في كتاب جديد لنورة بورصالي: أحمد بن صالح يشحذ الذاكرة الوطنية
كتبهاعادل القادري ، في 31 يناير 2008 الساعة: 12:43 م
أصدرت الأستاذة نورة بورصالي هذه الأيام كتابها الأول تحت عنوان "كتاب مقابلات مع أحمد بن صالح" الرجل القوي لتونس الستينات، وقد جاء هذا الكتاب الجديد، الصادر باللغة الفرنسية في 236 صفحة، ثمرة جهد كبير بذلته الكاتبة لمدة أربع سنوات، من خلال سلسلة من الحوارات امتدت من مارس 2004 إلى جوان 2006 نشر جزء كبير منها بمجلة حقائق، قامت بعد ذلك المؤلفة بمراجعتها وتدقيقها وتصحيحها مع محاورها كما أثرتها بوثائق وصور من الأرشيف الخاص لأحمد بن صالح بعضها ينشر لأول مرة.
وكان لزاما عليها أن تتسلح بالمعرفة التاريخية الكافية لمواجهة التحدي الصعب الذي رفعته، وهذا بالفعل ما أنجزته باقتدار، إذ ينبغي الاعتراف أن محاورة الأستاذ أحمد بن صالح ليست بالشيء الهيّن أو السهل، لأنه ببساطة ليس بالشخص الهيّن أو السهل. وقد نجحت نورة بورصالي في هذه المهمة الشاقة أيما نجاح، والأكيد أن المادة الثرية التي يجدها القارئ في هذا الكتاب تغطي مساحات أوسع وتلقي نقاط ضوء أكبر مما نجده فيما نشر سابقا حول هذه الشخصية الوطنية والنقابية المثيرة للجدل، سواء في كتاب مارك نرفان الصادر سنة 1974 (مقابلات مع أحمد بن صالح حول الحراك الاجتماعي للستينات) أوفي الكتاب الصادر عن مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات سنة 2002 ( شهادة أحمد بن صالح) أو في أعمال الأستاذ عبد الرحمان عبيد (وبعضها لم ينشر بعد). و سواء تعلق الأمر بانتقاء الأسئلة المناسبة والمستفزة للذاكرة القوية للأستاذ أحمد بن صالح أو في مراجعة المادة الحوارية أو في طريقة طرح الإشكاليات والتوجيه الذكي للانتقادات والمؤاخذات والاتهامات المتعلقة بمحاورها، تميز العمل الذي قامت به نورة بورصالي بالدقة والموضوعية والحياد، غير أن ذلك لم يمنع نزاهة الكاتبة ومصداقيتها من الإشارة منذ الإهداء إلى تعاطفها الخاص مع محاورها لاسيما وقد تربت في عائلة تقدّر كثيرا أحمد بن صالح الذي تصفه بأنه "الحالم الدائم الذي لم يفقد شيئا من عقلانيته" رغم كل ما عاناه طيلة أكثر من ثلاثة عقود من التعتيم و الإشاعات المبتذلة والحملات المغرضة المنظمة في أكثر من مستوى ومجال.
وهنا لا بدّ من التأكيد أن هذا الكتاب الذي لا يمكن إيجاز ما يحتويه في بضعة سطور، يتجاوز في أهميته ما يسلطه من أضواء على شخصية أحمد بن صالح ومسيرته ليلامس تاريخ تونس المعاصر في أدق الفترات التي عرفتها بلادنا إبان الاستقلال وما بعده ولاسيما في خمسينات وستينات القرن الماضي، وقد بقيت بصماتها وانعكاساتها السياسية والاجتماعية حاضرة إلى اليوم.
الكتاب تضمن ثمانية محاور (من الاتحاد العام التونسي للشغل إلى المجلس التأسيسي، السنوات الأولى من الاستقلال، الوزير القوي، حركة التعاضد، أزمة سبتمبر 1969 ، المحاكمة والسجن والفرار، المنفى)بالإضافة إلى مقدمة متميزة حول بن صالح " القوة التي تمضي" وخاتمة بعنوان: هكذا يمضي التاريخ. ويسمح الكتاب بالوقوف عند المحطات الأساسية في مسيرة أحمد بن صالح وانخراطه في الشأن العام كمناضل شاب من الساحل في صفوف الحزب الحر الدستوري الجديد، إلى نقابي نشيط ممثل للاتحاد العام التونسي للشغل في الكنفيدرالة الدولية للنقابات الحرة (السيزل) ببروكسل التي كان من المعترضين على دخولها، فاضطلاعه في وقت حساس بالأمانة العامة للمنظمة الشغيلة من 1954 إلى 1956 وإزاحته منها بطريقة غير ديمقراطية لم تمنعه من مواصلة دوره الفاعل في المجلس القومي التأسيسي كرئيس للجنة صياغة الدستور حتى إعلان الجمهورية سنة 1957 الذي كتبه بخط يده، ليبدأ بعدها مباشرة دورا وزاريا فاعلا ومؤثرا أسهم به في وضع الأسس الأولى للدولة التونسية المستقلة وبناها التحتية الفلاحية والصناعية والتجارية والصحية والتربوية ومخططها التنموي الأول، كما أسهم في تحويل الحزب الحر الدستوري إلى حزب اشتراكي دستوري، لينتهي دوره الرسمي بمحاكمة شهيرة سنة 1970 لقي خلالها جزاء سنمار بدعوى فشل سياسة التعاضد، وصولا إلى تأسيسه لأول حزب معارض في تونس الاستقلال سنة 1973 (حركة الوحدة الشعبية) ومنفاه الاضطراري خارج تونس إلى سنة 1988 ثم عودته إليها نهائيا سنة 2000 .
ولم تقتصر نورة بورصالي في كتابها على الجانب السياسي أو النقابي في المستويات الوطنية والعربية والدولية من حياة الرجل الاشتراكي المولع بالنموذج الاسكندينافي، بل تطرقت في حوارها المطول معه (والذي استغرق عشرات بل مئات الساعات) إلى جوانب إنسانية وفكرية من شخصيته، مثل ميوله الأدبية والفلسفية التي تتميز في آن بالأصالة والتقدمية والانفتاح على الآخر (من عروة بن الورد وعلي بن أبي طالب إلى سان جوست، ومن محي الدين بن عربي وجبران خليل جبران إلى نيتشه الألماني و هنريك ابسن النرويجي وطاغور الهندي…).
كما تضمن الكتاب ملاحق تاريخية هامة ومفيدة مثل بيان الاتحاد العام التونسي للشغل في 14 ماي 1951 ( لجنة الضمانات الدستورية والتمثيل الشعبي) و مراسلة السيد دانيال غيران إلى أحمد بن صالح في 9 فيفري 1955 (حول اغتيال فرحات حشاد كما تشير إلى النية المبكرة لبورقيبة لإزاحة أحمد بن صالح من الأمانة العامة للمنظمة الشغيلة)، ومقدمة البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل في سبتمبر 1956 ، إلى جانب البيان الختامي للجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري في 27 جانفي 1968، ونسخ من مراسلة برنامج الأمم المتحدة للتنمية إلى الوزير أحمد بن صالح في أفريل 1968 والتي تنوّه بسياسة التنمية التونسية آنذاك، ومخطوطة رسالة من بورقيبة إلى الباهي لدغم في 4 جانفي 1970، ووقائع محاكمة بن صالح في ماي 1970، وعريضة المثقفين والشخصيات التونسية في ماي 1970 ضد محاكمة بن صالح والمنشورة بجريدة لوموند، والنص الكامل لمراسلة أحمد بن صالح إلى بورقيبة في جويلية 1973، وبيان جانفي 1977 لحركة الوحدة الشعبية والمعروف ببرنامج النقاط الخمس والذي تمت على أساسه محاكمة مناضلي الوحدة الشعبية التي أحيينا ذكراها الثلاثين في 13 جوان الفارط.
وفي كل ذلك استطاعت نورة بورصالي أن تنقل بأمانة لافتة قناعات الرجل ومزاجه وطريقة تفكيره و شكوكه وتعبيره الساخر والحاد أحيانا ودفاعه العنيد عن مواقفه وخياراته ونظافة يده النموذجية والمشرّفة لأي تونسي، فجاء هذا الكتاب ينضح بصدق الرجل وعفويته بالإضافة إلى خبراته وثقافته الواسعة ونظرته الاستشرافية الثاقبة. وهنا ينبغي القول إنه ليس كل شاهد على عصر بشاهد، ولا كل راو بصادق. وشتان بين من أنجز وأسّس وناضل وثابر وبين من هدم وخرّب وناور وتآمر. والأكيد أن المؤرخين التونسيين المختصين سيجدون في كتاب نورة بورصالي مع أحمد بن صالح مرجعا بل مصدرا هاما من مصادرهم، ويبقى عليهم أن يقارنوا بينه وبين ما يلقى في الأسواق والقنوات خلال السنوات الأخيرة من كتب وشهادات تزعم أنها تاريخية يتحدث بعض أصحابها لكيلا يقولوا شيئا أو ليعتموا على كل شيء، أولئك الذين لم يثنهم التقاعد الإجباري من العمل السياسي عن مواصلة الافتئات على التاريخ والمتاجرة به وتحريف الوقائع أوطمسها للتغطية على ما كانوا يقترفونه في حق الشعب والدولة. وهذا بالضبط ما لم يفعله في كتاب نورة بورصالي الأستاذ أحمد بن صالح الذي ليس له ما يخفيه أو يخجل منه.
واعتبارا لأهميته وتعميما للفائدة، نأمل أن تفكر الزميلة نورة بورصالي في ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية في أقرب وقت ممكن.
عادل القادري (جريدة الوحدة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























