ثقافة السلام وثقافة المقاومة: تعارض أم تكامل؟ (2 )
كتبهاعادل القادري ، في 6 أكتوبر 2007 الساعة: 13:06 م
نواصل فيما يلي تقديم اللقاء الذي تم في إطار منتدى التقدم يوم 21 سبتمبر 2007 تحت عنوان: ثقافة السلام وثقافة المقاومة: تعارض أم تكامل؟ وقد تضمن العدد السابق من جريدة الوحدة مداخلات السادة خميس الخياطي وأحمد الكحلاوي وزياد الهاني.
السيد نصر الدين بن حديد ( صحفي) أعرب عن تحفظه على عنوان الندوة الذي يوحي بأننا أمام معسكرين وكأن السلام يتناقض مع المقاومة مفضلا استعمال ثقافة الحوار مع الآخر عوض السلام، وبعد أن أكد عدم انزعاجه من الجزء الظاهر من التطبيع الذي ينظر إليه البعض كجزء من الحداثة والتقدم طرح سؤالا اعتبره استراتيجيا بالرجوع إلى أصل القضية والصراع: هل إن الآخر(المغتصب للأرض) قابل للحوار؟ في ظل واقع عربي يستبطن الهزيمة ويجعل منها ثقافة الأخلاق الحميدة وحسن النية واللهاث وراء الآخر وضمير عربي موبوء لا يعترف بخيانته واتكال الطرف العربي الرسمي على محاولة استغلال فائض قيمة أخلاقي لدى الأمريكان والصهاينة علهم يعطونا يوما ما شيئا ما، مقللا في نفس الوقت من حجم نظرية المؤامرة في تفسير التاريخ، ملاحظا أن الفكر الصهيوني حين انهزم وشعر أن مشروعه آيل حتما للسقوط ارتد إلى الأسطورة، واستنادا إلى مقولة إن الانتظار نصف الهزيمة، فإنه لم ير في مناهضة التطبيع بالشكل الذي عشناه في تونس إلا صيحات فزع بين الفينة والأخرى ووقفة المتفرج وقفة "حراس عباد الشمس" أو "حراس الهيكل"، بعيدا عن المقاومة كفعل تدبير وصنع حداثة من نوع غير مألوف واشتغال في صمت (على طريقة حزب الله)، وإذا وضعنا التطبيع والسلام في يد، فعلى دعاة الحوار أن يقبلوا بأن نضع المقاومة والسلاح في يد أخرى كبديل، وهذا ما يبدو أنهم لا يقبلونه.
وفي سياق متصل بتدقيق المفاهيم، طرح الأستاذ عبد الناصر العويني (محامي وباحث في القانون الدولي)، الذي يقف ضد التطبيع بكل أشكاله، سؤال أي سلام؟ منطلقا في إجابته من الفيلسوف الألماني كانط (في مشروع سلام دائم): " ينبغي ألا نعتبر أي معاهدة صلح أو سلام على أنها كذلك إذا كان أطرافها قد احتفظوا ضمنيا بحق اللجوء إلى حرب جديدة" حيث أن السلام يتم بين قوتين في لحظة معينة حينما تصبح الحرب غير ذات جدوى لكلا القوتين السياسيتين، و ليس بين أطفال أو رجال أو نساء أو مكونات مجتمع مدني. وأكد أن ما يسمى بدولة إسرائيل لا ينطبق عليها أي شرط من شروط الدولة الحديثة من حيث التأسيس والدستور و الشعب في كل العالم والحدود الفعلية والحكومة المدنية (هيئة أركان حرب هي التي تحكم) والمواطنة، معتبرا أنها كيان مارق مارس كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية والإبادة والتعذيب واغتصاب الأرض والجدار العازل واستعمال أسلحة محرمة وكذلك اضطهاد مواطنيها (مثل مردخاي فانونو، والتمييز اليهودي اليهودي…)، مذكرا أن الآخر هو من له الاستعداد للقبول بك، وهذا ليس واردا مع العدو الصهيوني… وذكر بحصيلة تجارب السلام معها، مثلما شهدته مصر من اختراقات وشبكات جاسوسية وتلويث زراعات ومؤامرات تحاك ضد أمنها واقتصادها وثقافتها. واعتبر أن محاولة تصدير حالة العداء للكيان الصهيوني إلى المربع النفسي وكأن لنا عقدة معه، شكلا من أشكال تزييف الوعي، مؤكدا أن المقاومة ليست حالة عصابية أو تغطية على حالة هزيمة بل هي سلاح لا بد منه لحماية الذات من الصهيونية ومن حكامنا الذين تآمر بعضهم لإلغاء الفلسطيني. وأشار إلى تهجير الشعب الفلسطيني من بلد إلى آخر وصولا من العراق إلى ساوباولو وذكر المشككين بأن اغتيال أبو عمار وهو رمز من رموز السلام لا يمكن أن يكرس ذرة من الثقة لدى أي ذي عقل في الدعوة إلى السلام. وحتى بالمفهوم البراغماتي غير الايديولوجي لا يبدو خطاب السلام ناجعا أو مجزيا متسائلا عن كيفية بناء هذا الخطاب وتسويقه مع من يخبئ الخنجر وراءه. أما في مسألة التخوين فأوضح أنه ضد منطق التجريم وإنما يتعلق الأمر بخيانة المبدأ والقضية، مؤكدا وقوفه ضد المثقف الذي لا ثوابت له المبحر في كل اتجاه… و الذي يقلب الحقائق والواقع، بدعوى تعدد وجهات النظر، كأن يزعم بأن بلادنا ديمقراطية.
السيد سفيان الشورابي (صحفي) عبر عن خيبة أمله في الاستماع إلى موقف جماعي في تونس ضد عملية التخوين والرمي بالعمالة للمختلفين معنا في الرأي دون مبرر أو قرينة حيث وصل الأمر إلى المطالبة بالإحالة على القضاء، مؤكدا وجود اسرائيل كدولة حديثة ديمقراطية أحببنا أم كرهنا ، ولكن الإشكال يبقى في كيفية التعامل معها، متسائلا عن جدوى مواصلة التصرف على أساس أن اسرائيل غير موجودة أو إلقاء اليهود في البحر ، مشيرا إلى أن المقاومة ليس فقط تفجير سيارات مفخخة، إذ يمكن أن تكون مقاومة سلمية بأشكال متنوعة (مثل غاندي في الهند أو القضاء على الميز العنصري في جنوب إفريقيا).
الأستاذ عادل الحاج سالم (عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية) تحدث بصفته الشخصية عن معرفته بالطرفين المعنيين بالجدل الأخير الذي أثارته مشاركة جريدة الصباح، مستنكرا عملية قذف بعضهم بالعمالة والضلوع في مؤامرة خارجية لمجرد الاختلاف في الرأي، وهم براء من ذلك كما تشهد لهم نضالاتهم في مناسبات عديدة. وأوضح أنه حرص على أن ينأى بنفسه عن الخوض في مثل هذه السجالات التي تعكس تردي الخطاب السياسي بين أبناء الوطن الواحد. معتبرا أنه ليس لنا في تونس تيار واضح يدعو إلى التفاوض مع الكيان الصهيوني وإنما هي مقالات ومواقف تحاول أن تضعنا أمام حقائق وتصدمنا بواقع، وقارن بين نسبة الأمية في الأقطار العربية والميزانية التي تنفقها إسرائيل على التعليم، وهي في المراتب الأولى عالميا، وكذلك بين ديمقراطية إسرائيل وإمكانية وجود جمعيات وأحزاب وسماع الصوت المختلف، وبين السلطة الاعتبارية المبالغ فيها لوزارة الداخلية عندنا، متسائلا كيف يمكن أن نحارب اسرائيل إذا بقي التداول على السلطة حلما مؤجلا جيلا بعد جيل والمواطن العربي مسلوبة حقوقه(الحق في التعبير والتنظم والتنقل)، كما طرح جملة من الأسئلة المتعلقة بإمكانية أن يتهم بالتطبيع من يقيم حوارا مع عزمي بشارة الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، أو من يقوم بعملية تضامنية مع مردخاي فانونو أو من يشجع على الهجرة المضادة من إسرائيل إلى البلدان العربية أو إقامة علاقات مع بعض الأطراف الرافضة للممارسات الصهيونية العنيفة، مؤكدا أن عملا كبيرا ما زال ينتظرنا لإقامة سلام مدني في أقطارنا العربية وفيما بينها قبل البحث عن علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني القائم على الخرافات. وإذا كانت إسرائيل قد قامت على قراء دينية وكذلك ايران و الولايات المتحدة و العربية السعودية فإن الخطر كل الخطر هو أن لا نرى أفقا للمقاومة إلا في تنظيمات دينية سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان أو غيرها… فالعنف الذي مارسه الكيان الصهيوني منذ نشأته وقبلها له تأثير كبير على هذا التوجه نحو الانغلاق الديني.
السيد محمد الفاتح الكافي (صحفي) جزم بأن من يحلم أن ما يسمى بإسرائيل ستتفاوض مع ما سيسمى بالنسبة لها دولة فلسطين فهو واهم، لأن تشخيص الوضع الحالي يبين أن هذا الكيان ما زال يهجر إلى أرض فلسطين اليهود والخبرات اليهودية من جميع أنحاء العالم مع التزايد الديمغرافي الداخلي وما يحتاجه ذلك من توفير المزيد من عنصرين أساسيين: الماء والأرض. وهو لن يرضى بقيام دولة إضافية إلى جانبه اسمها فلسطين. أما مبادرات السلام التي ترمى إلينا كدمى تلهينا وتوهمنا بأنها قضايا كبرى باسم السلام والمعاني الإنسانية السامية، فهي في الحقيقة نوع من طمس الوعي لدى العرب الذين لم يصلوا إلى مستوى التفكير الاستراتيجي الذي يمتلكه الآخر.
السيد ناجي البغوري (عضو الهيئة المديرة لجمعية الصحفيين التونسيين) طرح سؤال الانتماء والهوية مشيرا إلى أن الوطن العربي أو ما يطلق عليه العالم العربي هو أكبر رقعة جغرافية في تاريخ الانسانية عرفت اضطهادا وتكميما للأفواه وتكبيلا للأيدي. فلا مقاومة ولا حرب ولا مفاوضة ولا سلام بلا حرية. أما الذي حارب وانهزم فهو النظام العربي الرسمي الذي بقدر ما مارس الاستبداد والاضطهاد خلق أشخاصا على شاكلته. فحين طغى على السطح موضوع التطبيع ارتفعت موجة من التخوين على طريقة ما تفعله الأنظمة، كما لو أن النموذج يتكرر داخل المثقفين التونسيين أنفسهم، وكأن القضية العربية ملك خاص نحتكره. ولئن كان ضد ما قامت به جريدة الصباح فإنه لا يخوّن أحدا. لأنه ليس وصيا على القضية ولا يمتلك مفتاح حلها وإنما هو مجرد رأي، مؤكدا أن الاختلاف في الرأي هو علامة صحة وعلامة قوة، واعتبر أن الخطر الكبير اليوم أن نصل إلى الدعوة للقتل وأن الأخطر من من التفاوض أو التطبيع هو اللاوعي القائم على إلغاء كل رأي مخالف.
الأستاذ شوقي الحلفاوي (محامي) لاحظ أن الموضوع ليس جديدا مستخلصا من التدخلات السابقة في هذا المنتدى أنه يوجد شبه إجماع على المقاومة وتحديد العدو والمحتل، ولكن يبقى السؤال حول أساليب المقاومة، وتجديد كيفية التعامل معه. متسائلا بدوره عن السبب الذي يجعل المبادرات إلى السلام والندوات والمؤتمرات تأتي دائما من الصهاينة الاسرائيلين أو من بقية بلدان العالم في حين أنهم هم المعتدون. وأكد أن العدو الذي قام بنقده الذاتي، لن يتعامل معنا بندية وجدية إلا إذا كنا أقوياء وليس كمستسلمين، وهم اليوم، بعد فشلهم في ضرب مقومات الرفض رغم الهزائم العسكرية ومناهضة التطبيع الذي سقطت فيه بعض الأنظمة العربية (سفارات وعلاقات اقتصادية,,,)، مضطرون إلى التفاوض مع المقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية… وليس التفاوض مع حفنة من المثقفين هنا وهناك ومصافحتهم، وهذا أيضا ما تدركه شعوبنا وشبابنا الذي ما مازالت تعتمل فيه جذوة المقاومة وما زال يحلم بتحرير فلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة.
ملاحظة: واكبت فعاليات المنتدى قناة الحوار التونسي. كما يمكن الاستماع إلى المداخلات كاملة بإذاعة صوت الوحدة على موقع الواب لجريدة الوحدة.
عادل القادري (جريدة الوحدة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























