واقع الديمقراطية وحقوق الانسان في الوطن العربي

كتبهاعادل القادري ، في 4 يونيو 2007 الساعة: 16:58 م

واقع الديمقراطية وحقوق الانسان في الوطن العربي

 

نظم منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم الجمعة 25 ماي 2007 لقاء فكريا مع الدكتور الطيب البكوش، رئيس المعهد العربي لحقوق الانسان، حول موضوع: واقع الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، أشرف على افتتاح فعالياته السيد محمد بوشيحة، الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية، وشارك فيه عدد من الجامعيين والإعلاميين والحقوقيين والنقابيين والسياسيين.

واعتبارا لما تناولته الحلقات السابقة للمنتدى من محاور حقوقية عديدة، ركّز الدكتور الطيب البكوش في مداخلته على الجانب المنهجي والإطار العام مع طرح الاشكاليات الأساسية، وأولها العلاقة بين الديمقراطية وحقوق الانسان، مؤكدا أنه لا يمكن اليوم الفصل بينهما، حتى وإن كان ذلك ممكنا تاريخيا باعتبار أن مفهوم الديمقراطية (بمعناها اليوناني القديم ) كان موجودا رغم غياب حقوق الانسان كمنظومة . ويبقى الإشكال مطروحا بالنسبة إلى توفر الوعي الشامل بذلك الترابط والتلازم لدى من يرفعهما كشعار. وهنا تبرز إشكالية جوهرية عند تقييم واقع الديمقراطية وحقوق الانسان في مجتمع من المجتمعات وتتعلق بمدى انتشار الوعي والشعور بالحاجة إليهما، وهذا ما يجعل منهما ، في المجتمع العربي عموما وإن بدرجات متفاوتة حسب الأقطار، مطالب نخبة وليست مطالب شعبية. ولئن وجد نوع من بداية الوعي بالديمقراطية والحرية في أدبيات النهضة في القرن التاسع عشر لدى بعض النخب العربية (في مصر و سوريا ولبنان و العراق و تونس ) ومحاولة بعضهم تقريبها من مفهوم الشورى التراثي (المختلف عن المفهوم الحديث للديمقراطية) نتيجة الشعور بالحاجة إلى إجراء إصلاحات سياسية و اجتماعية وثقافية (الوعي بالاصلاحات الاقتصادية لم يكن واضحا)،  فإن حقوق الإنسان كمنظومة لم تتبلور بعد في تلك الفترة.

سؤال آخر تناوله المحاضر يتعلق بكيفية تناول الديمقراطية من حيث هي قيمة أم من حيث هي شعار. حيث يختلف الطرح حسب زاوية النظر، فإذا تناولناها من حيث هي شعار، فإن أسئلة أخرى ستطرح: ما هي دوافع رفع الشعار؟ من يرفع الشعار؟ المؤسسة الحاكمة أم مؤسسات المجتمع المدني بما فيها الأحزاب السياسية . أما إذا تناولناها من حيث هي قيمة فلا مناص من التأكيد على أنها شاملة أولا تكون ،إذ لا يمكن الحديث عن الديمقراطية السياسية بمعزل عن الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ففي المنظور الليبرالي يقع التركيز على البعد السياسي أو المدني السياسي ، أما من المنظور الاشتراكي فنلاحظ أن التركيز يقع  على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ، وقلما نجد تحديدا للبعد الثقافي الملحق في النصوص إلحاقا. والملاحظ بصفة عامة أن جميع هذه التجارب المختلفة حسب المرجعيات الايديولوجية والمذهبية تبيّن أن منطق الأولويات لا يستقيم، فما قد يتحقق من المكاسب حسب هذه النظرة أو تلك ، إن لم تعضده المكاسب الأخرى بصفة متوازية فإن الانتكاس سريعا ما يحدث، ويمكن أن يكون بعد بضعة عقود (كالتجربة السوفياتية التي لم تدم أكثر من جيل ونصف بعد جيل التضحية)، وفي المقابل لا يمكن أن تجرى انتخابات ديمقراطية حقيقية في مجتمع فقير تعمه الأمية أو يطغى فيه رأس المال و تكثر فيه وتسهل عملية شراء الأصوات وبيعها. والأمثلة على ذلك عديدة بما فيها نموذج الولايات المتحدة التي تعتبر زعيمة الديمقراطيات حيث لا يستطيع أحد يفتقر إلى سند مالي ضخم أن يترشح أو يكون له تأثير و وزن سياسي و إعلامي يذكر. وهذا من شأنه أن يجعل الأمر متعلقا بشكليات ديمقراطية تطالب الإدارة الأمريكية اليوم بنشرها في منطقتنا العربية، بعيدا عن قيم الديمقراطية التي تدخل في أعماق الثقافة الشعبية. وموضوعيا فإن ديمقراطية حقيقية في البلاد العربية  تتناقض جوهريا مع المصالح الأمريكية كما تنظر إليها القوى الفاعلة في المجتمع الأمريكي وخاصة اللوبي المالي الإعلامي الصهيوني، وبالتالي ليس من مصلحتها أن تتطور هذه المجتمعات ديمقراطيا في العمق.

ثم طرح الدكتور الطيب بكوش سؤالا منهجيا آخر: هل يمكن تحقيق الديمقراطية بقرار فوقي أو بقرار تحتي ؟ معتبرا أنه إذا كان يمكن نظريا لحاكم مستنير (أو مستبد عادل)، أن يهيئ تدريجيا شعبه للديمقراطية ، فقد بحث عن الحاكم المستنير في الوطن العربي فلم يجده ، حتى لدى من كانت ثقافته حداثية وتربيته السياسية عميقة بأوروبا مثل بورقيبة الذي لم  يدرب الشعب على انتخابات ديمقراطية تعددية ومبدأ التداول على السلطة، وحتى التجارب العربية الجنينية والنواتات الديمقراطية التي حصلت في  الأربعينات والخمسينات جلها قد أجهضت بانقلابات عسكرية تسمي نفسها ثورات، وتصف أنظمتها بأنها شعبية وديمقراطية واشتراكية وثورية وكلما كثرت النعوت دلّ ذلك على أنها مفقودة . أما التحول الديمقراطي بقرار تحتي أي بضغط  شعبي، فلا يمكن عادة أن يحصل سلميا، إذا تمسكت قوى السلطة بموقفها الرافض للتغيير، ولا يكون إلا بالعنف وبكثير من التضحيات وأحيانا بكثير من الفوضى التي يمكن أن تدوم مدة زمنية طويلة، قد تعقبها انتكاسات، وقد دام ذلك بضعة قرون في بعض البلدان الأوروبية. ونلاحظ أننا لم نستفد من تجارب الأمم الأخرى لكي نقوم بعملية اختزال يربحنا الوقت والتضحيات .

ولعل الحالة المثلى لتحقيق الديمقراطية هي التي يحدث فيها التقاء بين إرادة فوقية ورغبة قاعدية أي مطلب شعبي وإرادة سياسية ووعي سياسي بضرورة تحقيق ذلك، وإذا حصل هذا التلاقي فإن الوضع يمكن أن يتطور إيجابيا وبنسق سريع نسبيا ، وهذا التفاعل ما زال غائبا في جميع البلدان العربية وإن بدرجات متفاوتة.

وكما أن الخلط بين القيمة والشعار يجعل الجميع (حتى كبار المستبدين) يتحدثون عن الديمقراطية بدون تحديد المقصود منها ويعفيهم من المحاسبة، يحدث الأمر نفسه بالنسبة إلى حقوق الانسان التي إن لم تكن منظومة متكاملة فإنها لا تتراكم لا تتواصل ولا تستقر. أما السياسات القائمة على زرع الخوف، فإنها تجبر المجتمعات على قبول التخلي عن جزء من مكتسباتها في مقابل أمن وهمي ، لأنه لا أمن حقيقي مع الظلم والاستغلال وانتهاك حقوق الانسان، أو تضطرها إلى القيام بردة فعل من خلال مؤسسات المجتمع المدني وهو ما يميز المجتمعات الديمقراطية التي ترسخ فيها مفهوم المواطنة المحوري الذي ما زال ضبابيا في مجتمعاتنا (التي تكثر فيها نزعة التخوين)، حتى لدى بعض النخب السياسية والإعلامية التي تستبطن نقيضه، و يظهر ذلك في استعمال الكثير من المصطلحات المألوفة التقليدية المتوارثة مثل البيعة والولاء،وهي مصطلحات تنتمي إلى منظومات سياسية واجتماعية قديمة وشبكة مفاهيم لا تقبل مفهوم المواطنة لأنها مرتبطة بمفهوم الرعية والحاكم، وبشرعية غير انتخابية وشعبية بل  شرعية سماوية أو وراثية. و لذلك نحتاج إلى بلورة مفهوم الدولة، وعلاقة الدولة بالمواطن، وعلاقة المواطنة بالوعي بالمواطنية والوطنية ، إذ لا يمكن أن توجد وطنية حقيقية بدون مواطنية.

وفي المحور الأخير المتعلق بواقع الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، أكد الدكتور الطيب البكوش صعوبة إصدار حكم عام شامل، لأن الأوضاع متفاوتة من بلد إلى آخر، ومن مجال إلى آخر، ، ولكن يمكن تقديم أحكام عامة بالتركيز على مؤشرات إجمالية تشمل ما يهم المنظومة، مثل نسبة التعليم والأمية ، ونسبة التشغيل والفقر بالمقاييس الدولية و مكانة المرأة في المجتمع، و مدى احترام الأقليات (العرقية والدينية واللغوية) وهو من المسائل المعقدة التي لم تتحمل فيها الأنظمة العربية والجامعة العربية مسؤوليتها وتعتم عليها بشكل يجعلها كالقنابل موقوتة في بعض المجتمعات وقد تنتج عنها انقسامات وانشقاقات.

إلى جانب مؤشرات أخرى هامة ، كوضعية الإعلام وحرية الرأي والتعبير والمعتقد ، ونزاهة الانتخابات واستقلال القضاء.

أما بالنسبة إلى النسيج الجمعياتي فقد ربطه المحاضر بما أسماه القوى أو السلط الموازنة والمعدلة ، لأن الجمعيات الحقوقية أو النقابية يختلف دورها عن دور الأحزاب السياسية .

ويمكن انطلاقا  من تقارير التنمية الانسانية العربية الصادرة عن الأمم المتحدة أن نلاحظ أن البلاد العربية بصفة عامة تشكو نقصا كبيرا جدا في المحاور الأساسية التالية: الحريات، تمكين المرأة، وكسب المعارف، ينضاف إليها نقص فادح في الأمن والاستقرار، بسبب سلسلة طويلة متواصلة منذ عقود من النزاعات والحروب البينية والأهلية والإقليمية، غالبا ما كان يستغلها بعض الحكام العرب لوأد المطالب الديمقراطية أو التراجع عن بعض المكاسب وتخوين المعارضين.

ولا يمكن في غياب الأمن الانساني، وضع أسس ديمقراطية وحقوق انسان حقيقية، وإذا نظرنا إلى الأوضاع من مختلف الزوايا المذكورة فإن عملية الإصلاح تصبح صعبة جدا، لا يمكن إنجازها في العمق بإرادة فوقية فحسب ، ولا بإرادة تحتية وحدها ، كما لا يمكن على الإطلاق أن تحدث بتدخل خارجي ، وتجربة العراق في ذلك كافية ومعبرة.

ويعتقد رئيس المعهد العربي لحقوق الانسان أنه لا بد من التقاء ارادة سياسية ورغبة وارادة ومطمح شعبي. ولو غابت الارادة السياسية، فإنه يجب عدم اليأس و المثابرة على حمل  مؤسسة الحكم للاقتناع بذلك الأمر المصيري بالنسبة إلى مجتمعاتنا.

وهذا ما حاول تطبيقه المعهد من خلال التحاور والتفاعل و التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني ومع المؤسسات الحكومية في ذات الوقت بالمنطقة العربية، بما مكنه من تكوين أكثر من 6 آلاف إطار من أطر المجتمع المدني في البلدان العربية بما فيها البلدان التي تعتبر منغلقة على المسائل الحقوقية. وأكد من جهة أخرى على مزيد التفاعل مع بلدان عربية أخرى، لأن التجربة أيضا تبيّن أن بعض ما تحقق من مكاسب في بعض البلدان العربية قد يكون عرضة للانتكاس نتيجة ضغوط من بلد عربي آخر (بورقيبة ومسألة المساواة في الإرث). داعيا إلى  اتخاذ قرارات سياسية صارمة بتجريم من يصدرون الفتاوي التكفيرية والفتاوي المسيئة للإسلام. ومعتبرا أن قضية العلاقة بين الدين والدولة واستعمال الدين للسياسة واستعمال السياسة للدين، هي من أهم القضايا الجوهرية التي نحتاج إلى مجابهتها بشجاعة وصراحة، عوض التناحر وإضاعة الجهد والوقت بين القوى التي تعتبر نفسها ديمقراطية في مسائل هامشية لا تخرج عن الحسابات السياسوية التي لا تبني شيئا بعيد المدى وطويل النفس.وهذا ما لم تفهمه مع الأسف بعض القوى المعارضة العربية (حتى في تونس)، مشيرا إلى غياب المساندة للمعهد العربي لحقوق الانسان حين مر ببعض الصعوبات في السنة الماضية وقد وصل الأمر ببعض أصحاب النظرة القصيرة والسطحية إلى حد التشفي .  بدعوى أن وجوده في تونس يمثل تزيينا للسلطة . وهذا طبعا لا يندرج ضمن الرؤية الاستراتيجية الشاملة المطلوبة للمنطقة العربية بصفة عامة وتونس جزء منها.

وقد أثارت هذه المحاضرة نقاشا ثريا بدأه الدكتور الحبيب الجنحاني بالإشارة إلى تركيز رواد حركة الإصلاح على مفهوم الحرية الذي أعطوه الأولوية ، لأنهم أدركوا مساوئ الحكم المطلق الاستبدادي، معتبرا أن منطق الأولويات ضروري في أوضاع معينة وأن الساحة العربية ما زالت في حاجة إلى إعطاء الأولوية للحريات العامة التي كان غيابها في دولة الاستقلال السبب الرئيسي لوصول الحال إلى ما هو عليه الآن، ورأى أن الضغط من الأسفل أصبح أسهل مع تشكل المجتمع المدني العالمي وحركات العولمة البديلة،ملاحظا من خلال بعض التجارب (مثل أوكرانيا) أنه إذا بلغت الأوضاع خطا أحمر، ينقلب المجتمع المدني إلى قوة معارضة، ويفقد دوره التقليدي ويتحول إلى نصل ناجع ضد قوى السلطة.

الأستاذ بلقاسم حسن أكد أن كل ما جاء في المحاضرة يدلّ على جسامة المسؤولية التي يتحملها المثقفون والمناضلون العرب لتجسيم ما كان يحلم به الرواد من المصلحين الذين لم يروا تعارضا بين الحريات والحقوق والشريعة (من الأفغاني وعبده إلى الطاهر الحداد) وضرورة إعادة تجربتهم بطريقة أشمل وأفضل، لأن الأوضاع عندنا لم تتبع الأفكار كما كان الحال في اوروبا التنوير، بل ظلت السلطة مرتبطة بالطاعة، وبقي ينظر إلى الاختلاف كفتنة، مع تمسك الحاكم العربي بقولة لويس الرابع عشر: أنا الدولة.

