المحاكمة المنسية
كتبهاعادل القادري ، في 9 يونيو 2007 الساعة: 17:15 م
ما كتب وقيل خلال الشهر الأخير حول الذكرى الثلاثين لتأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، لم يتطرق بكلمة واحدة إلى تزامن ذلك الحدث الهام، بالنسبة إلى المجتمع المدني التونسي والساحة السياسية عموما، مع محاكمة مناضلي الوحدة الشعبية. وهذه ليست المرة الأولى التي يقع فيها التغافل عن هذه المحاكمة الهامة أو غيرها من الأحداث التاريخية أو المواقف أو البرامج أو الشخصيات المرتبطة بالوحدة الشعبية.
صحيح أن المحاكمة بدأت فعليا يوم 13 جوان 1977 لتنتهي يوم 19 أوت 1977 كأطول المحاكمات السياسية في تاريخ دولة الاستقلال في حين تم الترخيص القانوني للرابطة يوم 7 ماي 1977 ، ولكن إيقاف المتهمين من حركة الوحدة الشعبية وقع منذ النصف الأول من شهر مارس 1977،وذلك بعد إصدار بيان جانفي 1977 المعروف ببرنامج النقاط الخمس. وقد تضمن هذا البيان في سبيل تحول ديمقراطي لإنقاذ البلاد ما تغني التغييرات الحاصلة بعده بسنوات عن التعليق على عمق التشخيص ووضوح الرؤية الاستشرافية وصدق الروح النضالية والوطنية (انظر الوثيقة التاريخية). وقد تصدرته فقرة مميزة حول دقة المرحلة التي تمر بها تونس حينئذ، تم اقتباسها من بيان مارس 1975 (للوحدة الشعبية)، ثم ركز برنامج التغيير المقترح على " النقاط التالية :
أولا : إطلاق سراح كافة المساجين السياسيين وإيقاف كل التتبعات وفسخ كل الأحكام التي تسلطت على المناضلين سواء كانوا اليوم داخل الوطن أو خارجه.
ثانيا : إنهاء باتّ لكل أنواع القمع والتعذيب ولكل تطويق بوليسي في البلاد، واحترام كامل لما ينبعث من حريات عامة بما فيها الحريات النقابية ويقتضي هذا الاحترام إقصاء وردع كل من يحاول طمس الحريات أو العبث بها.
ثالثا : تكوين حكومة تضامن وطني شعبي انتقالية مهمتها : إعداد ميثاق للضمانات الديمقراطية والتمثيل الشعبي في كل المستويات وعرضه على الاستفتاء. ـ وفي نفس الوقت تنظيم انتخابات برلمانية حرة حتى يكون لتونس المستقلة ولأول مرة برلمان يجمع نوابا منتخبينانتخابا حقا دون أي لون من ألوان التعيين.
رابعا : اضطلاع البرلمان الجديد بإصلاح جوهري للدستور وبضبط الاختيارات الأساسية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدفاعية وفي ميدان الوحدة مع شعوب المغرب العربي والسياسة الخارجية، وتضبط هاته الاختيارات بالنسبة للفترة النيابية. ويعرض كل من الإصلاح الدستوري والاختيارات الأساسية على الاستفتاء.
خامسا : تنظيم انتخابات رئاسية لا يسدّ فيها الباب للتنافس السليم المسالم تنبعث على إثرها حكومة يعينها الرئيس الجديد بمقتضى ما سينصّ عليه الدستور بعد الإصلاح والاستفتاء.”
واختتم البيان نداء صادق من أجل " بناء مجتمع عادل حقا متقدم ديمقراطي أصيل في اتجاهه لتحقيق الاشتراكية المتطورة السليمة الضامنة لدوام العدل والتقدم والحرية للجميع" .
وقد كان ذلك البيان المنشور في نطاق السرية كافيا لإصدار الأحكام على المتهمين بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والنيل من كرامة رئيس الدولة والمسؤولين من أعضاء الحكومة والنظام ونشر أخبار زائفة ومسك وترويج مناشير من شأنها تعكير صفو النظام العام وتكوين جمعية غير معترف بوجودها والانتماء إليها. وقد شكل إصدار ميثاق الحريات الديمقراطية يوم 13 جوان 1977 ،أي يوم بدء المحاكمة، تحديا إضافيا لتلك المحاكمة السياسية الظالمة ومن يقفون وراءها.
ولعله من الأدلة الفارقة بل المفارقات الدالة على ارتباط الظروف الخاصة بالحدثين (الترخيص للرابطة ومحاكمة الوحدة الشعبية) أن أحد أعضاء الهيئة التأسيسية للرابطة (وهو السيد مصطفى بن عياد) تم اختياره بصفته نائبا بمجلس الأمة عن الحزب الدستوري ليكون عضوا في هيئة محكمة أمن الدولة التي نظرت برئاسة السيد محمد صالح العياري في قضية 33 متهما من الوحدة الشعبية. وقد أحدث ذلك جدلا واسعا (إلى حد تجميد العضوية) في الهيئة التوفيقية جدا للرابطة الناشئة آنذاك، والتي ضمت حينها شخصيات منتمية للحزب الدستوري وأخرى مستقلة أو منشقة عن الحزب الدستوري شكلت فيما بعد النواة القيادية لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين ذات المنحى الليبرالي. ولن نذهب في تأويل الأحداث المترابطة أبعد من ذلك، حتى لا نعتم على صورتها النضالية المشرقة رغم كل شيء، خصوصا وقد قال فيها وزير الداخلية سابقا السيد الطاهر بالخوجة ـ كأحد أهم صناع الأحداث المحترفين وكأحد المؤرخين غير المحترفين ـ القول " الفصل " في كتاباته وشهاداته التاريخية للغاية، كعادته منذ سنة 1957 أيام شبابه المجيد في الاتحاد العام لطلبة تونس إلى الأحداث الخطيرة في نهاية الستينات والأحداث الأخطر في نهاية السبعينات…
ولا يسعنا اليوم في الذكرى الثلاثين لتلك المحاكمة التاريخية، كمناضلين في الوحدة الشعبية، إلا أن نتوجه بأصدق عبارات التقدير لرجال تونسيين مخلصين (مثل أحمد بن صالح ومحمد بالحاج عمر ومحمد داود…)، تبقى نضالاتهم وتضحياتهم علامات مضيئة في طريقنا، ويبقى وفاؤنا لتطلعاتهم ولرواد التيار التحرري الشعبي ببلادنا معينا لنا لا ينضب لتحقيق التقدم للجميع. كما نتوجه في هذه المناسبة بالتحية التي تليق بهم إلى المناضلين الحقوقيين والمحامين والمحاميات (مثل الأساتذة توفيق بودربالة والمرحوم عبد الرحمان الهيلة والبشير الصيد ويوسف الورداني و راضية النصراوي وجمال الدين بيدة وخديجة مدني…) لوقفتهم الشجاعة في تلك المحاكمة وغيرها، في وجه الظلم والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان في تونس التي نتمنى أن تغيب عنها إلى الأبد مثل تلك المحاكمة المنسية.
عادل القادري (جريدة الوحدة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 9th, 2007 at 9 يونيو 2007 7:14 م
اخي عادل انتظرت منكم تعليقا على الاستفتاء البائس في بلدي سورية خصوصا و ان التضامن القوي الحقيقي يقتضي عدم السكوت على الرقم الديكتاتوري 99 بالمائة.
اتمنى ان تكون اوضاعكم افضل فبي تونس و ارجو ان اسمع منك كلمة حق لاني عرفتك ملاكا ناطقا و ليس شيطانا اخرس.
يونيو 9th, 2007 at 9 يونيو 2007 9:29 م
الأخت شذى،
هذه الأرقام تعكس هشاشة أوضاعنا وقلة ثقتنا بوحدتنا الوطنية، طبعا نتمنى أن تصبح لكم انتخابات تعددية، المهم أن لا تكون هذه الانتخابات كذلك بنفس الأرقام أو ما يقرب منها.
الأوضاع في تونس ـ حيث الانتخابات الرئاسية تعددية ـ أفضل نسبيا، ولكن الأرقام لا تبتعد كثيرا عن أرقامكم.
وشخصيا أذكر أني كتبت يوما في جريدة الوحدة قبل شهر من انتخابات عندنا منذ ثلاث سنوات عن هذا الرقم (99 ) وعدم صلاحيته لأي طرف، و الحمد لله أن ما رجوته تحقق ونزلنا إلى 94 بالمائة ، وحقق مرشح حزبنا أكثر من 3 بالمائة وهذه سابقة إيجابية عندنا حيث لم تتعد الانتخابات التي سبقتها نسبة المترشحين الاثنين المنافسين 1 بالمائة!!!
وأعود إلى موضوع الاستفتاء الأخير عندكم فبصراحة ـ واعذريني ـ لم أتابعه جيدا، ولكني استغربت كثيرا بل حز في نفسي (حبا لسورية العزيزة على قلبي) استفتاء دستوري مستعجل سابق له منذ سنوات، والسن الأدنى التي تم اختيارها بطريقة مشخصة جدا وهذا مسيء لأي دستور في العالم،
وأنت تفهمين أن الاعتبارات السياسية الظرفية غير المبرمجة جيدا مسبقا هي التي ما زالت فاعلة في كاملة المنطقة العربية التي كثيرا ما تفاجئها الأحداث الطارئة (موت أو غيره…) ، وفي هذا أيضا ـ واعذريني مرة أخرى ـ نحن هنا أفضل نسبيا ، ونعدّ للاستحقاقات القادمة قبل فترة طويلة . وإن كانت الصيغة التي نعد بها لا ترضيني طبعا، مهما كانت قيمة الأشخاص، فالمسألة ليست مسألة شخصية، ولكنها لعبة توازنات ومراكز قوى، أعرف الآن أنها فاعلة ولا تخضع لأمنياتنا الديمقراطية .
مع التحية والتقدير والسلام