غيبوبة… أبي
كتبهاعادل القادري ، في 15 نوفمبر 2007 الساعة: 14:50 م
دخل أبي منذ شهر في غيبوبة عميقة (كوما)، إثر نزيف دماغي نجم عن ارتفاع مفاجئ لضغط الدم حدث له في ليلة طوفانية ممطرة أغرقت وسط المسكن الذي يقيم فيه بمفرده، وأجبرته على محاولة جاهدة لدفع مياه الأمطار المتجمعة نحو الشارع، ولحسن حظه وحظنا كان سقوطه أمام عتبة المنزل (الحوش العربي) فأمكن للجيران التفطن إليه وطلب الإسعاف العاجل . بعد ثلاثة أيام رفعت الطبيبة البلغارية في قسم الإنعاش بمستشفى قابس (مسقط رأسي) يديها معلنة يأسها وعجزها (قيل لي إنها دائمة اليأس والعجز أمام أغلب الحالات التي تمر بها) وكذلك فعل الجراح المختص الذي أجرى له عملية سريعة في مصحة خاصة مجاورة للمستشفى الجهوي البائس (وحدة السكانار بلا سكانار وسيارات الإسعاف بلا مسعفين…) قصد تخفيف آثار تسرب الدم إلى مناطق أبعد من الجذع الدماغي حيث وقع النزيف الخطير، إلا أننا تمسكنا بخيط أمل مشدود إلى آلة التنفس الاصطناعي التي وفرت لوالدي إلى حد الآن أنفاس حياة إضافية جديدة، كما كنا محظوظين أن يكون بيننا أخي الطبيب المتابع والمراقب بكل دقة لتفاصيل الوضع الصحي لوالدي وللأداء المتواضع للإطار الطبي وشبه الطبي المحيط به.
وبعد أسبوعين مفعمين بالانتظار الكئيب والرهيب مع صعوبة وخطورة نقل المريض، أمكن لنا نقله إلى مستشفى آخر بتونس العاصمة التي غادرها نهائيا (أو هكذا كان يعتقد بعد إحالته على التقاعد من التدريس ثم من الإمامة ) وحيث تتوفر إمكانات طبية أكبر وظروف عناية مركزة فعلا. وأثارذلك احتجاج بعض النسوة في العائلة ممن بدأن يتلون القرآن على المحتضر ويهيئن المنزل للمأتم. ويطالبن (كأحد الأطباء الذين باشروه) برحمة المريض وعدم "تعذيبه" والتسليم بقضاء الله.
وبعد ستة أيام ، وعملية جراحية أخرى، فتح أبي عينيه لأول مرة و"استطاع " تحريك رأسه وأصابع يديه، غير أن وضعه الصحي العام ما زال لا يسمح بالاطمئنان التام خصوصا وأن تلك الحركات غير إرادية (في رأي الأطباء). كما أن مناعته تراجعت في مستوى الجهاز التنفسي وبدأت نبضات القلب في الاضطراب. ولكن الأكيد أن قربنا منه (نحن أبناؤه الخمسة) وحديثنا إليه بصوت مرتفع وإمساكنا بيديه وتحريكنا لأطرافه يعطيه دفئا واضحا وردود فعل مؤكدة لتمسكه بالحياة، ويتجاوز قدرة الأدوية والأجهزة الطبية الحديثة، وعزاؤنا في كل ذلك أنه لا يتألم… لأنه لا يستطيع أن يتألم… آه… ما أصعب أن يتحول الألم و الصراخ إلى أمنية…
أبي الذي يرقد اليوم بين الحياة والموت ، يبلغ من العمر ثلاثة وسبعين عاما وهوشديد العناية بصحته وتغذيته و مواظب على الرياضة ، لا يدخن ولا يشرب الخمر، وليس له أي مشاكل صحية تذكر، باستثناء ضغط الدم الوراثي الذي ذهب بجدي وأعمامي. وربما يكون هذا المرض الوراثي سببا من الأسباب الرئيسة وليس نتيجة للانفعالات المزاجية ولصعوبة المعاشرة وعدم القدرة على احتمال الآخرين بما فيهم أقرب الأقارب والأصدقاء ، فقد تزوج أبي وطلق أربع مرات، وكنت أتمنى أن يتزوج للمرة الخامسة بعد طلاقه الأخير منذ سبع سنوات ، حتى نكون أكثر اطمئنانا عليه وهو بعيد عنا في قابس "جنة الدنيا " التي أضرّ بها التلوث الصناعي والتي اختار العودة إليها لممارسة الأعمال الفلاحية في الواحة المنكوبة بالتلوث، كما كان في طفولته ولينهي فيها بقية عمره… والحمد لله أنه لم يحدث له ما كان يتحدث عنه هو بنفسه أي ما حدث لبعض المسنين الذين سقطوا بمفردهم داخل شققهم أو منازلهم ولم يتفطن إليهم أحد من جيرانهم وأقاربهم إلا بعد يومين أو ثلاثة أيام بل أكثر.
حالة أبي، الذي لم أكن أتصور أن أراه على ما هو عليه اليوم من وهن ونحول وسكون وعجز، تثير فيّ مشاعر وأفكارا مختلطة حول الحياة والموت والمصيرالإنساني ودور الوراثة (في الفرد والمجتمع والنظام السياسي) وصلة الرحم والرحمة وتطور العلم والأخلاقيات الطبية وأهمية الجهاز العصبي المركزي…، كما أنها أصابتني بنوع من الغيبوبة الوجدانية أرجو أن أفيق منها (أنا الأعزب في سن الأربعين) أكثر قدرة على الحياة والتواصل مع الآخرين… من قرب منهم ومن بعد …بلا حذر أو شك مرضي أو ارتياب زائد عن الحد لأن الضربات الغادرة والخائنة (التي كان أبي يخشاها كثيرا ويتوهمها في أغلب الأحيان) قد تأتينا من حيث لا نعلم ولا نتوقع … من داخل جسدنا الذي نرثه قبل أن نربيه ونعتني به (وهذا لا يبرر بطبيعة الحال أن نهمله كما هو حالي أنا)
منذ ثلاثة أشهر ، هاتفنا أبي ،الذي كان حتى مساء الحادث في أوج نشاطه، وطلب مني ومن أخي غير الشقيق أن نصطحبه في زيارة "ولي صالح" بقي في خاطره من أيام الطفولة أنه لم يزرمقامه البعيد عن قابس وكان يريد أن يستغل تلك المناسبة لالتقاط بعض الأعشاب البرية والجبلية المولع بجمعها وتصنيفها على أساس أنها أعشاب طبية، فاستجبنا له على مضض ولكننا تذرعنا بموت أحد الأقارب في تلك الأيام لإقناعه بتأجيل التضحية بالتيس الذي اشتراه مؤخرا لتلقيح المعزاة (ريما ) التي كانت مع ابنتها (كريمة) تؤنس وحدته ويشرب كل صباح من حليبها … شيء ما يدفعني اليوم إلى الندم والاعتذارللنائم الهادئ العميق الحكيم الذي تسببت (وأنا الكاره للدم … كل الدم) في أن يخلف نذره… أبي أفق من غيبوبتك واصرخ فينا وسنذبح لك كل تيوس العالم! … يا أبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 17th, 2007 at 17 نوفمبر 2007 7:00 م
أسأل الله العظيم أن يشفي والدك وأن يمنحك الطمأنينة بعد أن تزول هذه المحنة.
قل يا الله …
نوفمبر 19th, 2007 at 19 نوفمبر 2007 7:50 ص
أخي العزيز عادل،
شفى الله والدك، وأذهب عنه السوء، ومتعه بالصحة والعافية..
تحياتي
نوفمبر 28th, 2007 at 28 نوفمبر 2007 5:03 م
الأخ صلاح والأخ حسن،
شكرا جزيلا على هذه المواساة الصادقة والدعاء الموصول بالشفاء.
ديسمبر 10th, 2007 at 10 ديسمبر 2007 9:29 م
الصديق العزيز الكريم عادل القادري
لقد غبتُ غيبةً طويلة عن الإبحار في المدونات، فقد كنتُ أكتفي بين الفينة و الأخرى بإدراج بعض المقالات من غير أنْ أتابعها أو أتواصل مع الأصدقاء. و حين عدتُ قرّرتُ أنْ تكون مدونتك الأولى التي أزورها. فتحتُ قائمة إدراجاتك فوقعت عيناي على “غيبوبة أبي”. تاريخها في منتصف تشرين الثاني، و لا أعرف ما هي تطورّات حالة والدك، و لكنّني أتمنى مِنْ كلّ قلبي أنْ يكون قد أفاق من غيبوبته. خواطر الحياة و الموت التي تلحّ عليك تلحّ عليّ أنا أيضاً. الوجود و الخلق و العدم و الطبيعة و الخالق و الصدفة، هذه كلّها، و غيرها مثلها، لا تفارقني منذ مدّة، في هذا المعنى أنا كذلك أعيش في غيبوبة.
أتمنى لوالدك و لجميع البشر الشفاء و السعادة.
هشام غانم
يونيو 3rd, 2009 at 3 يونيو 2009 11:47 ص
شفى الله والدك من غيبوبته وأطال الله في عمره
وعفاه الله وشغاه