السيد الحبيب قيزة أشار إلى أهمية مفهوم الحكم الصالح أو الجيد، وأعاد التأكيد على الواجب المواطني الذي يتجاوز كمرحلة وعي جديد المفهوم التقليدي الساذج للوطنية، وأبدى تأييده لمفهوم السلط الموازنة والمعدلة بالنسبة إلى قوى المجتمع المدني عوض مفهوم القوة المضادة، معتبرا أن المناضلين النقابيين والحقوقيين ليسوا معارضين سياسيين، داعيا إلى ضرورة رسم  طريقنا الخاص في الديمقراطية بالحوار مع الارادة السياسية، بعيدا عن منطق التنازع المدمر بين القوى المعارضة لحسابات سياسوية تعكس المرض الطفولي للمعارضة التي ترى في مجرد طرح مسألة الحوار دليل خيانة وتخاذل، وهذه من القضايا الشائكة والمعقدة التي ربما يكون حلها مفتاح الانتقال الديمقراطي عندنا .

الأستاذ سليم الزواوي لاحظ أن فكر النهضة لم يكن متجانسا بل مثله تياران كبيران، الاول اصلاحي اسلامي ( الافغاني وعبده…) والتيار الثاني اصلاحي علماني ( شبلي شميل، لطفي السيد…)، والتياران عرفا نفس مصير الانتكاس. الأول مع حركة الاخوان المسلمين في الثلاثينات ثم قطيعة أخرى في السبعينات مع عودة ما يسمى بالصحوة الدينية،  والتيار الثاني انتكس مع الانقلابات والديكتاتوريات والأنظمة الشمولية في الخمسينات والستينات ثم حدثت قطيعة أخرى مع سقوط المعسكر الاشتراكي. وإذا كان العامل الخارجي قد ساعد أوروبا الشرقية في التحول الديمقراطي فقد لعب دورا معيقا عندنا.  ونظرا إلى غياب التراكم في الوعي الديمقراطي، فإنه لا يمكن الانتقال من دولة تقليدية ذات موروث سلطاني إلى دولة ديمقراطية إلا عبر المرور بدولة حديثة تحترم القوانين والمؤسسات، تتساند بمجتمع حديث يحتل فيه الفرد مكانة أساسية، خصوصا وأن مجتمعنا ما زال محكوما ببنية عمودية ومازال الفرد مشدودا فيه بالانتماء إلى أسرة أبوية أو قبيلة أو عشيرة أو طائفة.

الأستاذ الحبيب مرسيط : اعتبر أن المنطقة العربية تمر بمأزق تاريخي عام وشامل وعميق ولكن المعضلة تتجاوز المؤشرات السلبية العديدة التي رصدتها المحاضرة إلى تحديد أساب الانتكاسة الكبيرة، فالمشاريع والاستراتيجيات موجودة ولكنها خاطئة أو فاشلة، من المشروع الاسلامي (الاسلام هو الحل) ، إلى الاستراتيجيا الخاصة بالنظام العربي المنهار الذي يحاول المحافظة على وجوده، وكذلك  استراتيجيات المعارضات (اليسارية والليبرالية) المستوردة لأجهزة مفاهيمية ومرجعيات جاهزة ومعلبة دون النظر إلى خصوصياتنا والبنية الاجتماعية والسياسية والنفسية العربية وهي تعاني من فصام مرضي بين الخطاب المتضخم (كالديمقراطية وحقوق الانسان) والواقع النقيض وبين الثروات الطبيعية الهائلة وبؤس الانسان. واعتبر أن المنطقة العربية ككل تعاني موضوعيا من مشكلتين كبيرتين، الأولى تتمثل في وضعها الجيوسراتيجي في قلب العالم ما بين ثلاث قارات يجعلها عرضة لتجاذب القوى الدولية الكبرى، مما يصعب عليها عملية الخروج من التخلف ويصيبها بالشلل. إلى جانب إعاقة معرفية في الوعي التاريخي، تتعلق بافتقار الفكر التقدمي العربي بكل أطيافه إلى فلسفة تاريخ عربية، تتجاوز المفهوم التحقييبي للتاريخ ويوسع من أبعاد رؤيتها الاستراتيجية. مشيرا إلى أهمية بعض الدراسات الاجتماعية (كأعمال هشام شرابي) والاقتصادية (سمير أمين) …

