الانفراج السياسي والانفراج الإعلامي متلازمان
كتبهاعادل القادري ، في 7 نوفمبر 2007 الساعة: 17:25 م
نظم منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم الجمعة 2 نوفمبر الجاري لقاء فكريا مع الأستاذ الهاشمي الطرودي حول واقع الإعلام العربي وحرية العمل الصحفي. وقد ركز المحاضر مداخلته على الوضع الإعلامي في تونس من خلال الصحافة المكتوبة كنموذج من نماذج الإعلام العربي المتباينة من حيث خصوصياتها وهامش الحريات المتاحة ولكنها تتسم عموما بالتردي. وأكد أن الإعلام يلعب دورا مهما وأساسيا في التنمية ولاسيما في هذه المرحلة التي تواجه فيها كل الشعوب تحديات ورهانات كبيرة يصعب رفعها دون النهوض بالإعلام، مذكرا بأهم المراحل التي شهدتها الصحافة التونسية خلال الخمسين سنة الأخيرة. المرحلة الأولى أعقبت الاستقلال الوطني إلى حدود سنة 1962 وكانت فيها حياة تعددية وإن احتجبت عديد العناوين الصحفية فقد بقيت عناوين أخرى، و كانت صحيفة لابراس مستقلة وكذلك le petit matin و الطليعة للحزب الشيوعي و الاستقلال للحزب الدستوري القديم إلى جانب صحف أخرى تابعة للحزب الحاكم الذي بدأ يهيمن شيئا فشيئا على الفضاء السياسي والثقافي والاجتماعي، أما المرحلة الثانية فقد تواصلت حتى منتصف السبعينات تقريبا، وبدأت إثر مؤامرة 62 التي تذرع بها النظام لحظر صحافة الحزب الشيوعي وحظر العناوين المستقلة مثل منبر التقدم (tribune du progrès) التي أسسها الدكتور سليمان بن سليمان، وساد نظام الحزب الواحد والرأي الواحد وهو نظام شمولي تام، وأصبحت لابراس جريدة حكومية بعد أن اشترتها الدولة من صاحبها (هنري سماجة) ، وبالرغم من ذلك كانت هناك نضالات يسارية وظهرت بعض النشريات بصفة غير قانونية وبرزت في المهجر صحف مثل جريدة آفاق (perspectives)، وفي بداية السبعينات بعد أزمة التعاضد ظهر ما يعرف بالاتجاه الليبرالي في الحزب الدستوري و مؤتمر المنستير، لكن بورقيبة شدد من جديد الخناق وطرد رموز هذا التيار مثل أحمد المستيري ونشأ المجلس الوطني للحريات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ثم ظهرت جريدة الرأي كعلامة بارزة في الصحافة التونسية المستقلة، و تطورت الحركة النقابية التي تحولت إلى فاعلية سياسية مع حركة الإضراب العام وأحداث جانفي 1978وأصبحت رقما مهما في المعادلة فبرزت جريدة الشعب التي أصبحت تستقطب المثقفين فضلا عن النقابيين، كما ظهرت صحف المعارضة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات (المستقبل، الوحدة، الطريق الجديد) إلى جانب صحف مستقلة أخرى مثل المغرب العربي و لوفار التي تحولت إلى منابر للحوار الوطني وأصواتا تعبر عن مختلف مكونات المجتمع المدني ولعبت دورا كبيرا في ترقية الإعلام وبروز بعض الأقلام والأسماء الصحفية المتميزة و أسهمت إلى حد بعيد في نشر الفكرة الديمقراطية و ثقافة حقوق الإنسان وقد وصف البعض هذه المرحلة بالفترة الذهبية للصحافة التونسية، ثم تعززت الساحة الإعلامية بعد 1987 فظهرت البديل لسان حزب العمال الشيوعي التونسي والفجر التابعة لحركة النهضة وظهرت مجلة حقائق وذلك رغم الانتكاسة التي شهدتها الساحة الإعلامية باحتجاب جريدة الرأي ، ثم بدأ الانحسار عند مطلع التسعينات بعد إيقاف مجلة المغرب العربي ومحاكمة مديرها، و اختفت بعض العناوين مثل الفجر والبديل نتيجة محكامات استهدفت الحزبين غير المعترف بهما، وأوضح الأستاذ الهاشمي الطرودي بالرجوع إلى مقال كتبه سنة 1999 في جريدة الحياة اللندنية بعنوان ( إلغاء وزارة الإعلام لم يؤد إلى ازدهار الصحافة المعارضة والمستقلة) أن الجزء الثاني من التسعينات شهد انحسارا كبيرا لصحف المعارضة والصحافة المستقلة، فقد احتجبت بعض الصحف وتراجعت صحف المعارضة التي اضطر بعضها إلى التحول إلى جريدة شهرية مثل الطريق الجديد واستمرت صحف أخرى في المراوحة بين الظهور والاحتجاب تصدر بضعة أسابيع لتنقطع عدة شهور مثل الوحدة والوطن والموقف بينما توقفت جريدة المستقبل إثر الأزمة التي عرفتها حركة الديمقراطيين الاشتراكيين ولم تعاود الصدور، كما بدا التراجع جليا مع تخلي الصحف المستقلة عن دورها النقدي في الدفاع عن حرية الخبر وتقلصت إلى حد بعيد المساحات المخصصة للتحليل السياسي واحتضان الآراء والمواقف الفكرية المختلفة، وكان الوضع الصحفي غير طيب بالمرة في هذه الفترة التي وصفها أحد الصحفيين العاملين بجريدة معارضة بالبؤس قائلا:(حاولنا التطرق إلى المباريات الرياضية وأخبار النجوم الفنية والاكتفاء في مجال الأخبار السياسية ببرقيات وكالات الأنباء الرسمية، فخسرنا جمهورنا الأصلي من الانتلجنسيا ولم نكسب جمهورا جديدا من الفئات الوسطى، أما في الفترة الأخيرة فصرنا نتحاشى معظم المواضيع السياسية اتقاء الرقابة فهجرنا المثقفون (الجامعيون والمحامون والطلبة …) وهكذا خسرنا من الجهتين). وحتى الدوائر المسؤولة نفسها كانت تتحدث عن أزمة الإعلام بما يعني أن التشخيص يكاد يكون منسجما بين مختلف الفرقاء السياسيين، ولكن الاختلاف كان في تحميل المسوؤليات فالحكومة كانت تقول إنها لا تمارس الرقابة وترجع الأمر إلى الرقابة الذاتية للصحفيين وترمي الكرة في ملعب المعارضة وأرباب الصحف. ثم استأنفت صحف المعارضة صدورها في نهاية التسعينات بعد إصدار قانون تمويل الأحزاب المعارضة وصحفها (قانون 1997) وقد ساعد هذا الإجراء بعض الصحف رغم استثناء الأحزاب غير البرلمانية والكثير لاحظوا أنه استثناء غير مبرر وأكدوا حق جميع الأحزاب التي تتمتع بالتأشيرة القانونية في ذلك الدعم العمومي.
ولئن شهد الإعلام التونسي في ذلك الحين بعض المحاولات والاجتهادات فإنه لم يتطور عموما بالقدر الكافي و لم يعد إلى عافيته أو إلى المستوى الذي كان عليه إبان ما يعرف بالعهد الذهبي للصحافة التونسية (بداية الثمانينات) ، وعندما نطالع أدبيات المعارضة والمنظمات الحقوقية نجدها تشدد على أن أزمة الإعلام مرتبطة بالانحسار الذي تشهده الحياة السياسية وتؤكد على هذه العلاقة الجدلية، وترجع أسباب المصاعب والمعوقات التي حالت دون طفرة إعلامية جديدة إلى استمرار الطابع الزجري والتضييقي لقانون الصحافة رغم بعض التعديلات والمرونة في الإجراءات (تنقيحات سنة 2001 ) حيث أن إصدار الصحف لم يعد يخضع إلى ترخيص مسبق بل إلى مجرد إعلام، ولكن بقيت مشكلة الوصل كما تم الإبقاء في القانون على العقوبة البدنية للصحفيين، وبقيت كذلك مشكلة الثلب غير محددة مع اتساع السلطة التقديرية لوزارة الداخلية و الجهات الرسمية المسؤولة عن الإعلام و رقابتها التي تملك سلطة تقرير" ما من شأنه أن يعكر صفو الأمن العام" من المقالات أو الأخبار أو البيانات أو العرائض. ويمكنها أن تتدخل متى شاءت لمنع ما تراه غير صالح للنشر مما يدفع بعض رؤساء التحرير او مديري الصحف إلى استشارة الجهات الرسمية لنشر مقال أو خبر…كما تشكو أطراف المعارضة من السيطرة والتوجيه والتطويع للصحافة عبر التحكم في الإشهار العمومي من خلال وكالة الاتصال الخارجي، وتدعو إلى إعادة تنظيم الإشهار العمومي وإسناده إلى هيئة مستقلة تعتمد ضوابط موضوعية لمنح الإشهار، بما من شأنه أن يفك القيود والضغوط التي تكبل المؤسسات الصحفية.
وأكد الهاشمي الطرودي أن التعددية والتقدم السياسي مرتبط بحرية الإعلام، باعتبار أن الصحافة الحرة هي دائما أداة تطوير ومنظم جماعي ونواة تعبئة وتأطير للمجتمع، فأول حركة إصلاحية في التاريخ التونسي تشكلت حول جريدة الحاضرة ، وأول حركة سياسية تشكلت حول جريدة التونسي، والحزب الدستوري الجديد تشكل حول جريدة العمل التي أسسها بورقيبة، وحركة الإصلاح الديني تشكلت حول العروة الوثقى في باريس (الأفغاني وعبده) ، نفس الشيء في الجزائر (جريدة الشهاب) وفي مصر (جريدة الوفد) …
وقد اعتمد الهاشمي الطرودي في توصيف واقع الصحافة التونسية اليوم التصنيف الرباعي الوارد في التقرير الأخير لجمعية الصحفيين التونسيين. مشيرا إلى انقسام صحافة المعارضة إلى طيفين يعكسان الانقسام الموجود في أحزاب المعارضة نفسها و يوفربعضها أخبارا وتحاليل نقدية وعرائض وبيانات (حول المحاكمات والاعتقالات والتجاوزات الحقوقية) لا نجدها في غيرها من الصحف ولكن الكلام عن الرشوة والفساد والمحسوبية يبقى في العموميات ما دام يفتقر إلى تحقيقات ميدانية و وثائق…وهي مدعوة إلى أن تتصدر قاطرة الإصلاح والإعلام الحر لأن قدرها أن تخترق الحصار الإعلامي و تسعى دائما لتأسيس ربيع جديد للصحافة التونسية.أما صحافة الحزب الحاكم فقد بقيت مثقلة بنظرة أحادية تعود إلى نظام الحزب الواحد مع الانزلاق إلى لغة التمجيد أو التهويل رغم إمكانية تقديم المكاسب أو المنجزات أو رسالة المسؤول بطريقة موضوعية مجردة، بينما تعاني الصحافة الحكومية التي كثيرا ما تحجب أخبارا هامة دون موجب من الجمود الروتيني رغم ما تزخر به من طاقات صحفية (أثبتت قدراتها في المهجر حيث يتوفر لها المناخ الحر) لم يفسح لها مجال المبادرة (على غرار الصحف القومية في مصر) ، فعندما ينحسر المناخ السياسي والإعلامي الحر يصبح الصحفي كسولا ومجرد موظف يتابع فقط ما يصدر عن وكالات الأنباء أو على شبكة الانترنت. أما الصحافة الخاصة (وهي ليست مجرد مؤسسات تجارية بل لها رسالة مجتمعية) والتي تمثل الجانب الأكبر من المشهد الصحفي فعليها تذليل العديد من العراقيل بشيء من الجرأة والذكاء الإعلامي وأن تتحرر أولا من المبالغة في الرقابة الذاتية التي تفقدها مصداقيتها، ويبقى دورها أساسيا (كما هو الحال في المغرب والجزائر ومصر) في ضمان احترام حق المواطن في الإعلام الحر والموضوعي واحترام الرأي والرأي المخالف وحق الرد، لأن الصحافة الحزبية مهما كانت موضوعية تبقى ذات لون حزبي ولها إكراهات حزبية. ولا يمكن لهذه الصحف الاستهانة بذكاء المواطنين التونسيين ونحن نتحدث عن إنجازات في مجال نشر التعليم ومجتمع المعلومات (مثال عن عدم تسمية الأشياء بمسمياتها استعمال عبارة تعديل الأسعار عوض ارتفاع الأسعار). وإذا كانت بعض الصحف المستقلة أو الخاصة تتضمن بين الحين والحين تحقيقات وحوارات وملفات جيدة فإن هذا ليس نهجا عاما يمكن أن يؤسس لتقاليد عمل مهني وحرفي ويسهم بصفة تراكمية في ترقية الإعلام.
ثم طرح الأستاذ الطرودي سؤال: ما هو السبيل للنهوض بالإعلام؟ معتبرا أن مطالب المعارضة ومقترحاتها تتطلب عملية إصلاح جذري قد لا تسمح موازين القوى في البلاد (المعارضة والمجتمع المدني) بتحقيقها وإنما يمكن أن يكون التغيير تدريجيا، مؤكدا على وجود علاقة وثيقة بين حياد الإدارة والانفراج السياسي وتعبيد الطريق لنهضة إعلامية جديدة تسهم في مواجهة الفكر المتطرف والمنغلق والأحادي ونشر ثقافة الحوار والتربية على المواطنة والتعددية وتجاوز أزمات التحول الديمقراطي في البلدان العربية التي تتطلب إقحام الجميع في ورشة العمل. والإعلام الحر يمكن أن يكون هذه الورشة.
ولئن ركزت مداخلة الأستاذ الهاشمي الطرودي على الصحافة المكتوبة فقد تناول النقاش الذي أعقبها العديد من المسائل المتعلقة بالإعلام السمعي البصري والصحافة الالكترونية وكلاهما ما زال يفتقر في تونس إلى الإطار التشريعي والقانوني المنظم لهما على أساس واضح سواء من حيث إسناد الرخص للإذاعات والقنوات التلفزية وتحديد محتوى برمجتها أو حجب المواقع الالكترونية وإشكالية الثلب المجهول المصدر مع الإشارة إلى تراجع وظيفة المكتوب والمطبوع أمام تنامي وظيفة المرئي والصورة والثورة الاتصالية الرقمية. و لاحظ بعض المتدخلين الانضباط الذاتي الكبير (بالمعنى السلبي) للصحفيين التونسيين في مستوى الممارسة الفعلية لحرية العمل الصحفي بالمقارنة مع زملائهم المصريين مثلا رغم تقارب الوضع السياسي العام بين البلدين، وأدانوا تواصل حبس الصحفيين أو الإفتاء بجلدهم (في مصر) أو تعنيف بعضهم وتهديدهم وإتلاف أدوات عملهم أثناء أداء مهمتهم النبيلة (في تونس). وتم انتقاد أداء التلفزة التونسية ولا سيما في مجال الملفات الحوارية و تغطية أنشطة المجتمع المدني وأحزاب المعارضة، في مقابل التنويه بما تقوم به قناة الحوار التونسي. كما تم التنبيه إلى التراجع المستمر للوضع المادي والمعنوي للصحفيين (مع تنامي عدد المتعاونين الظرفيين وكذلك الدخلاء على المهنة) وأهمية تواجد نقابة أو نقابات تعمل على ضمان حقوقهم التي تتطلب أيضا تطوير بعض النصوص في قانون الشغل (الطرد التعسفي). وعبر بعض المشاركين في المنتدى عن خشيتهم من أن تتحول حرية الإعلام وبعض قنوات الإثارة السياسية والتهييج الشعبوي إلى أفيون تنفيسي وتحقيق وهمي للمطالب وتعويض عن حركة الجماهير الحقيقية في الشارع العربي (قل ما تشاء وأفعل ما أشاء). وحرص بعض المتدخلين على تأكيد أولوية تنظيم الإشهار العمومي في ظل قلة المبيعات وعدم الانتشار والمصاعب المالية نتيجة تواصل الخوف المبالغ فيه للخواص من الاشتراك في الصحف المعارضة أو الإعلان على صفحاتها وضرورة قيام هيئة وطنية تعددية مستقلة لتنظيم قطاع الإعلام والإشهار العمومي.كما تم التأكيد على حق جميع الأحزاب القانونية في التمويل العمومي لتسييرها الحزبي والإعلامي بصرف النظر عن تواجدها في البرلمان من عدمه، مع إدانة ما يقوم به بعضها من تهجم مجاني وسلوك إقصائي على بعضها الآخر بما لا يليق باحترام الرأي والرأي الآخر الذي تدعو إليه.
عادل القادري (جريدة الوحدة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 11th, 2007 at 11 نوفمبر 2007 3:49 م
كاتب على باب الله استفتح كلامه بثلاثة اقصوصات هل ممكن تقل لى رأيك فيهم بصراحة.هم تحت اسم احجار كريمة فى مدونتى العزيزة .