجامعة التونسية المستهدفة بمنطق السوق والتكيف عن دورها الريادي في بناء الإنسان وتقدم المجتمع بمنطق تكاملي متوازن.
السيد صالح الزغيدي عبّر عن ثقته في قدرة الخبراء الاقتصاديين مثل الأستاذ عزام محجوب على تقييم مصداقية الإحصائيات والأرقام التي يعتمدونها أو لا يعتمدونها. معتبرا (على طريقة جورج عدة) أن تونس من أفضل البلدان بالمنطقة في المجال الإحصائي. وضرب بدوره مثال العدد الرسمي للجمعيات فهو صحيح ولكن أغلبيتها الساحقة هي فعليا ميتة. ولو حسبنا الجمعيات التي لم تعقد منذ أكثر من عشر سنوات أي اجتماعات أو جلسات عامة ولم تنظم أي نشاط، لما بقي منها سوى ألفين أو ثلاثة آلاف جمعية ناشطة ولا سيما في المجالات المهنية والرياضية… كما نبّه إلى أن نسبة التمدرس للفئة العمرية (6 ـ 14 سنة) 94.5 بالمائة قد تبدو جيدة ، تنزل في بعض الجهات إلى 90 بالمائة أي أن 10 بالمائة من أطفالنا غير متمدرسين وهذا رقم كبير يصل إلى عشرات الآلاف من الأطفال المنقطعين عن الدراسة … وهو ما يدعو إلى ضبط دقيق ومصوّب لتوزيع الاعتمادات المرصودة محليا وجهويا كأن يقع ضبط برنامج خاص في هذا المجال بالقصرين مثلا أو القيروان… ورأى أن الرفع من نسبة النمو الاقتصادي إلى مستوى 7 بالمائة يمكن أن يكون الحل الأنجع لإشكاليات كبرى مثل أصحاب الشهائد العاطلين عن العمل (الذين يبلغ عددهم عشرات الآلاف) ولكن ذلك لن يكون كافيا لتحقيق الترابط بين التنمية والحريات، فالمواطن الذي يشتغل وله دخل محترم ولكنه ليس حرا، ليس مواطنا ( معطيا مثال الشيلي في السبعينات إبان عهد الديكتاتور العسكري بينوشيه حيث كانت الأرفع نموا اقتصاديا على مستوى أمريكا اللاتينية) ، مؤكدا على أولوية تحقيق دولة القانون لتفادي تعطيل المسار التنموي.
السيد الناصر صدام ركز تدخله على مسائل تهم التربية والتعليم مثل لغة تدريس المواد العلمية والتذبذب الحاصل للتلميذ في هذا المجال من مرحلة دراسية إلى أخرى (من العربية إلى الفرنسية) وكذلك سلبيات السياسة الانتقائية الخاصة بالمعاهد النموذجية وآثارها النفسية المحبطة للتلميذ غير المقبول وتعارضها مع مبادئ العدالة الاجتماعية.
بينما تساءل السيد مهدي الطباخ إن لم تكن المعادلة التي قام عليها مؤشر التنمية البشرية قد فقدت صلاحيتها الإجرائية مع المتغيرات الحاصلة اليوم. وأشار إلى مؤشرات آخرى مثل مؤشر دافوس الاقتصادي، وتصنيف البلدان حسب حروف تراتبية من طرف وكالات ومؤسسات دولية مختصة في إسناد الأعداد والتقييم الاقتصادي والمالي.
السيد حسين الهمامي اعتبر أن التقارير التي ينجزها خبراء مستقلون يمكن أن تساعد الحكومات على تصحيح خياراتها، وإن كان البعض قد استعمل هذه المؤشرات ضد الشعوب. وأكد أن التفاوت الجهوي ناتج أيضا عن تخلي الدولة عن دورها السابق كأول مستثمر ومموّل للمشاريع في الجهات الداخلية. وتساءل عن تراجع نصيب العمل بالمقارنة مع نصيب رأس المال عما كان عليه الأمر في الستينات، فاليوم يقترب نصيب الرأسمال الخاص من ثلثي الدخل الوطني. داعيا إلى ردّ الاعتبار للعمل كقيمة إنسانية.
وإجابة عن بعض الأسئلة و الملاحظات أوضح الأستاذ عزام محجوب أن مساهمته مع الخبراء العرب المستقلين في التقرير الأول الخاص بالمنطقة العربية كان سابقا بسنتين لعملية 11 سبتمبر 2001 وهذا وحده يكفي لدحض الاتهام القائل بأنه وقع تجنيدهم وتوظيفهم لإعطاء مبرر للبنتاغون أو الإدارة الأمريكية لضرب العراق أو غيره مذكرا بمواقفه الواضحة إزاء السياسات الأمريكية في المنطقة. ومؤكدا من جهة أخرى أنه ليس فاعلا سياسيا، فدوره ليس رسم الاستراتيجيات والتكيتكات وتعبئة القوى الحية التي ستتولى تغيير الأوضاع، بل تشخيص الأوضاع وتقديم المعلومة الصحيحة والاجتهاد في صياغتها مع اقتراح بعض التوصيات حتى تكون ذات دلالة وتصل إلى المواطن العادي أوصاحب القرارالذي يمكنه رصد خطة إنمائية مغايرة تأخذ بعين الاعتبار تلك العوائق والإخفاقات أو الناشط السياسي الذي يمكنه توظيفها كما تمليه عليه مرجعياته وغاياته. وقد مارس ذلك الدور العلمي المحايد بلا أي تحفظ ولو كانت له تكلفة شخصية أحيانا. وقد أكد التطور الحاصل في رصد وضعية الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومؤشراتها بكل دقة وقد قام مؤخرا بدراسة مقارنة منهجية (benchmarking) للمنطقة العربية في هذا المجال (مستعينا بأفضل النماذج الريادية) بيّنت مثلا أنه خلافا لما يروّج فإننا لم ندخل بعد الثورة الاتصالية (نسب الربط بالانترنات وكذلك الأمية في المنطقة العربية هي من أضعف النسب في العالم) كما سيقوم بدراسة مقارنة بين المنطقة العربية ومنطقة أمريكا اللاتينية التي تعتبر أكبر مخبر سياسي واجتماعي بالعالم في الفترة الأخيرة وما تشهده بلدانها الديمقراطية، من مبادرات ومشاريع وتكتلات واعدة مثل المركوسوروالاتحاد القاري الجنوبي وبديل شافيز البوليفاري (ALBA) والتي تسعى الولايات المتحدة إلى إفشالها وشق صفوفها باتفاقيات ثنائية، شبيهة بتلك التي أمضت عليها في منطقتنا العربية بعض الدول مثل المغرب والأردن و البحرين.
أما قضية تمكين المرأة فقد ركز عليها بامتياز التقرير الأخير للتنمية الإنسانية العربية الذي صدر في ديسمبر 2006. واعتبر الأستاذ محجوب أن مؤشر الفقر المادي الذي يعتمده معهد الإحصاء التونسي غير مرضي، ليس من ناحية الأرقام في حد ذاتها،بل بالنظر إلى الأرضية العلمية التي قامت عليها، مذكرا بالمرصد الذي أسهم في تكوينه حول التنمية الإنسانية (المستديمة). أما عن السؤال المتعلق بنصيب العمالة ونصيب رأس المال فلا شيء لدينا يجعلنا نجزم بأن الوضع قد انقلب نهائيا لفائدة رأس المال، وشدد على أن انعدام الشفافية وتفشي المعاملات التمييزية يؤديان إلى نقص في التوقع(prévisibilité) وتعكير مناخ الاستثمار وفرصه وبقائها. وهذا ما تقيسه إلى جانب مستوى الاستقرار والأمن بعض المؤشرات الاقتصادية المتمحورة حول ثقة المستثمرين في البلاد. وفي هذا السياق دعا إلى رصد مسار الاستثمارات الخارجية (الأوروبية) المباشرة في بلادنا، ليس باعتماد قيمتها المطلقة، بل بنسبة تطورها بالمقارنة مع بلدان أخرى . مشيرا إلى معضلة التداين وحلقته المفرغة ونزيفه المتواصل.
ومع كل ذلك ورغم ضيق سوقنا المحلية وتعطل البناء المغاربي وهيمنة قوى كبرى في العالم، فلا شيء يمنعنا من رؤية وطنية تقوم على جبهة داخلية وجبهة إقليمية لتحسين قدرتنا التفاوضية مع هامش حركة أوسع من أجل رسم طريق رفاهنا بأنفسنا دون وصاية أو تدخل أجنبي. وإذا لم يتسنى لنا أن نكون في مستوى الفاعل ولا نقبل أن نكون في مستوى المفعول به فلا بد أن ننجح على الأقل في مستوى المتفاعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