السيدة وسيلة العياري تساءلت حول حقيقة دور وتأثير عدة هياكل ومؤسسات رسمية في تونس تعنى بحقوق الانسان وعلاقتها مع  المنظمات والجمعيات الحقوقية ، ملاحظة تناقض الواقع أحيانا مع الخطاب و النصوص.

السيد صالح الزغيدي أعرب عن انزعاجه لطرح المسألة على صعيد منطقة واسعة اعتبرها ذات سيرورة تاريخية ومجتمعية متباينة جدا. معددا الاختلافات العميقة بين البلدان العربية من خلال مؤشرات كثيرة متفاوتة كنسب التمدرس وحقوق المرأة ودخل الفرد وعلاقة الدين بالدولة ونزاهة الانتخابات والتعددية، مما ينفي إمكانية تحليل مشترك أو وضع مقاربة استراتيجية موحدة. وقارن كمثال بين تونس واليمن حيث تتفوق تونس في مستوى التحديث الاجتماعي والثقافي (المساواة بين الرجل والمرأة، تجاوز العامل القبلي والعشائري المهيمن والوضع التعليمي ووضع مسافة بين الدين والدولة)، في حين تبدو الصورة أفضل في اليمن على صعيد الانتخابات وتنافس الأحزاب السياسية وحرية الصحافة. داعيا إلى تركيز النظر على وضع استراتيجية للتحول الديمقراطي في تونس أولا وهو ما يبدو صعبا بما فيه الكفاية قبل البحث عن استراتيجيا للعالم العربي.

السيدة عربية بن عمار أشارت إلى أن حرب الخليج في بداية التسعينات أسست لمرحلة جديدة من الخوف والرهاب الجماعي التي يمكن أن تتواصل لسنوات طويلة أخرى في المستوى العربي ، أصابت النخب والأنظمة على حد سواء ، حيث أصبحت المحافظة على الأوطان أولوية الأولويات، ولكن هل سنقبل كل شيء بدعوى الخوف من الإرهاب والتدخل الخارجي ؟ ومع ذلك أكدت أنه لا بد من الاعتراف بحقيقة الاختراق الخارجي لبعض قوى المجتمع المدني العربي، إلى جانب اختراق بعض القوى اليسارية والتقدمية من أطراف أصولية ، وكذلك من السلط الحاكمة، مما يجعل السؤال قائما حول كيفية حماية القوى المدنية والسياسية المؤمنة بالديمقراطية وحقوق الانسان و صمودها أمام كل هذه الاختراقات، داعية إلى تفعيل دور مؤسسات عربية عديدة في هذا المجال مثل المعهد العربي لحقوق الانسان.

الأستاذ لطفي الأحول نوّه بقيمة المحاضرة التي قدمها الدكتور الطيب البكوش مذكرا بخصاله النضالية كنقابي تحمل أعلى المسؤوليات في الاتحاد العام التونسي للشغل خلال مرحلة صعبة وظروف قاسية مرت بها المنظمة الشغيلة، ثم روى تجربة شخصية حصلت له أثناء زيارة عمل إلى البرتغال (التي كانت تعاني بدورها من الاستبداد منذ عقود قليلة) جعلته يلمس الفارق بيننا وبين الآخرين في مستوى الممارسة الديمقراطية الرفيعة في كل الهياكل بما فيها النقابية. وأشار إلى مسألة المقاطعة غير الفعالة وغير المجدية لبعض المنظمات الدولية الهامة خوفا من التطبيع بما يحرمنا من إمكانية الدفاع عن قضايانا العربية في تلك المنابر، كما دعا إلى ضرورة حل مشكلة الرابطة (التي لم يعد كافيا الترديد الخطابي بأنها مكسب وطني) وإنهاء حالة الحصار المفروضة عليها، رغم كل الاختلافات أو الاحترازات الموجودة، بعيدا عن منطق التخوين.

وتعقيبا على بعض الملاحظات والأسئلة أكد الدكتور الطيب البكوش على أهمية الضغط السلمي مع المحافظة على الاستقرار معتبرا أن بعض الطرق السلمية مثل العصيان المدني قد ينتج عنها فوضى مسلحة أسوأ من الاوضاع السابقة معيدا التأكيد على أن عدم إيمانه بمنطق الأولويات (المطلقة) لا يعني عدم إيلاء أهمية مرحلية أكبر نسبيا لبعض النقاط في العمل المتوازي المحاور ، كما شدّد على ضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب وتوضيح الخيط الفاصل بينهما وهذه قضية كبرى اليوم. واعتبر أن الحضارة الغربية هي حصيلة حضارات انسانية متنوعة بما فيها العربية الاسلامية، ولذلك فإن المفاهيم والقيم الانسانية التي تحسب عليها (كالديمقراطية وحقوق الانسان) هي فعلا كونية. أما دعوى التعارض بين الخصوصية والكونية فهي ناتجة عن سوء فهم أو تعلة لتكريس الاستبداد و الممارسات المتخلفة (كالتعذيب وانتهاك الحرمة الجسدية)، وفي هذا السياق شدد على أنه  لا يمكن تحقيق نهضة وديمقراطية وحقوق انسان بدون الفصل بين الدين والسياسة. أما الفوارق بين الأقطار العربية فهي لا تزيد أحيانا عن التفاوت بين الجهات والمناطق في البلد العربي الواحد  ولا تمنع من رسم استراتيجية عربية لو أمكن تجميع واستغلال العديد من الوثائق والمواثيق والتقارير والدراسات العربية الهامة  الصادرة عن عدة مؤتمرات ومؤسسات.

كما أن العمل الوطني القطري نفسه يبقى عرضة للمضايقة الاقليمية أو الانتكاس أمام بعض السياسات الدولية  التي وسعت من دائرة الإرهاب وعولمته أكثر مما كافحته بل جعلت منه تعلة لتسويف وتعطيل مشاريع الإصلاح الديمقراطي الحقيقي.

 

ملاحظة : سجلت هذه الحلقة من المنتدى حضور قناة الحوار التونسي ومديرها السيد الطاهر بن حسين. كما يمكن الاستماع إلى النص الكامل لمحاضرة الدكتور الطيب البكوش في الاذاعة الالكترونية (صوت الوحدة) على موقع الواب لجريدة الوحدة.

 

   عادل القادري

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “واقع الديمقراطية وحقوق الانسان في الوطن العربي”

  1. عزيزي الاستاذ عادل

    جهد مبارك وطيب.. ولكن اين نحن ..!!؟

    الديمقراطية في الغرب اصبحت ثقافة وسلوكيات معاشة في حياتهم ..

    تحياتي

    طارق

  2. الأستاذ طارق،

    الديمقراطية في الغرب أخذت قرونا قبل أن تتوطد في السلوك والثقافة، ونحن لسنا محصنين طبيعيا ضد “فيروس” الديمقراطية. والمهم في نظري أن تتحقق يوما ديمقراطية عالمية بالمعنى الحقيقي ولم لا نحلم أن تكون أضعف الحلقات الراهنة في الخارطة الديمقراطية المحلية (الوطنية) الحلقة الأولى في تحقيق ذلك الحلم القديم لسيادة الإنسانية.

    مع التحية والتقدير والسلام.

  3. أن نستفيد من الصهيونية……هل من الممكن حقا الأستفادة منها

    سيدى انت مدعو للتعليق عن دفاعنا عن الصهيونية

    و شكرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر