في منتدى التقدم: تحديات الحركة النقابية في عصر العولمة

كتبهاعادل القادري ، في 8 فبراير 2008 الساعة: 10:48 ص

انتظم في إطار منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم 1 فيفري 2008 لقاء فكري تحت عنوان: تحديات الحركة النقابية في عصر العولمة. شارك فيه عدد من النقابيين وممثلي المجتمع المدني التونسي.

في المداخلة الرئيسية الأولى أكد السيد عبد المجيد الصحراوي (الأمين العام المساعد للاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي) الذي حاضر بصفته الشخصية أن موضوع هذه الحلقة من المنتدى يتنزل صلب الإشكاليات المطروحة بحدة عندنا في تونس وفي سائر المجتمعات، و أولى الإشكاليات: ما هو مستقبل الفعل النقابي في ظل انحسار دور المنظمات النقابية وتراجع تأثيرها وتهميش مجالات تحرّكها؟ ملاحظا تواتر مقولات تتحدث عن نهاية النقابات في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وغيرها من بلدان أوروبا، المفترض أن تكون بمنأى عن تأثيرات العولمة السلبية، فما بالك بمجتمعاتنا النامية أو التي يسمونها بالصاعدة. ففي فرنسا مثلا، يعدّ ضحايا تسريح العمال بالآلاف، وخاصة من شريحة ما فوق الخمسين سنة، أما الشباب وشريحة ما بين 25 و 35 سنة، فهم في الكثير من الحالات ينتدبون حسب نظام المناولة، وما إلى ذلك من أشكال التشغيل التي ابتدعتها العولمة للضغط على الكلفة الاجتماعية. وتحت ضغط البطالة وشبح تسريح العمال صار هؤلاء الضحايا يبحثون كل بطريقته عن حلول فردية لإيجاد موضع قدم في سوق الشغل، وفقدت النقابات نسبة هامة من منخرطيها أو من الذين كان يفترض أن يكونوا منخرطين جددا، وخسرت بالتالي إحدى نقاط ارتكازها التقليدية، وهي أن تكون لها قواعدها العمالية. غير أن عديد المنظمات النقابية الأوروبية التي طالما عرفت كأكبر المنظمات النقابية عالميا استطاعت إعادة بناء ذاتها وقدراتها بعدما عرفت كيف تراجع نقاط ضعفها فأمكن لها أن تستعيد منخرطيها وقدرتها التفاوضية.

أما الإشكالية الثانية المطروحة على الساحة النقابية العالمية فهي: كيف الوصول إلى عولمة التضامن النقابي بشكل مؤسساتي في وجه العولمة الرأسمالية؟ و هناك حاليا مخاض وحوارات وبدايات مقاربات في اتجاه توحيد الحركة النقابية عالميا، إذ اتضح أن التنظيم العنكبوتي للرأسمالية العالمية التي اكتسحت كل أرجاء المعمورة لا بدّ أن تقابله قوة نقابية تفاوضية لها من الوزن والاعتبار ما يجعل كلمتها مسموعة. ومن المؤشرات الدالة التي نسجلها في هذا السياق المصادقة على الاتفاقية الدولية عدد 135 لحماية المسؤول النقابي. وهذا المعطى يطرح إشكالية التفتت النقابي، تنظيميا، في الأقطار التي تعيش التعددية النقابية، فنحن إذن إزاء ثنائية تبدو متناقضة وهي كيف تتوحد الصفوف النقابية عالميا وتبقى مشتتة قطريا؟

ثم تساءل عبد المجيد الصحراوي: هل من الحكمة والنجاعة الانخراط في منطق التعددية النقابية لنعطي بذلك للطرف المقابل وهم المشغلون فرصة المناورة والاستفادة من تشتت الصف النقابي؟ ملاحظا أنه إذا كانت مسألة التعددية النقابية مطروحة عندنا في تونس فإن هناك نظرة سلبية إليها مشوبة بنوع من الريبة والتشكيك في النوايا والخلفيات والمقاصد، وهي مرتبطة بملابسات تاريخية في فترات متعاقبة مثل  الانشقاق الذي حصل عام 1984 عندما أقدم بعض النقابيين على بعث الاتحاد الوطني، وقبل ذلك المحاولة التي كانت من تدبير أحد رموز الحزب الحاكم آنذاك وقامت بها مجموعة هددت ببعث منظمة نقابية وجرت تلك المناورة في صائفة 1977 ، وكذلك  ما حدث سنة 1956 ( الاتحاد التونسي للشغل). ومع ذلك نبه إلى ضرورة عدم مصادرة حق الاختيار الواعي الحرّ في الانخراط في منظمة أو أخرى حتى لا  نضع أنفسنا كما كان حكامنا في عهد ليس بالبعيد ، يمنعون عنا الحرية والديمقراطية باسم الحفاظ على الوحدة الوطنية وخوفا علينا من الانقسام والتشرذم.

 

كما تساءل حول مدى قدرة الاتحاد العام التونسي للشغل على استيعاب مختلف الحساسيات الفكرية والسياسية و النقابية بعيدا عن التحزب الضيق والدغمائية الإيديولوجية، والولاءات الشخصية، والجهويات المقيتة، مشيرا إلى  بعض التنظيمات الكبرى في العالم، حيث تتواجد التيارات في صلب التنظيم الواحد، وتختلف فكريا وتلتقي في النهاية حول مواقف واحدة وكلمة موحدة.

ولاحظ أن قطاعات مهنية هامة بدأت تتشكل تنظيميا خارج أطر الاتحاد بينما كان من المفروض أن تجد في المنظمة الشغيلة ضالتها فتحصل الاستفادة المتبادلة، الاتحاد بتجربته وقيمته الاعتبارية ووزنه في الساحة، وخصّ بالذكر نقابة الصحفيين. وأثار معضلة أخرى تبعث على الانشغال وهي النسبة الضعيفة من التأطير النقابي في القطاع الخاص. حيث نجد قطاعات مهنية واسعة ومؤسسات خاصة لا وجود فيها لنقابات أساسية ولا قطاعية والحال أن القطاع الخاص في عمومه هو مصدر التجاوزات والانتهاكات والاستهانة بحقوق الشغالين الأساسية وقوتهم وكرامتهم.

و ارتأى الصحراوي أن هذه الإشكالية الحادة تستوجب إعادة نظر جذرية في هيكلة الاتحاد التقليدية المتقادمة حتى تكون قادرة على مجابهة الأوضاع الجديدة التي فرضتها العولمة، داعيا إلى استنباط الصيغ الكفيلة بتوحيد الصفوف والكلمة في كنف احترام حق الاختلاف والتعبير الحرّ عن إرادة الشغالين، معتبرا أن الاتحاد العام التونسي للشغل رغم النقائص والسلبيات عرف كيف يحافظ على إرثه النضالي الرائد بفضل تفتحه على مختلف مكونات المجتمع المدني.

المداخلة الرئيسية الثانية قدمها السيد الحبيب قيزة (رئيس جمعية محمد علي للدراسات والبحوث والتكوين) وتطرق فيها إلى تاريخ الحركة النقابية التونسية، حيث ارتبط الانتماء الاجتماعي بالمرجعية الوطنية التي سرعان ما اختلطت بعد الاستقلال بالولاء للدولة. وذلك التذبذب بين الانتماء الوطني والولاء للدولة مس بالاستقلالية إلى جانب المركزية المشطة ومسائل أخرى مرتبطة بالرأي الواحد والحزب الواحد على غرار جهاز الدولة التي كانت الطرف المقابل باعتبارها أكبر مشغل وهي الحكم وهي المسؤولة عن التماسك الاجتماعي في نفس الوقت، وبالتالي فإن أي مشكل نقابي أو إضراب عادي يصبح قضية سياسية، معتبرا أن  أحداث 26 جانفي كانت معركة حقيقية من أجل الاستقلالية، خاضتها الحركة النقابية باقتدرا بقيادة الحبيب عاشور، ولكن فيما بعد أساءت القيادة إدارة شؤون الاتحاد.. وانطلاقا من تجربته النضالية في صفوف الاتحاد العام التونسي للشغل شرح أسباب خروجه منه في التسعينات وقد تزامن مع قيادة نقابية (اسماعيل السحباني) اعتبرها مع بعض رفاقه غير مؤهلة لمجابهة التحديات المفروضة من العولمة التي أكد أن لها عدة جوانب، منها السياسي، و قد بدأ بالقطبية الأحادية مع سقوط جدار برلين، ومنها الاقتصادي والتكنولوجي ، حيث جددت الرأسمالية نفسها بالثورة الرقمية ، ثورة المعلومات والاتصالات، ونجم عن ذلك منوال إنتاجي جديد تفاضلي، فتطورت الإنتاجية و انتشرت مناطق التبادل الحر والعمل عن بعد، مع تدفق الرساميل والبضائع دون تدفق الأشخاص واليد العاملة، مما أدى إلى تفاقم البطالة وهشاشة العمل، والخوصصة، وانحسار القطاع العام، وتراجع دور الدولة، وتعمق الفوارق الاجتماعية والدولية. وإذا كان للعولمة جوانب إيجابية كمسار لتدفق المعلومة، وتجديد المعارف والكفاءات وتنافسية الجودة،، فإنه لا بد من مقاومة انعكاساتها الاجتماعية السلبية، واليوم بدأنا نلاحظ أن ميزان القوى قد بدأ يتغير باتجاه تعدد الأقطاب، وإزاء كل تلك التحولات بدأت الحركة النقابية في العالم تطور نفسها بعد الصعوبات الحقيقية التي واجهتها طيلة العقدين الماضيين، وذلك قصد مواجهة التقسيم العالمي الجديد للعمل والذي انعكس علينا مباشرة فكان تأهيل الإنتاج، والإصلاحات في التربية والتعليم، لأن النمط الإنتاجي الجديد (ما بعد فوردي وتايلوري)، يتطلب حدا أدنى من الكفايات، يتمفصل مع التكوين ، مشيرا إلى أن المؤسسة الشبكة أصبحت تشغل الكوادر العليا وتترك البقية لشركات المناولة، بالإضافة إلى دخول المرأة بقوة إلى سوق الشغل، وفي تونس بدأنا نلمس أكثر تأثيرات العولمة مع الشراكة الأورومتوسطية، كما أصبحت  نسبة الاستثمارات في القطاع الخاص أكبر منها في القطاع العام، مذكرا أنه من حوالي مليون موطن شغل تقريبا من 1986 إلى 2004 فإن جزء كبيرا منهم ينتمون إلى القطاع الخاص ونسبة هامة منهم من الشباب والنساء في وضعية هشة، وهؤلاء ليسوا في الحركة النقابية فكيف نسمع أن الانخراطات في النقابات قد زادت.

وتساءل كيف تعامل الاتحاد كنموذج نقابي في التسعينات مع هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من النقابيين الصادقين والذين قدموا تضحيات عديدة تم إقصاؤهم وهو واحد منهم معتبرا أنه بدأ شخصيا مرحلة جديدة (مع تأسيس جمعية محمد علي) تقتضي إنجاز دراسات لفهم العولمة والظواهر المستجدة، لا سيما وأن العديد من النقابيين الذين اعتبرهم "أميين"، لا يدركون ما يجري من تحولات عميقة وخطيرة.

ولاحظ أنه إذا كان صحيحا أن الحركة النقابية في العالم ككل كانت تمرّ بأزمة كما هو الحال في فرنسا فقد انضاف إليها في تونس أزمة انسداد أفق من جراء وضع أشخاص غير أكفاء على رأس المنظمة، وأعطى مثالا موضوع الحوار الاجتماعي الذي يعتبر مسألة استراتيجية والذي جاء في مرحلة قيل إنها صعبة تستوجب المرونة، حيث تم توحيد لجنة المؤسسة واللجنة المتناصفة  ولجنة الصحة والسلامة،  ولكن أهم شيء في اعتقاده، أي صلاحيات لجنة المؤسسة وسلطتها الاعتبارية، والتي كان من الممكن أن تكون آلية جيدة، أقصيت وتم بالتالي إفراغ الحوار الاجتماعي من محتواه  معتبرا أن المفاوضات لم تكن سوى مشاورات فوقية، ما دام لم يقع إصلاح منظومة العلاقات المهنية المتراجعة إلى الوراء، وحمّل المسؤولية في ذلك إلى المسؤول النقابي عن التشريع في تلك الفترة معتبرا أننا وحدنا هياكل الحوار غير أننا استبقينا السلبي،  فالنقابة الأساسية المعترف بها شكليا (بالاسم) لا تتفاوض، ولا يسمح لها التشريع بذلك، وهو ما عدّه فراغا قانونيا، بل إننا تخلينا بسهولة عن  إيجابيات التشريع التونسي، وهذه هي الأشياء العملية الهامة التي رأى أنه  ينبغي الوقوف عندها  في التكوين النقابي، فقد كان المفروض إعطاء صلاحيات أكبر للنقابة ولممثلي العمال ليكونوا قادرين على التعبير والمشاركة واتخاذ القرار، غير أن العكس هو الذي حدث. ولاحظ أن ما أسماه المرونة الخارجية قد زادت حيث أعطيت تسهيلات أكبر للتسريح و في المقابل تضاعف التصلب داخل المنظمة الشغيلة، مع عدم تحديث وسائل العمل النقابي…ولئن كانت إرادة الإصلاح موجودة في مؤتمر جربة (الاستثنائي) فقد لاحظ تواصل ازدواجية الخطاب بين تقرير الأمانة العامة واللوائح العامة الحرة في إدانة الخوصصة والمناولة…

وذكر أنه سبق له أن كتب على حلقات سنة 1990 في جريدة الشعب " مساهمة في بلورة استراتيجية للحركة النقابية" ، طرح خلالها مثل هذه المسائل،  ثم أعاد طرحها مع بعض رفاقه في "الأرضية النقابية" فيما بعد، وقد أكدوا فيها على حلّين اثنين: إما إصلاح الاتحاد أو أن يكون من حقهم بعث منظمة جديدة. وهذا ما بادروا إليه فعلا بتكوين ( الجامعة العامة التونسية للشغل) التي بلغ عدد منخرطيها ثلاثة آلاف منخرط رغم كل التضييقات وعدم الاعتراف الرسمي. وهم متمسكون باستقلالية هذه المنظمة النقابية إزاء السلطة وإزاء الأحزاب سياسية (ليس كما هو الحال في المغرب) مع إرادتهم المعلنة في أن يكونوا شريكا فاعلا ضمن نقابة مواطنية، خصوصا وأن هناك تجارب أخرى ناجحة في العالم مثل بلجيكا وإسبانيا، وهذا أيضا ما يسمح به، القانون التونسي والاتفاقيات الدولية، في إطار استقلالية النضال النقابي و الدفاع عن  الحقوق الاجتماعية للعمال.

ملاحظة: ننشر في العدد القادم ملخصا للنقاش الذي أعقب هاتين المداخلتين وقد شارك فيه السادة والسيدات الطاهر شقروش وزياد الهاني ومنجية الزبيدي ومحمد الهادي التواتي وعربية بن عمار و العياشي بالسايحية ومصطفى بن أحمد و وسيلة العياري.

 

         عادل القادري

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر