كيف نواجه عقلية التكفير؟

كتبهاعادل القادري ، في 16 أكتوبر 2007 الساعة: 10:27 ص

 

نظم منتدى التقدم لحزب الوحدة الشعبية بمقر جريدة الوحدة يوم الجمعة 5 أكتوبر 2007 لقاء فكريا مع الدكتورة سلوى الشرفي تحت عنوان: كيف نواجه عقلية التكفير؟ و شارك في هذا اللقاء عدد من الإعلاميين والنشطاء الحقوقيين والسياسيين الذين أكدوا بهذه المناسبة تضامنهم مع سلوى الشرفي و وقوفهم إلى جانبها وإدانتهم للحملة المنظمة العنيفة التي تعرضت لها في الآونة الأخيرة من طرف بعض الأقلام المنتمية لحركة الإسلام السياسي التونسي في الخارج وقد بلغت حد التكفير. 

الأستاذة الجامعية بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس، أوضحت في المداخلة التي قدمتها في منتدى التقدم أنها وجدت نفسها في دوامة لم تكن تتوقعها بالمرة بعد قيامها بصفتها الأكاديمية المختصة في علوم الاتصال والخطاب بدراسة علمية حول مواقع الفتاوى الموجودة على الانترنت مؤكدة أن التكفير في عرفنا الثقافي دعوة إلى القتل أو إغلاق الفم بدعوى الاستتابة، وهي تهمة شديدة الوقع اجتماعيا لا تشبه أي تهمة، فحتى قانون الصحافة الزجري لا يصل إلى الحكم بالإعدام، مع السؤال الحارق يوميا: لماذا أنت كافرة؟ إلى جانب الرسائل الالكترونية غير الأخلاقية، وقد ذكرتها هذه الحملة الشرسة بما تعرضت له السنة الفارطة من تخوين يكاد يتماهى مع التكفير حين انتقدت السيد حسن نصر الله وكأنها مسّت من ذات الله. وعبرت عن شكرها وامتنانها للمبادرين بالقيام بعريضة تضامنية معها من تونس وخارجها بما حقق لها شيئا من الأمان النفسي.

  ثم بيّنت أن من تصدر عنهم الاتهامات التكفيرية أشخاص انزعجوا من مزاحمتهم في مجال سلطة تأويل التراث التي يعتقدون أنهم يحتكرونها،  ممن لا ينتمي إلى منظومتهم الايديولوجية والسياسية ويعمل على كشف أكاذيبهم وزيف ادعاءاتهم. وتساءلت كيف يمكن لحركة سياسية (إسلامية) تزعم أنها تؤمن بالديمقراطية والمساواة وتقبل الاختلاف في الرأي وتطالب يوميا بحرية التعبير والتنظم ثم عندما تمر إلى الممارسة تصبح الكلمة المضادة لمشروعها عبارة عن تهمة يستحق صاحبها القتل،  ولئن أكدت الأستاذة سلوى الشرفي أنها لا تعارض من حيث المبدأ  استصدار قانون خاص بمعاقبة التكفير على أساس أن التحريض على القتل جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي فقد أعربت عن تحفظها في ظل الأوضاع السياسية الراهنة على اتخاذ مثل هذا الإجراء القانوني الذي يمكن أن يقع استغلاله في الاتجاهين لمزيد التضييق على الحريات، معتبرة أن كبت الحريات في ظل الاستبداد السياسي هو السبب الرئيسي لبروز ظاهرة التكفير الخطيرة كشكل من أشكال العنف والتعبير غير السوي عن المكبوت من طرف بعض المحكوم عليهم بالصمت. ولذلك فهي لا تدين الأشخاص الذين كفروها بقدر ما تدين ما اقترفوه وأمثالهم في حقها وفي حق كل فكر حر ولكن الإدانة الأولى ينبغي أن توجه في المقام الأول إلى التضييق على حرية التفكير والتعبير الذي سلط أيضا عليها وعلى العديد من المفكرين العقلانيين عند محاولتهم نشر كتبهم وبحوثهم وأطروحاتهم العلمية وإنجاز مواقعهم الالكترونية على شبكة الانترنت والتعتيم عليها وتخريبها.  مشيرة إلى أن الخطأ هو نتيجة وضع سياسي نعيشه منذ خمسين عاما لم نسمع خلالها إلا أمرا واحدا: اصمتوا. ولذلك فإن الحل الجذري في نظر الدكتورة سلوى الشرفي لمواجهة التكفير هو أن نفرض في هذه المرحلة فتح مجالات الحوار بين كل التونسيين، بقطع النظر عن انتماءاتهم السياسية المختلفة حيث لا جدوى من الحوار بين أصحاب اللون الواحد. وذلك من أجل الوصول إلى أرضية ديمقراطية متفق عليها، في صيغة ميثاق، تجوز بعده الإدانة واللجوء إلى القضاء ضد مرتكبي التجاوزات حيث لا بد من رادع. ونبهت إلى ضعف الثقافة الدينية والثقافة السياسية السائدتين عندنا، معتبرة أنه لا شيء يمنع أن تكون المحاورة من منطلق ديني تنويري أو من منطلق حقوقي حداثي فلا أحد ينفي الآخر بل يتكاملان، وأعطت لذلك مثلا مسألة المساواة في الإرث التي ترى أنه لا يمكن الخوض فيها دون الانطلاق من النصوص الدينية. كما رجحت في مسألة العلمانية الفصل بين الشأن العام (السياسة) والشأن الخاص (المعتقد) لأن الخطر قد يكون أكبر عندما ترفع الدولة يدها عن الدين (مثل تمويل المساجد الذي يمكن أن يأتي من الخارج).

 

وقد أعقب مداخلة الأستاذة سلوى الشرفي نقاش مستفيض شارك فيه السادة جلال العرفاوي ونصر الدين بن حديد ومحمد رضا الأجهوري والمختار التليلي وعبد الحق صيود وزهير الشرفي وعادل الحاج سالم وسليم الزواوي وعبد الناصر العويني وشوقي بن سالم ، تناول الأبعاد الثقافية والتاريخية والسياسية والقانونية والاجتماعية لظاهرة التكفير في ظروف نشوئها من الخوارج والصراع الشيعي السني والاتهام بالزندقة لكبار الفلاسفة والشعراء المسلمين إلى جماعة التكفير والهجرة بعد السيد قطب والحكم بجاهلية المجتمع وبعدم شرعية الدولة المستقلة المتأثرة بالقيم الغربية الحديثة وأنظمتها ودساتيرها وقوانينها الوضعية وسياساتها ومشاريع التحديث التي شكلت استفزازا ولّد لدى بعض الذين تتملكهم عقلية الجمود والتعصب رد فعل تكفيري … و حسب بعض المشاركين في المنتدى فإن التكفير لا يمكن أن يكون صنيعة مؤامرة أمريكية أو مشروع شرق أوسطي كما ذهب أحد الآراء لأن له تاريخا إسلاميا من خمسة عشر قرنا، أما خلال القرن الفارط فقد تطورت عقلية التكفير من خطاب فكري غير مسلح لدى بعض شيوخ النخبة التقليدية والمؤسسة الدينية الرسمية (مثل النظارة العلمية لجامع الزيتونة التي اتهمت الطاهر الحداد في كتابه المرأة بين الشريعة والمجتمع بالخروج عن الدين أو شيوخ الأزهر الذين فعلوا الشيء نفسه مع علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم وكذلك طه حسين في الشعر الجاهلي) إلى خطاب دموي مدجج بالسلاح منتشر لدى الأفراد من عموم الناس (مثل اغتيال الدكتور الذهبي وفرج فوده ومحمود طه ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ…) بالإضافة إلى موضوع أفغانستان وباكستان…، بينما ارتأى بعض المساهمين في النقاش عدم تهويل المسألة بالنسبة إلى تونس ودعا إلى تنسيبها بالمقارنة بين الأوضاع المختلفة حسب البلدان مع الأخذ بعين التقدير خصوصية الحقل الديني والثقافي والسياسي في تونس الذي يتميز بشيء من الاعتدال والتسامح يجعل نشر العديد من الكتب الفكرية الجريئة في مجال دراسة التراث وتأويل النصوص بوسائل ومنهجيات حديثة والتي صدرت في تونس غير متيسر في بعض البلدان الأخرى (مثل مصر)، وحرص رأي آخر على التنبيه إلى ضرورة عدم استغلال مناقشة مسألة التكفير لتصفية حسابات  سياسية مع أطراف معينة بما يحيد عن دراسة الموضوع بصفة موضوعية جادة وبناءة أو السقوط في مواجهة أصولية بأصولية مضادة أو استجداء حلول ظرفية ومستعجلة خصوصا وقد بدأت تبرز في المستوى الدولي ظاهرة الخوف المرضي من الإسلام وخلطه بالإرهاب (الإسلاموفوبيا) مع استعمال الرئيس الأمريكي لعبارات تنتمي بدورها إلى حقل دلالي تكفيري مثل محور الشر بما ينذر أننا على أبواب عصور ظلام جديدة، تفرض علينا عدم التعامل مع هذه الظاهرة الإنسانية بسطحية وفي رقعة جغرافية صغيرة مع الاكتفاء بحالة من الرضا على الذات وراحة الضمير، كما تطرق النقاش إلى عوامل بروز ظاهرة التكفير عندنا وطرق مواجهتها ومعالجتها، حيث تم تداول العديد من التصورات والمقترحات من بينها ضرورة مراجعة منظومتنا التربوية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعا واضحا في مستوى غرس الثقافة العقلانية التقدمية والتعريف برموزها، وتطوير سياستنا الإعلامية الرسمية (ولا سيما التلفزة التونسية الغائبة عن مثل هذا الحوار) المفتقرة للمصداقية والمنغلقة على نفسها أمام الرأي المخالف مما حال دون وقوفها بجدية لتكذيب الإشاعات المسيئة لتونس والقصص الخيالية المختلقة التي ما زالت تطرحها إلى اليوم بعض المواقع والأصوات التي تدعي الاختصاص والقنوات العربية على أساس أنها حقيقة ثابتة (مثل قصة فرض البطاقات المغناطيسية لدخول المساجد التونسية المكتظة في الواقع بالمصلين) و كذلك ضرورة مراجعة دور المجلس الإسلامي الأعلي وميزانية وزارة الشؤون الدينية… كما دافع بعض المتدخلين عن حق الجمعية التونسية للدفاع عن اللائكية في التواجد والعمل كإحدى آليات المجتمع المدني التونسي لمواجهة الفكر التكفيري في بلادنا حتى لا ننتظر أن تصل تونس إلى ما شهدته في مجال إهدار الدم (الرسمي والخاص) بلدان أخرى مثل مصر والسودان ولبنان والجزائر…، مع اعتبار التكفير نقيضا للحرية وليس رأيا، ويظل في نظر البعض الآخر من المتدخلين علامة جهل وتخلف اجتماعي واقتصادي و بنية ثقافية كامنة في المجتمع تجعل منها سلطه الحاكمة احتياطيا للقمع بل فاشية جماعية وارتيابا متبادلا وخطابا منتشرا حتى على ألسنة تلاميذ المعاهد يعكس أزمة انتماء وغياب حوار لم يؤسس بعد وضبابية مرجعيات وعجزا عن التعايش وعن تقاسم الفضاء وعن امتلاك الحس المدني وعن مواجهة تحديات العصر وفشلا للنخبة المثقفة المقصرة و المستقيلة وغير العضوية، كما تبقى ظاهرة التكفير أخطر أشكال الإقصاء المتعددة (في عقولنا و منازلنا وشوارعنا ومدارسنا و صحفنا  وأحزابنا بما فيها التقدمية واليسارية ودولتنا التي تبدو جميعا بلا مشروع متكامل)،  والتي لا يمكن  التغلب عليها ومقاومتها إلا في إطار أشمل هو معركة الحريات والمواطنة والتعددية وتكريس ثقافة قبول الآخر، وهي مهمة نضالية يومية للمثقف السياسي والصحفي والمربي والمبدع (في الشعر والرواية والرسم والموسيقى والمسرح والسينما…) وليست مجرد مهمة القانون والسلطة الرسمية. 

 

  عادل القادري     

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر