ثقافة السلام وثقافة المقاومة: تعارض أم تكامل؟ (1 )

كتبهاعادل القادري ، في 4 أكتوبر 2007 الساعة: 13:19 م

 

نظم منتدى التقدم بالتعاون مع لجنة مناهضة التطبيع ودعم المقاومة لحزب الوحدة الشعبية بمقر جريدة الوحدة يوم 21 ستبمبر 2007 لقاء فكريا تحت عنوان : ثقافة السلام وثقافة المقاومة: تعارض أم تكامل؟ شارك فيه عدد من الإعلاميين والمناضلين الحقوقيين والسياسيين، وتولى  افتتاحه السيد حسين الهمامي عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الذي أوضح أن موضوع هذه الحلقة من المنتدى ليس مرتبطا فقط بما حدث أخيرا من جدل ساخن حول مشاركة جريدة الصباح في مسابقة متوسطية للأطفال حول السلام ترعاها مؤسسة إسرائيلية. مؤكدا حق الشعوب في أي منطقة من العالم في المقاومة، حيث لا يمكن إقامة سلام في ظل احتلال، باعتبار أن السلام المنشود هو السلام العادل، ولئن بيّن التاريخ قيام تفاوض مع العدو بالتوازي مع تواصل المقاومة وحرب التحرير مثلما وقع في الفيتنام والجزائر  فإن النصر كان دائما لخيار الشعب والمقاومة و استرجاع السيادة والحقوق. وأكد على ضرورة عدم  الخلط بين المقاومة والارهاب الذي أصبح منذ 11 سبتمبر ورقة ضغط وتشويه ضد المقاومة.  

السيد خميس الخياطي (الكاتب الصحفي والناقد السينمائي) اعتبر أن هذا الحوار (في إطار منتدى التقدم) بمرجعيات ومفاهيم مختلفة هو حوار غير مألوف في تونس وقد تردد كثيرا في قبول الدعوة،  ثم أوضح دواعي دخوله في الجدل الأخير الذي أثارته مشاركة جريدة الصباح في المسابقة المذكورة، مبينا أنه أراد مساندة الصديق والزميل زياد الهاني الذي تعرض لتهجمات مجانية واتهامات وصلت حد التخوين وتأكيد أنه ليس وحده الذي يفكر بتلك الطريقة التي تذكره بما تعرض له هو نفسه من اتهامات منذ سنة 1976 أيام عمله مع مجلة اليوم السابع التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وكذاك في برنامج ثقافي فرنسي وكان يلتقي ويتحاور مع سينمائيين وكتاب إسرائيليين بصفتهم الإبداعية و كان بعضهم يدعو إلى أشياء تطالب اليوم منظمة التحرير بأقل منها ولم يكن يتردد في التعبير بحرية عن رأيه المخالف والمغضب لهم أحيانا (كاعتباره شريط سينمائي حول المحرقة بأنه تسويق للذاكرة) كما تحدث عن زيارته إلى إسرائيل وقد مثلت له تجربة ثرية، أتاحت له دخول أماكن لم يكن يحلم بدخولها ومقابلة أشخاص ما كان له أن يقابلهم. وأبرز انطلاقا من تجربته الشخصية كمثقف تونسي مستقل ليس في بلد مواجهة، وجهة نظره المتعلقة بمفهوم التطبيع معتبرا أنه لا يهم إلا العلاقة بجهات رسمية وممثليها وهذا لم يحصل معه ولا يزال رافضا له. وإذا كان للحوار منطلقات حرة وفردية وقواعد من المساواة وحسن النية و أذن صاغية ورغبة مشتركة في الوصول إلى شيء معين وليس مساومة فإن المفاوضات عمل سياسي مسؤول باسم جبهة أو حزب أو مؤسسة أو حكومة. مبرزا الجانب الحضاري والثقافي في الحوار، حيث تخضغ السياسة للثقافة بمعناها الواسع ويتم التحاور مع الآخر ككائن إنساني كامل. 

كما أكد أن عملية الحوار ليست استسلاما والحوار مع الآخر ليس تطبيعا، بل هي نوع من المواجهة بمواد وأساليب وبأسلحة أخرى فكريا وإعلاميا ما دام يسمح بمعرفة العدو، ولا يهم الحديث حتى مع الشيطان طالما أن التمسك قائم بالمبادئ الأساسية (حق العودة وإرساء الدولة الفلسطينية و القدس ) كما يمكن من خلال المحاورة إصلاح المعلومة الخاطئة والأفكار المسبقة لدى الآخر الثالث (من غير اليهود) مشيرا إلى الدور القوي للجاليات اليهودية الضاغطة خارج إسرائيل وخاصة في الولايات المتحدة. وأوضح أنه ليس ضد عمل المقاومة شريطة عدم إيذاء المدنيين كما في الأسواق حيث تسبب خسارة كبيرة جدا سياسيا على مستوى الرأي العام العالمي.

الأستاذ أحمد الكحلاوي (النقابي و رئيس اللجنة الوطنية لدعم المقاومة) بدأ مداخلته بالتذكير أن  السلام عقيدة وثقافة وعمق إنساني وقيمة متأصلة في الأمة العربية وهي الأكثر استعمالا  في العالم لمصطلح السلام. أما على مستوى  العلاقات العامة أو الدولية فإن السلام يعني بالنسبة إلينا أن نحترم الآخر ولا نعاديه لأسباب مجانية أو تافهة إذ يقول لنا ديننا (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) ولكنه يدعونا كذلك إلى المعاملة بالمثل في حال إخراجنا من ديارنا، ولأن أشد الظلم هو اغتصاب الأوطان واحتلال الأرض، فإن ما حدث في  فلسطين ظلم فادح ، متسائلا كيف يطالبنا البعض بأن نتسامح مع هذا العدو ونتصالح معه وهو يحتل أرضنا ولم يتوقف عن قتل العرب والفلسطينيين منذ ستين عاما بل أكثر، وكيف نمد يدنا لمصافحة جلادنا  بدعوى التسامح والسلام. وأكد أن السلام والاحتلال أمران متناقضان لا يلتقيان وحلّ هذا الإشكال لا يتم إلا بزوال أحد التناقضين : إما هزيمتنا وإعلان استسلامنا الذي له مقدمات تبدأ بالحوار وعملية التطبيع مع جيراننا الاسرائيليين، وإما انتصارنا باسترداد حقوقنا… ويرى الأستاذ الكحلاوي أن هدف الأعداء مما يسمى بالسلام هو شرعنة الاحتلال وجعل العرب يعترفون بالرغم عنهم بهذا الكيان المصطنع الذي زرع غصبا فوق أرضنا العربية، والسلام عندهم مجرد مناورة وشعار للاستهلاك الإقليمي والدولي و ترهات لربح الوقت ومزيد استيطان الأرض وهدم بيوت الفلسطينين وإلحاق الأذى، أما المفاوضات فلم تأت إلا بمأساة تلو المأساة،، وذكر بقول اسحاق شامير بأنهم على استعداد لمفاوضة العرب لمائة عام قادمة. أما مقولة السلام مقابل الأرض فقد جاءت على لسان بن غوريون بعد قيام الكيان الصهيوني ذي الطبيعة الإجرامية منذ أن قام. ثم قدم نبذة تاريخية حول إنشاء الكيان الصهيوني ودور العصابات الصهيونية الإرهابية مثل الهاغانا وشتيرن في ذلك، والدور الانكليزي في الشرق الإسلامي الذي يعتبر مجالا حيويا لأوروبا وأمريكا و خطتهم في المنطقة لخلق قوة صديقة للاستعمار ومنع قيام دولة عربية حديثة على تخوم أوروبا ووأد الثورة العربية وزرع كيان غريب وظيفته فصل المشرق العربي عن مغربه و ابتزاز المنطقة وتدمير كل المحاولات للنهوض بالأمة… لكل ذلك يجدر القول إن الكيان الصهيوني ليس جارا طبيعيا بل عدو ولا حوار ولا سلام مع من يحتل الأرض مشيرا إلى أن هم الكيان الصهيوني  هو الأمن ولا شيء سوى الأمن 

ثم ردّ السيد الكحلاوي على بعض المقالات المدافعة عن مشاركة جريدة الصباح في المسابقة معتبرا أنها مسابقة سياسية ترعاها جهة سياسية و أن حمامتهم ملطخة بدماء العرب، واصفا بيريز راعي المسابقة وأحد قادة الكيان الصهيوني بأنه مجرم حرب (مثل مسؤوليته في مجزرة قانا وعملية عناقيد الغضب) . واعتبر أن المشاركة التونسية في هذه المسابقة تطبيع ثقافي وإعلامي وشبابي حيث أن المنظمين يطلبون إرسال وفود من الأطفال إلى ملقة في إسبانيا وليس مجرد إرسال صور ورسوم، مؤكدا أن  أطفالنا هم ثروتنا القادمة وبناة مستقبلنا ومخزوننا الاستراتيجي، وتساءل  هل ندفع بأطفالنا إلى بيريز حتى يتعلموا كيف يستسلموا لهذا  المجرم أم نربيهم على الصمود المقاومة كما تعلمناها نحن والأجيال السابقة… وأعرب عن ارتيابه في أن تكون المقالات "التطبيعية" حملة منظمة وليست مجرد تطوع من بعض الأفراد للدفاع عن الصحيفة  فربما وجد بعض الأشخاص بتونس في مشاركة الصباح فرصة لإعلان مواقفهم ، منددا باتهام الواقفين ضد الاحتلال بالظلامية، مذكرا بإعلان الجلبي أن احتلال العراق تحرير وقول جنبلاط إن مشكلته مع سوريا وليس مع إسرائيل. ثم توجه بنداء إلى كل الإعلاميين التونسيين منبها إلى ما قاله سفير الكيان الصهيوني في موريطانيا (الشعب الموريطاني لن يقبل بالتطبيع إلا إذا قبل إعلاميوه بالتطبيع) ودعاهم إلى نصرة الأمة والدفاع عن ثقافة المقاومة وليس فك التعبئة من أجل ما يسمى بالسلام مع عدو يعادي السلام.

في المقابل دعا السيد زياد الهاني (عضوالهيئة المديرة لجمعية الصحفيين) إلى استكشاف إمكانات جديدة لمستقبل يجعلنا نتفادى الانكسارات السابقة و إعادة النظر في خياراتنا و أساليب مقاومتنا، ومع تقديره لمواقف الأستاذ أحمد الكحلاوي ومسيرته النضالية فقد أعتبر أن الحماس والعواطف الجياشة والشعارات وحدها لا تحل المشاكل. وإجابة عن السؤال المركزي للندوة فقد أعرب عن اعتقاده بأن لا تعارض بين السلام والمقاومة، معتبرا أن الايمان بالمقاومة ودورها هو الفيصل بين الدعوة للسلام والدعوة إلى الاستسلام داعيا إلى توضيح المقصود بالسلام، مرجحا أولوية  التمسك بالشرعية الدولية (مثل القرار181) . كما أكد موقفه إزاء المشاركة في المسابقة المعنية بالجدل متسائلا أيهما أجدى وأفضل أن نغيب عن هذه التظاهرة ونفسح الباب للوهم والتزييف بأن يحاربنا في مبادئنا ، وأن نغيب عن التظاهرة أم نحث أطفالنا حتى في أقصى أريافنا ، ونشجعهم على رسم حمامة جريحة ، كما قالت له طفلة تونسية تريد أن ترسم موت طفلة فلسطينية على حاجز اسرائيلي منع سيارة الإسعاف من الوصول إلى المستشفى، و أشار إلى أن أطفالنا ليسوا في حاجة إلى أدلجة لأنهم يعيشون معنا ويتابعون نفس الوجع. واعتبر أنه من الخطأ التعامل مع الطرف المقابل ككتلة واحدة ومن الضروري العمل على فتح ثغرات وبناء عناصر ارتكاز لتوسيعها، والهدف يبقى دائما  أن نحقق سلاما يسترجع به أصحاب الحق حقوقهم ، ولم يخف تفاؤله بأن مسيرة الأمة العربية تصاعدية خصوصا بتراجع نسبة الأمية (عدد المهندسين يفوق عدد سكان دولة اسرائيل) ومستقبلها ليس قاتما كما يتصور البعض مشيرا في المقابل إلى التغير المنتظر بالنسبة إلى الوضع في المنطقة في السنوات القادمة مع توقع نضوب النفط خلال 30 عاما وشروع  الولايات المتحدة في البحث عن طاقات بديلة في الفضاء (القمر والمريخ). وأكد السيد زياد الهاني أننا بصفتنا أصحاب حق وطلاب حق  ليس لنا مشكلة في أن نذهب إلى أقصى بقاع الأرض للمحاورة والمناقشة مؤيدا في ذلك السيد خميس الخياطي. ودعا في المرحلة الراهنة إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار نقطتين: الموقف السوري وإمكانية فتح المفاوضات بين سوريا واسرائيل، وموقفها المحدد للمقاومة اللبنانية، ونفس الشيء بالنسبة للمقاومة العراقية،حيث يرى بعض المحللين الاستراتيجيين الجانب الأكبر منها قد سقط في يد إيران. واختتم زياد الهاني تدخله  بالتذكير بتجربتي اليابان وألمانيا اللتين دمّرتا في نهاية الحرب العالمية الثانية ومورست ضدهما أقصى درجات الإذلال القومي ، ولكنهما استطاعتا بالرغم من مرارة الهزيمة وحجمها التعامل مع الواقع والمنتصر بذكاء وإصرار ومرونة والنهوض من جديد.  مؤكدا على حاجتنا إلى تعميق وعينا بإشكالية الهزيمة وضرورة التمييز بين الإقرار بالهزيمة والذي يعني التسليم وبين الوعي بالهزيمة الذي يعني الإدراك والبحث عن طرق تلافي الضعف والخروج من الهزيمة.

 

ملاحظة: نواصل في العدد القادم تقديم تدخلات السادة نصرالدين بن حديد وسفيان شورابي وعبد الناصر العويني ومحمد فاتح الكافي وعادل الحاج سالم وناجي البغوري وشوقي الحلفاوي.

كما يمكن الاستماع إلى المداخلات المقدمة في هذا المنتدى كاملة عن طريق الإذاعة الالكترونية صوت الوحدة بموقع الواب لجريدة الوحدة.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ثقافة السلام وثقافة المقاومة: تعارض أم تكامل؟ (1 )”

  1. le rapport de force fait que cette manifestation organisée par des israéliens autour du thème de la paix, est gérée médiatiquement par eux. or les organisations culturelles israélienne sles plus attentionnées envers “la petite colombe” de la paix, sont au service de l’etat sioniste en fin de compte. une discussion dans un cadre d’égalité, genre manifestation organisée par une organisation ou un acteur neutre, sans appartenance reconnue, ok, même s’il y a aussi des participants israéliens, à condition qu’il soient des simples participants. mais quand la manifestation est menée par une organisation reconnue comme “israélienne”, c’est que nous ne pouvons pas en gérer les résultats, ^parce qu’ils ont sont les propritétaires tout simplement. donc non à la participation à ce genre de pseudos luttes artistiques pour la paix.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر