أحمد بن صالح في حديث للوحدة : أنا من كتب إعلان الجمهورية

كتبهاعادل القادري ، في 1 أغسطس 2007 الساعة: 10:30 ص

الأستاذ أحمد بن صالح الأمين العام الأسبق للاتحاد العام التونسي للشغل (من 1954 إلى 1956)، و عضو الحكومة البارز من 1957 إلى 1969 والمشرف على أول مخطط تنموي لدولة الاستقلال، والمحكوم عليه بتهمة الخيانة العظمى (بسبب التعاضد!!) سنة 1970، و المعارض المؤسس لحركة الوحدة الشعبية سنة 1973، والذي بقي في المنفى خارج تونس لمدة ربع قرن. التقيناه في بيته برادس بمناسبة الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية بصفته النائب الأول لرئيس المجلس القومي التأسيسي، وكان لنا معه هذا الحوار الذي تركز حول إعلان الجمهورية سنة 1957 و إعداد دستور 1959ودوره في ذلك.

        أجرى الحوار : عادل القادري

 

 * الوحدة : في أي ظروف تم الإعلان عن الجمهورية؟ وكيف أسهمت في ذلك ؟

ـ كنت النائب الأول لرئيس المجلس القومي التأسيسي منذ أن كان الحبيب بورقيبة رئيسا للمجلس قبل أن يتولى رئاسة الحكومة (14أفريل 1956)  ويأخذ مكانه الجلولي فارس، وكنت رئيس لجنة التوطئة والتنسيق بين اللجان المكلفة بإعداد الدستور.

و بتلك الصفة والمهمة، كنت محتاجا إلى معرفة مآل الأمور، فيما يتعلق بالاختلاف بين مؤسسات الدولة ، حيث وصلت اللجنة في عملها من إعداد فصول الدستور إلى مرحلة تستوجب منا معرفة طبيعة النظام السياسي، وبعد نقاشات ومناورات و تفاصيل أخرى كثيرة يطول شرحها، مثل الإشاعات حول طلب الأمين باي وابنه والطاهر بن عمار حماية فرنسية للعائلة المالكة، طلب بورقيبة منا (أنا وعلي البلهوان) عن طريق الجلولي فارس تهدئة الجدل داخل المجلس حول النظام الجمهوري (الذي لم يكن الحديث بشأنه متداولا قبل تلك الفترة) ومواصلة إعداد الدستور على أساس الملكية الدستورية، وكنت  بطبيعة الحال مع الجمهورية رغم محاولة البعض تشويه موقفي واتهامي بالتعاطف مع العائلة المالكة والأمين باي في حين كان المنصف باي يقول لي أكثر من مرة قبل ذلك بسنوات لدى اتصالي به في منفاه  أنه هو الذي سيعلن الجمهورية، وحين تقرر الأمر بالاتفاق بين الديوان السياسي ومكتب المجلس، كتبت نصا بخط يدي على ورقة صغيرة، وهو إعلان  الجمهورية الذي يلغي الملكية إلغاء تاما ويعلن تونس دولة جمهورية ويكلف الحبيب بورقيبة برئاسة الجمهورية، اطلع عليه الباهي الأدغم (نائب رئيس الحكومة والأمين العام للحزب) ومحمد السنوسي (المستشار القانوني) و لم يدخلا عليه أي تعديل، وكانت المسألة سرية لا يعلم بها إلا عدد محدود جدا من الأشخاص،  وبقيت معي تلك الورقة بضعة أيام محتفظا بها في جيبي وأنام بها، وقبل يومين من الجلسة الحاسمة (أي يوم 23 جويلية) جاءني الباهي الأدغم ليخبرني أن اليوم المشهود قد اقترب معربا عن رغبة قيادة الحزب في عدم الإعلان المباشر عن الجمهورية في أول الجلسة وعدم التأثير على أعضاء المجلس، وبذلك تم الاتفاق على أن أتولى الاكتفاء في الكلمة الافتتاحية ببسط الموضوع، ليتبين لي بعد ذلك  أن المسألة كانت مقصودة.

وقد جاء اليوم المشهود، يوم 25 جويلية 1957، في مقر المجلس بباردو، وكنت جالسا إلى جانب الحبيب بورقيبة والباهي الأدغم والطيب المهيري… ، وكان ترتيب الجلسة هكذا وفق نظام المجلس، وكنت أول من دعي من طرف رئيس المجلس الجلولي فارس لإلقاء كلمة بصفتي رئيس اللجنة التنسيقية لإعداد الدستور، حيث أوضحت للنواب أننا وصلنا في تحرير الدستور إلى مرحلة تستوجب تحديد طبيعة نظام الدولة (ملكية دستورية أو جمهورية) ولم أعرب عن موقفي التزاما بما تم الاتفاق عليه مسبقا، رغم أني كنت أحمل معي وثيقة إعلان الجمهورية . ثم تدخل مباشرة بعدي السيد رشيد ادريس ليقول في أول جملة : "نحن لا نريد كلاما فيه التواء وتردد ، نحن نريدها جمهورية " فكان التصفيق العاصف داخل القاعة، و قصد بالالتواء والتردد كلمتي التمهيدية، وأدركت على الفور أنه ثمة من لم يكن يريد أن أكون أول من ينطق بها. فأشرت إلى السيد الجلولي فارس طالبا الكلمة من جديد مهددا بالتدخل من مكاني، فوافق بعد أن استشار بورقيبة الذي أومأ إليه بالإيجاب، وبالفعل ألقيت كلمة أخرى أوضحت فيها الموقف، مبيّنا أني تكلمت في المرة الأولى بصفتي (المحايدة) كرئيس لجنة، والآن سأتكلم بصفتي نائبا عن الجنوب الشرقي، ومن ضمن ما قلته: إنه آن الأوان لعودة المياه إلى مجاريها ولا بد من العودة إلى الشعب وليس أنقى وأصفى من معدن الشعب، وقد لقيت كلمتي استحسان أعضاء المجلس و بورقيبة وبقي بعض الحاضرين (مثل الصادق المقدم) يتذكرون مقاطع منها بعد ذلك بسنوات.

 * الوحدة : إذن، هل  يمكن القول إن نص إعلان الجمهورية قد كتبه أحمد بن صالح ؟

 ـ  بالتأكيد، وقد تمت المصادقة عليه بالإجماع و لم يغيروا في النص الذي كتبته فاصلا أو حرفا واحدا. وتم ذلك طبعا بالاتفاق مع أعضاء المكتب ورئيس المجلس الذي تولى تلاوة إعلان الجمهورية في نهاية الجلسة (ثم صدر بإمضائه). مع الإشارة إلى أنه حين تولى بورقيبة رئاسة الحكومة لم يقع استشارتي أو إعلامي بتولي جلولي فارس مكانه كرئيس للمجلس التأسيسي رغم أني كنت النائب الأول لرئيس المجلس ومؤهلا لذلك، ولكن لم تكن لي أي مشكلة وتقبلت الأمر بصدر رحب، محترما ومقدرا جلولي فارس الذي كان أكبر سنا مني…

 * الوحدة : متى بدأت  لجان إعداد الدستور أعمالها؟ وماذا كانت مهمة المجلس التأسيسي؟

 ـ انطلقت أعمال اللجان مباشرة بعد انتخاب المجلس القومي التأسيسي  (25 مارس 1956) انتخابا لم يطعن فيه أحد لا في الداخل ولا في الخارج، وقد أخذت على عاتقي وفق القاعدة التي تقول بالفرنسية (qui peut le plus peut le moins) أن يقوم المجلس بأدواره كاملة و إذا كان المجلس سيعدّ دستور البلاد والمسألة ستطول  فينبغي أن يكون له اطلاع على سير الحكومة وقراراتها وعلى الميزانية والمشاكل الاقتصادية (كهروب الأموال إلى الخارج) والمسائل الاجتماعية … ، وحدث نتيجة ذلك نقاش حاد وجدل كبير( بدعوى أن المهمة الوحيدة للمجلس التأسيسي هي إعداد الدستور وليس مراقبة الحكومة) ولكن الأغلبية في المجلس التأسيسي أقرّت تلك الصلاحيات.

وكنت قبل ذلك قد صرّحت في جلسة عامة بأني أتمنى أن لا يصبح بورقيبة رئيسا للحكومة، ويبقى رئيسا للبرلمان  الذي يراقب الحكومة، آملا أن لا تنجذب تونس إلى المسار العادي وتيار البلدان المستقلة الأخرى التي يتفرد فيها الزعيم  بالحكم، ولكنني كنت مقتنعا في نفس الوقت بأهمية الدور المحوري  لبورقيبة وسمعته وما له من تأثير معنوي وسياسي فعال في الداخل و الخارج. وقد احتج عليّ حينها  الباهي الأدغم قائلا : انظر إلى الهند، نهرو أصبح رئيسا للحكومة.، فأجبته بما أفحمه : نهرو وليس غاندي.

وبعد يومين، تمت دعوتي إلى اجتماع موسع لديوان السياسي في دار بورقيبة بصفتي أمينا عاما لاتحاد الشغل (الذي كان له في المجلس التأسيسي 22 نائبا) مع الفرجاني بالحاج عمار رئيس اتحاد الصناعة والتجارة، أما الاتحاد العام للفلاحة فلم يكن مدعوا لأنه كان محسوبا على بن يوسف، وكانوا جميعا أكبر مني سنا. وبادر بورقيبة بإجلاسي إلى جانبه، وتحدث بطريقته (المسرحية) عن عدم رغبته في تحمل مسؤولية رئاسة  الحكومة لولا نداء الواجب ، ثم وقف قائلا باللغة الفرنسية: سوف ترون، بورقيبة من جهة، وبن صالح من جهة أخرى، وسيكون الأمر رائعا. وحين رويت ما جرى وأثار انشغالي لصديقي النقابي محمد الري المتميز بذكائه علّق على عبارة بورقيبة محذرا: إنه يوغر الصدور، وكان ذلك بالضبط ما فهمته أنا أيضا من تلك العبارة وما ستثبته الأيام لاحقا.(تمت إقالة أحمد بن صالح من الأمانة العامة للاتحاد في ديسمبر 1956 بعد 3 أشهرمن انتخابه في مؤتمر الاتحاد في سبتمبر 1956 وأخذ مكانه أحمد التليلي عضو الديوان السياسي للحزب).

وفي هذا السياق أذكر أن الصديق أولف بالم (رئيس الحكومة السويدية الراحل) في لقاء لي معه سنة 1974 بعد أن تم تنقيح الدستور السويدي وأصبح رئيس الحكومة يعينه المجلس (البرلمان) عوض الملك، تذكر موقفي من هذه المسألة في الخمسينات أي قبل حوالي عشرين عاما من ذلك اللقاء وكان حينها مساعدا للزعيم الكبير ايرلندر، وقال لي: ها إن ما كنت تدعو إليه يتحقق عندنا.

  * الوحدة : إلى أي مدى شاركت  في صياغة الدستور ؟ 

 ـ في البداية (من أفريل 1956 إلى جويلية 1957) كان لي دور هام مع علي البلهوان (الذي توفي في ماي 1958)، وفي الحقيقة الجميع شاركوا بجدية في العمل الذي تقدم أشواطا كبيرة، ثم تخليت عن مهمتي كمنسق للجان المكلفة بإعداد الدستور بعد أن توليت كتابة الدولة للصحة (في أوت 1957)، وحافظت على دوري كنائب فقط مساهما في النقاش خلال الجلسات العامة.  ولكن  لم تكن لي علاقة بالصياغة النهائية للدستور.

 * الوحدة:  قلت إنك تعتز بكل حرف من حروف دستور 1959، ألا ترى في ذلك مبالغة، فالبعض يرى أنه مليء بالعيوب التي أثرت سلبا في مسارنا الديمقراطي؟ .

 ـ قلت ذلك في سياق معين ولسبب آخر، ومع ذلك، ما زلت أعتبر أن الدستور التونسي في صيغته الأولى قبل أن تدخل عليه التنقيحات التي شوهته ولاسيما  بإقرار الرئاسة مدى الحياة، كان  مقبولا وفيه احترام لمبدأ تفريق السلطات و إطارا صالحا لنظام ديمقراطي لا بأس به. فالنظام الرئاسي لا يعني حكما ديكتاتوريا. وهذا لا يعني أن الدستور كان خاليا من العيوب أو أنه تم الالتزام بتطبيقه. كما يجب وضع الأمور في ظرفها التاريخي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا في تونس الخمسينات (الفقر والأمية والأولويات التنموية المطروحة آنذاك إلى جانب تداعيات الخلاف البورقيبي اليوسفي الذي حاولت مع بعض المخلصين تفاديه دون جدوى والوحدة الوطنية والوضع في الجزائر والتدخل الفرنسي). واليوم  بعض المعارضين الديمقراطيين جدا يقولون: خمسون عاما وليس هناك جمهورية، هذه هي المبالغات. وكان بودي لو وقعت دعوتي إلى الندوات التي تم تنظيمها حول الموضوع بمشاركة رجال القانون. أما الديمقراطية التي يتباكون عليها فقد أوصلت أيضا هتلر إلى الحكم. وأعترف أني لست ممن تسحرهم أغنية الديمقراطية، ديمقراطية النخبة وليس ديمقراطية الأعماق التي توفر للناس ما يدافعون عنه، وبالنسبة لي، الحرية هي الأصل والغاية، أما الديمقراطية فهي آلية وأداة وأسلوب وطريقة. ولذلك كنت أردد دائما في خطبي أننا في بداية البداية.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “أحمد بن صالح في حديث للوحدة : أنا من كتب إعلان الجمهورية”

  1. أتشرفك بزيارة مدونتي وإطلاع على فيديو مايكل جاكسون يرقص علي إيقاعات تونسية على رابط تالي http://benkarim.maktoobblog.com/

  2. احترم في مذكرتك انها شأن توونسي داخلي

    انت مدعو لقراءة ادراجنا الجديد .. مرحبا بك

  3. رانية،

    صرت متابعا دائما لمدونتك منذ إدراجك لقصة استيلا قيتانو ” خرائط لعوالم مجهولة” .

    وأشكر لك إتاحة الفرصة للتفاعل معك في موضوع المهدي المنتظر، رغم أنني لا أحبذ عادة الخوض في مسائل ” عقائدية ” أو ” غيبية” .

    مع المودة والتقدير والسلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر