في منتدى التقدم : تحديات الحركة النقابية في عصر العولمة (2 )

كتبهاعادل القادري ، في 14 فبراير 2008 الساعة: 13:32 م


نواصل فيما يلي تقديم اللقاء الذي تم في إطار منتدى التقدم يوم 1 فيفري 2008 تحت عنوان: تحديات الحركة النقابية في عصر العولمة. وقد تضمن العدد السابق من جريدة الوحدة مداخلات السيدين عبد المجيد الصحراواي والحبيب قيزة.

حرصت السيدة عربية بن عمار على إعادة محورة الموضوع والالتزام بالإشكالية الأساسية المطروحة بعيدا عن التشخيص والتشنج مذكرة بأهداف منتدى التقدم وطابعه الحواري الديمقراطي في كنف احترام الرأي الآخر، وأشارت إلى أن العمل النقابي يبقى مدرسة لنا جميعا، وإذا كان الاتحاد العام التونسي للشغل قد مرّ بأزمات فهو في ذلك ككل الهياكل.

السيد الطاهر شقروش أكد أن العولمة هي التي تتحدى الحركة النقابية وليس العكس واعتبر أنها اتساع لتأثير الرأسمالية على مستوى كوني. وقد أصبحت منذ تسعينات القرن الفارط تطرح نفسها كبديل مطلق وحيد على البشرية. ولكن اليوم حيث يلتقي في دافوس أثرياء العالم لم يعد يصدر نفس الحماس والتفاؤل وكأن الرأسمالية تعرف مأزقا خطيرا، مع أزمة الائتمانات العقارية وخسارة البورصات و البنوك العالمية أكثر من ألفي مليار دولار. وهي أزمة ليست مالية بحتة بل اقتصادية شاملة من أسعار الطاقة والمعادن إلى المواد الفلاحية. و يجدر الاعتراف أن العولمة قد وضعت حدا لنمط معين من العمل النقابي، مع انتشار الخوصصة والاستثمارات الخارجية المباشرة و رفع الحماية عن التجارة. و قد كان العمل النقابي (في تونس وغيرها من البلدان) قائما على معادلة محددة هي أقرب للمقايضة بين الدولة والنقابات التي تقبل بالنظام السياسي مقابل التزامات معينة. ولما تخلت الدولة عن دورها الاقتصادي والاجتماعي في الإنتاج والتخطيط وتوفير الشغل القار والخدمات الأساسية من السكن والصحة والتعليم والنقل، لم تعد تتحكم في شيء تقريبا، ففي المفاوضات قد تقول لك: أضمن لك الأجر فهل هي التي ستضمن استقرار الأسعار؟ والواقع أنها لا تتحكم في الأسعار وليست مطالبة بذلك. وبكلمة السوق هو الذي أصبح يحكم وليس الدولة، فالنظام الاقتصادي الجديد يتطلب نظاما اجتماعيا جديدا، لا سيما وأن الثورة التكنولوجية غيرت عالم الشغل ( العمل عن بعد، الإفراق، التنظيف والحراسة والمحاسبية… خرجت من المؤسسة حتى في القطاع العام) متسائلا أين الطبقة الشغيلة التي تكاد تتبخر؟وأين العمل القار الدائم مع انتشار المناولة والعقود؟ وهل يوجد عمل نقابي من دون عمل قار.ولكل ذلك ينبغي التفكير في أساليب جديدة للعمل النقابي مادامت الرأسمالية تتجدد ، والملاحظ عندنا أن العمل النقابي لم يتجدد. وإذا كانت العولمة تتحدى العمل النقابي في مضمونه ووجوده فإنه لم يعد بالإمكان رؤية مركزية نقابية متقوقعة أو قيادات نقابية ذات امتيازات كبرى.

السيد زياد الهاني تحدث بصفته الشخصية كصحفي عن قطاع الإعلام مؤكدا أن التحدي الأكبر اليوم  هو أولا الاستقلالية وبناء المنظمة المهنية القوية القادرة على الدفاع عن حقوق الصحفيين ومنع انتهاكها، واعتبر تكوين النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين  خطوة متقدمة لبعث اتحاد الصحفيين التونسيين الذي ستكون له الصفة النقابية لتمثيل الصحفيين والتحكم في المهنة لفرض تطبيق أخلاقياتها وميثاق شرفها، فمع العولمة طرف آخر ـ إلى جانب الصحفيين والسلط العمومية والمجتمع المدني بمختلف تشكيلاته ـ دخل المعادلة بقوة هو رأس المال، الذي يريد توظيف الإعلام كأداة نفوذ له، وهويحمل مصالح وقيم تختلف في جوهرها عن قيمنا وميثاق شرفنا كصحفيين وعن قيم السلط العمومية التي تسعى في الأصل إلى المصلحة العامة وعن قيم المجتمع المدني الذي يحمل قيما تتعامل مع الإنسان كإنسان، واختتم تدخله بتوجيه نداء إلى كل المعنيين من أجل العمل جميعا على تقوية الهيكل المهني للصحفيين،  لأن في قوة هذا الهيكل واستقلاليته ومناعته، مصلحة عامة متأكدة لكل الأطراف التي تؤمن بإنسانية الإنسان وترفض تبضيعه.

السيدة منجية الزبيدي ركزت تدخلها للرد على ما ورد في مداخلة السيد الحبيب قيزة الذي اعتبرت أنه تكلم بمنطق "أنا أو لا أحد" في حين أن الكثير من النقابيين ناضلوا وقدموا التضحيات من أجل الاتحاد والمحافظة عليه، كما أن مداخلته قد حادت عن موضوع هذه الحلقة من منتدى التقدم الذي ليس هو الإطار المناسب لتقييم الاتحاد العام التونسي للشغل خصوصا وأن الاتحاد غير ممثل بصفة رسمية في هذا اللقاء، وإن كانت لا ترى مانعا من التعامل مع المنتديات والفضاءات الفكرية الحرة والتعددية و تقبل النقد لإصلاح الذات. ولكنها احتجت بشدة على وصف النقابيين بالأمية وعلى تجريح الأشخاص (مثل إسماعيل السحباني) وشتم بعضنا البعض. ومن منطلق تجربتها النقابية الطويلة في صفوف المنظمة الشغيلة أشارت إلى أن الاتحاد هو ككل المنظمات والأحزاب والمