الصحفي والدولة…الحقيقة والمصلحة
كتبهاعادل القادري ، في 30 أغسطس 2007 الساعة: 08:57 ص
قد لا يكون من قبيل الصدفة تزامن الندوة الصحفية التي عقدها هذا الأسبوع النائب العام الروسي يوري تشايكا، حول إيقاف عشرة مشتبه بهم في اغتيال الصحفية الروسية آنا بوليتكوفسكايا في أكتوبر الفارط، مع الذكرى الثالثة لمأساة بيسلان التي راح ضحيتها منذ ثلاث سنوات 376 شخصا، من بينهم 186 طفلا. في تلك الحادثة الدموية التي أعطى خلالها الرئيس فلاديمير بوتين أوامره للقوات الروسية بالمداهمة العسكرية المتسرعة للمدرسة بدعوى إنقاذ الرهائن من مختطفيهم قبل فوات الأوان، كانت الصحفية آنا بوليتكوفسكايا التي تحظى بمصداقية لدى الشيشانيين في طريقها للتفاوض مع أتباع شامل باساييف، ولكن تم منع وصولها إلى بيسلان بعد تعرضها في الطريق لعملية تسميم كادت تودي بحياتها آنذاك. وقد استغلت السلطات الروسية تلك الحادثة لمزيد إحكام قبضتها على منطقة القوقاز.
ولعله من المثير للاستغراب أن يكون الدافع وراء اغتيال هذه الصحفية افتعال أزمة بالبلاد أو تقويض استقرار روسيا كما جاء على لسان السيد تشايكا، الذي نراه يناقض رأي بوتين منذ عام في ألمانيا حين علق على اغتيال بوليتكوفسكايا في 3 أكتوبر 2006 مقللا من شأن تأثير القتيلة في الحياة السياسية الروسية ملاحظا أنها معروفة لدى المنظمات الصحفية وحقوق الإنسان الغربية أكثر منها في روسيا. كما يصعب تلمس خيوط العلاقة بين اغتيال صحفية رميا بالرصاص في مصعد العمارة التي تقطن بها في موسكو، في الفترة التي كانت تعد فيها تحقيقا مصورا حول التعذيب في الشيشان، ، وقتل ديبلوماسيين روس في العراق بعد اختطافهم، في إطار مؤامرة دولية كبرى ضد روسيا.
ويبدو أن اختيار توقيت الإعلان ذي الطابع السياسي جدا من طرف السلطات القضائية الروسية (التي شكك الكثيرون في استقلاليتها)، لم يكن اعتباطيا أو بمحض الصدفة، وإنما لتخفيف أي تعاطف داخلي مع ذكرى الصحفية المغتالة والتي غطت فظاعات الحرب على الشيشان وكانت من الروس القلائل المتفهمين لمعاناة الشعب الشيشاني، أما التهم في اغتيال آنا بوليتكوفسكايا فهي موجهة أيضا بالأساس حسب التحقيقات الرسمية، إلى أشخاص من أصول شيشانية، من المتعاملين مع السلطات الروسية وأجهزة مخابراتها التي قدمت، بلغة تفهمها الولايات المتحدة، الحرب في الشيشان على أنها الجبهة الروسية في الحرب على الإرهاب العالمي... وهذا ما دفع أحد زملاء الضحية، في صحيفة (نوفايا جازيتا) الليبرالية التي كانت تعمل بها، إلى التشكيك في هذه الاتهامات الملقاة على الخارج مذكرا بالأساليب القديمة التي كان يتبعها الاتحاد السوفياتي الذي كان يوجه أصابع الاتهام إلى الغرب في كل مشكلة تقع بالبلاد. وهنا لا بد من الاعتراف بضرورة عدم الاستهانة بجدية تلك الاتهامات في الكثير من الحالات، في ضوء المخططات الغربية الجارية إلى اليوم، لإثارة الانقسامات والنزاعات الداخلية وتفكيك الدول.
ويذكر أن آنا بوليتكوفسكايا، ، قد تحصلت سنة 2002 على جائزة دولية نسائية للشجاعة في الصحافة وعلى جائزة أولف بالم لحقوق الإنسان سنة 2004، وقد ألفت كتابين عن الشيشان (رحلات إلى جهنم، الشيشان: العار الروسي) أردفتهما قبل اغتيالها بفترة قصيرة بكتاب يحمل عنوان (روسيا حسب بوتين) وقد حملت فيه بشدة على الرئيس بوتين وسياسته.
ومن الواضح أن الصحفية الروسية، قد سقطت ضحية أكبر معضلة يمكن أن يواجهها صحفي حر، وهي أن تتعارض الحقيقة أو المعلومة التي يسعى إليها ويود نقلها إلى الرأي العام مع مصالح الدولة التي ينتمي إليها. خصوصا إذا تم إسباغ الصفة العليا أو الأمن القومي على تلك المصالح التي قد لا تكون سوى مصالح بعض مراكز القوى في الدولة. وإذا كان من المبادئ الأساسية للصحفيين أن لا يخضعوا لأي مصلحة إلا حق الجمهور في المعرفة، فإن شرط التزام الدقة والنزاهة والاستقلالية في نقل المعلومة من طرف الصحفي، غالبا ما لا يكون كافيا لمنع تدخل الدولة (رغم أنف المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) في عمل الصحفيين والتضييق عليهم، وقد يصل الأمر في العديد من الحالات إلى السجن أوالقتل كما في هذه الحالة التي لم تكن الأولى في روسيا بل الثالثة عشر منذ سنة 2000 و تم معظمها بعقود مع قتلة محترفين.
وحسب لجنة حماية الصحافيين الدولية فإن أكثر التهم الشائعة المستخدمة ضد الصحفيين واعتقالهم على مستوى العالم، هي إطلاق مزاعم "مناهضة للدولة"، بما في ذلك تشويه السمعة، وإفشاء أسرار الدولة لصالح العدو، والتصرف ضد مصالح الدولة. " ولكن الحقيقة أقوى من الدولة وأبقى من المصلحة الراهنة. وحيث يخشى من الحقيقة يشتد قمع الصحفيين وتكميم أفواههم. ولذلك فإنه من واجب أي صحفي حر وحريص على مصداقيته و يرفض التبعية للدولة أو أن يكون مجرد بوق أو مزين لها، ويأخذ على محمل الجد اعتبار الصحافة سلطة رابعة ولسان حال المجتمع المدني بامتياز والرقيب على الحكومة، أن يبذل الجهد والتضحيات من أجل الكشف عن مختلف التجاوزات والانحرافات التي قد يقع فيها ممثلو الدولة والناطقون باسمها وباسم الشعب، حتى وإن اتهم ظلما بالخيانة، ولنفترض أن دولة ما تورط بعض مسؤوليها الحكوميين في عملية قتل جماعي ضد مجموعة سكانية معينة فتولت الصحافة المحلية كشف الجريمة وتولت القوى السياسية الوطنية بمساءلة الحكومة ومعاقبة المجرمين، فهل ترى ستكون في وضع أسوأ من دولة قامت حكومتها بنفس الجريمة ولم تقع المتابعة الصحفية والمساءلة السياسية المحليتين بل قام مكانهما فضح خارجي للحقيقة و تضخيم لها وتدخل خارجي باسم الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات، كما أن الأجيال القادمة المعنية لن تنسى أبدا مثل تلك الجرائم، ما لم يكشف عنها ويقع الاعتذار الرسمي. وإن كانت الوقائع والمؤشرات اليوم تميل إلى التأكيد أن الصحافة المعاصرة (وعلى رأسها وكالات الأنباء) هي عموما تحت أيدي الدولة، بما في ذلك الدول الديمقراطية العريقة، الخاضعة بدورها لهيمنة الشركات الكبرى والرأسمال العالمي، و يمكن لها متى شاءت أن تغمض العين أو تفتحها على الجرائم والتجاوزات في الداخل أو الخارج، حسب مصالحها، حتى بعد سنوات…
ومع ذلك، فإن عشاق الحقيقة والحرية والعدالة والسلم والتضامن الإنساني، سواء تعلق الأمر بالصحفيين من أمثال آنا بوليتكوفسكايا، أو بممثلي الدول كوزيرة الخارجية السويدية الراحلة آنا ليند القريبة منها شكلا وعمرا وضميرا والتي اغتيلت بدورها سنة 2003، بعد وقوفها بقوة ضد التدخل الأمريكي في العراق وتنديدها بالجرائم الصهيونية المتكررة في لبنان وفلسطين، هم الذين سيعبرون دائما بجدارة عن المصلحة العليا المستديمة لشعوبهم ولدولهم وللإنسانية جمعاء.
عادل القادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 2nd, 2007 at 2 سبتمبر 2007 9:19 ص
الاخ عادل
أجمل تحية
فعلا هي مهنة المتاعب ولكن من غير المقبول ان تصل الامور الى التصفية الجسدية.
الفساد وعدم الشفافية هما اللذان يحاربان الكلمة الحرة في كل مكان.
هم لا يلجؤون عادة. الى القتل الا اذا عجزوا عن شراء ذمة الصحفي المغدور.
سبتمبر 3rd, 2007 at 3 سبتمبر 2007 1:37 م
الأخ صلاح،
أوافقك تماما ، فقد اقتصر مقالي على جانب واحد مما يواجهه الصحفي.
وكالعادة الترغيب يسبق الترهيب.
وفي الصراغ الخالد بين المال والإنسان ، علينا أن نختار.
شكرا جزيلا على التعليق الرائع.
والسلام