لماذا لا تقبل شعوبنا على صناديق الاقتراع؟

كتبهاعادل القادري ، في 26 ديسمبر 2007 الساعة: 17:15 م

 يعبر التصويت في الانتخابات عن إرادة الشعب ويضفي على الحكومات والرؤساء والمجالس البرلمانية والمحلية شرعيتها. ولذلك تعتبر نسبة المشاركة في الانتخابات مؤشرا هاما بل رئيسيا لقياس مدى ثقة المواطنين في نظامهم السياسي واقتناعهم بدور الأحزاب والبرامج والشخصيات المتنافسة وبجدوى العملية الانتخابية وقدرة أصواتهم على التغيير وتقرير المصير.

وحين تطرح إشكالية عزوف المواطن عن الشأن العام وبالخصوص عدم إقباله على صناديق الاقتراع في تونس وهو الجزء الظاهر والأعلى في جبل الجليد السياسي بصرف النظر عن النتائج الرسمية المعلنة (بين 70 و90 بالمائة)، تتبادر إلى الذهن فرضيات تكاد تصبح لدى البعض من المسلمات.

تقول الفرضية الأولى إن نزاهة العملية الانتخابية وشفافية صناديق الاقتراع غير متوفرتين لدينا بما يكفي لتشجيع المواطن التونسي على التمتع بحقه الانتخابي.

وتقول الفرضية الثانية إن النظام الانتخابي المعمول به في تونس (أغلبي معدل) لا يسمح بتشكيل مشهد سياسي تعددي متنوع ويشجع استمرار هيمنة الحزب الحاكم.

وتقول الفرضية الثالثة إن عددا من التنظيمات والتيارات السياسية (من أقصى اليمين وأقصى اليسار) محرومة من الترخيص القانوني.

 وتقول الفرضية الرابعة المرتبطة بسابقتها أو المتفرعة عنها إن التيار الديني، الذي يمثل في نظر البعض ثقلا انتخابيا كامنا، ممنوع من العمل السياسي وغير ممثل برلمانيا.

وتقول الفرضية الخامسة إن حصة العشرين بالمائة (أصبحت 25 ) المضمونة في البرلمان وغيره من المجالس  لأحزاب المعارضة القانونية المشاركة في الانتخابات مسؤولة عن كسل هذه الأحزاب وضعفها وانقساماتها وعدم تعويلها على الاقتراب الميداني من المواطنين الذين تخلوا عن دورهم كناخبين غير مرغوب فيهم.

وتقول الفرضية السادسة إن ارتباط الانتخابات الرئاسية بالانتخابات التشريعية واقتران منصب رئاسة الدولة برئاسة الحزب الحاكم أثر سلبا على قواعد اللعبة الديمقراطية وحياد الإدارة، وأسهم في تنفير الناخبين.

ولكن هذه الفرضيات المطروحة تحتاج فعلا إلى وضعها على محكّ ديمقراطي محايد من محيطنا القريب يمكن اعتباره نسبيا أكثر تقدما مما هو الحال في تونس ونقصد النموذج المغربي، وذلك قصد اختبار صلابتها وقوة تأثيرها في الواقع.

و نبادر إلى القول على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب الأقصى إن تلك الفرضيات لا تصمد وحدها كثيرا باعتبار المؤشر الرئيسي الأول وهو نسبة المشاركة في التصويت. فقد نزلت نسبة التصويت المغربي سنة 2007 إلى 37 بالمائة أي  أنها تراجعت بحوالي 15 نقطة عما كانت عليه في انتخابات 2002 بل تقلصت أكثر من 21 نقطة عما كانت عليه سنة 1997، وهذا يعني أن المسار الديمقراطي المحرك للآمال طيلة العشرية الماضية في المغرب ولا سيما بعدما عرف بحكومة التناوب يكاد يفضي تدريجيا إلى انتخابات بلا ناخبين. ولا يمكن الاكتفاء بتفسير ذلك بتحسن المؤشرات الإحصائية مقابل عدم مصداقيتها في الانتخابات السابقة، وإن كان هذا الاعتبار جدير بالحسبان.

فالشفافية المشهود لها من قبل الملاحظين المحليين والدوليين لم تشفع للصناديق المغربية التي هجرها ثلثا المدعويين للتصويت. و لا وجود لحصة برلمانية دنيا مضمونة مسبقا لأي حزب من الأحزاب المغربية الثلاثة والثلاثين الممثلة لكل الاتجاهات والألوان بما فيها التيار الإسلامي (المعتدل)، بل ربما زاد هذا العدد الكبير في تشتيت المشهد السياسي وتعميق الهوة بين المواطن وصوته.  رغم ما تعرفه هذه الأحزاب المتمايزة الأحجام من تنافس وتحالفات وتكتلات تشهد عليه الحملات الانتخابية القوية ميدانيا وإعلاميا، في إطار نظام انتخابي يعتمد النسبية ويسمح بأقصى تمثيل برلماني ممكن لمختلف التشكيلات والقوى والشخصيات السياسية مع الأخذ بعين الاعتبار العتبة الدنيا للتأهل لدخول البرلمان (وهي نسبة 6 بالمائة) وهنا لا بد من التذكير أن النظام الانتخابي الأغلبي (سواء الفردي أو بالقائمة، على دورة واحدة أو دورتين) لم ينقص كثيرا من ديمقراطية العديد من البلدان التي اعتمدته بأشكال مختلفة. كما أن رئيس الدولة (الملك) لا يرأس أي حزب في المغرب و لا يخوض بنفسه أي انتخابات.

و رغم ذلك لا يبدو أن ثقة المواطن المغربي في منظومته السياسية أكبر من نظيرتها لدى المواطن التونسي، أو أن مخاطر العنف السياسي أو الإرهاب في المغرب أقل مما هي عليه في تونس بل إن الوقائع تقول العكس.

ولذلك يمكن تقديم أو إضافة فرضيات أخرى قد تبدو أكثر متانة:

تقول الأولى إن الأنظمة السياسية في الأقطار العربية، جمهوريات كانت أو ممالك (لا فرق)، محكومة دستوريا و واقعيا بما يفوق أي قدرة فعلية للأحزاب السياسية على التغيير حتى وإن شاركت في السلطة ، في ظل غياب رهان تنافسي حقيقي في مستوى اتخاذ القرار الأخير.

وتقول الثانية إن الأوضاع التنموية اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا هي من السوء والتخلف البنيوي والفقر الهيكلي بحيث لا يحركها إيجابا أي تغيير في الحكومات والحقائب الوزارية منفردة أو ائتلافية أو في الألوان السياسية يمينا كانت أو يسارا. بل أصبحت تدفع نحو الانحراف والعنف والإرهاب أكثر من دفعها باتجاه صناديق الاقتراع.

وتقول الثالثة إن الحدس الشعبي في ظل العولمة أصبح يدرك أن حكوماته محكومة دوليا وغير قادرة على مسك زمام الأمور أو ضبط أي برنامج ذاتي للتسيير أو التنمية، كما أنه فقد الثقة في السياسيين المتمركزين في معظمهم حول ذواتهم عوض التمركز حول مصالح الشعب الكريم وخصوصا فئاته المهمشة التي ازداد حجمها وانغلقت أمامها أبواب الخلاص المحلي أو الهجرة إلى الخارج بالتوازي مع الشراسة العنصرية المتصاعدة لبلدان الشمال.

ومع ذلك، ورغم التقارب في نسبة الإقبال الضعيفة على صناديق الاقتراع خلال السنوات الأخيرة سواء في المغرب أو تونس أو الجزائر (35 بالمائة) أو مصر (27 بالمائة رسميا و10 بالمائة حسب بعض المنظمات الحقوقية المستقلة ) أو الأردن ( بروز ظاهرة شراء الأصوات)…، يجدر الاعتراف أن تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات قد أصبح في العقدين الأخيرين ظاهرة عالمية تشمل العديد من البلدان مثل انكلترا والكندا والولايات المتحدة (بين 50 و 60 بالمائة) وسويسرا (40 بالمائة) وصولا إلى الديمقراطيات الناشئة في إفريقيا مثل السينغال ومالي اللتين لم تتجاوز نسبة الإقبال في انتخاباتهما العامة الأخيرة 34 و 35 بالمائة أما الاستثناء الفرنسي الأخير هذا العام (83 بالمائة) فلا يقاس عليه في ظل المنحنى العام النازل منذ الستينات. وهذا يدفع إلى تعميق النظر أكثر في هذه الظاهرة التي تمثل جرحا نازفا للديمقراطية عريقة كانت أو ناشئة. وإن كانت الدراسات العلمية المتوفرة تؤكد ضعفا أكبر في الذهاب إلى مكاتب التصويت لدى الأجيال الجديدة من الشباب والفئات المهمشة اجتماعيا مع الانحسار السلبي للتباينات الايديولوجية وتراجع دور الأحزاب السياسية وحتى النقابات أمام سطوة المال واقتصاد السوق المعولم وتخمة وسائل الإعلام المحتكرة.

 و ربما يكون في جعل التصويت واجبا ملزما قانونيا لكل مواطن أحد الحلول الإجرائية الممكنة لتحسين نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع ولو كان هذا الحل غير محبذ في أغلب بلدان العالم الذي أصبح يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى ديمقراطية عالمية (سيادة الإنسانية) تسند الديمقراطيات المحلية (سيادة الشعب) المغلوب على أمرها. وهذه فرضية استشرافية  قد تتجاوز في مثاليتها الطوباوية المفهوم التقليدي للديمقراطية (تمثيلية كانت أو مباشرة). غير أنها لا تمنع بطبيعة الحال من مواصلة العمل محليا لتحسين أوضاع العملية الانتخابية التونسية في حدود الممكن والمتاح.  وهذا ما ينبغي أن نعود إليه بتفاصيل ومقترحات قانونية وإجرائية دقيقة على ضوء التجارب التي خضناها ونتابعها.

                                                                    عادل القادري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “لماذا لا تقبل شعوبنا على صناديق الاقتراع؟”

  1. شكرا سيدى لتشريفك مدونتى وشكرا لابداء الملحوظة الخاصة بالخلفية ساحاول تغير الخلفية او الكتاية بالوان واضحة

  2. اخ عادل

    لو بحثت قليلا هتلاقيها مشكله كل البلاد والشعوب العربيه

    هي ازمه ثقه بين الطرفين الحاكم والمحكوم فالاول يعتقد انه يستعبط الثاني والثاني اصلا عارف انه صوته بلا معني او اي تأثير علي النتيجه يبقي هيروح ليه؟

    كل سنه وانت طيب وبخير

    تحياتي

  3. يهمنى ابداء رايك بعد ان غيرت القالب واذا كان مناسب للقراءة ام لا ——– شكرا

  4. salem,

    je veux attirer ton attention à quelque chose.

    on utilise de nos jours le mot démocratie pour désigner les mode de gouvernement qui tire sa légitmité de l’opération électorale comme générateur de représentativité politique des différents groupes ayant des intérêts différenciés dans une société donnée. Or on oublie que la démocratie à la base, est contre le principe électif. la démocratie se base dans la grèce antique sur le tirage au sort qui est quand à lui le principe démocratique par excellence. parce que le tirage au sort suppose que tous ne sont pas seulement fictivement égaux (une voix signifie une personne) mais réellement égaux, puisque concrètement n’importe quel citoyen a la possibilité réel de se retoruver au pouvoir. on peut bien évidemment voir les défauts de ce principe, dnas une sociétés où il y a des” citoyens” qui ne pensent qu’à leurs intérêts, ou encore qui manquent de compétence pour juger ce qui est le bien de la collectivité. mais bon. au delà des opérations de palliement à ce défaut dans les démocraties grecques, y avait aussi ce travail perpétuel et continue pour que chaque citoyen ait le sens du bien collectif, et trouve dans le souci de la cité et du bien collectif, une part, et non pas la moidre de son” souci de soi”.

    de là, cet abandon collectif de l’opération électorale, est il vraiment à questionner? depuis quand était il une évidence? pour la plupart de ce qu’on appelle “démocraties représentatives” occidentales depuis deux siècles maximum, l’évidence a été construite à fur et à mesure, et légitimée comme la meilleure, dans un cadre qui n’était pas toujours d’adhésion totale. plusieurs mouvements de gauche voyait l’opération électorale comme un moyen de dérober le pouvoir et de le détourner du bien public. et chez nous, depuis quand l’opération électorale était ou signifait quelque chose, à part un artifice du pouvoir. elle est comme toute la scène politique une importation non réuissie, mal digéréen, mal travaillée, une possibilité mal exploitée.

    pourkoi alors s’inquiéter devant cet abandon de l’opération électorale. elle n’est pas une évidence pour les citoyens pour qu’elle soit abandonner de leur part, elle n’a pas un sens pratique chez eux pour qu’elle soit opératoire. supposons effectivement que tout se passe bien et le jeu électoral se joue sans triche, les citoyens participeront plus? non comme tu l’as dit! l’opération électorale sert ceux qu, comme on dit, tiennent à la politique sur le mode électoral parce qu’elle les tient.

    enfin bref. j’espère que l’idée est passée. on se leurre soit même en s’inquiétant devant l’abandon de quelque chose qui n’a jamais été acquis. c’ets une forme de légitimation de nos propres modes de fonctionnements, ou de ce qu’on peut faire, faute d’avoir la possibilité ou la capacité ou le vouloir ou le courage sincères et nécessaires pour travailler autrement.

  5. ah, c’est une autre hypothèse disons. moins enchantée, entre autres enversd soi même. :))

  6. تقدر تقول مقال أدبى أو أدب مقالى ولكنه اعمل يستحق القراءة أتمنى أن تراه و تضع بصمتك الجميلة بتعليق على فكرة هنام مقال اخر عن شكل المحتمع المنتحول للرأسمالية …على فكرة شغلك رائع

  7. لارا،
    الخلفية الجديدة أفضل و أيسر للقراءة ولكن يمكن اختيار حجم خط أكبر

    سندريلا،
    شكرا على التعليق الذكي الساخر،

    حاتم،
    أتابع مقالاتك ويعجبني كثيرا تنوع اهتماماتك، وليس دائما ما أضيف تعليقا على ما أقرأ

    مرمر،
    إضافة قيمة وعميقة ، شكرا جزيلا

    مع التحية والتقدير والسلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر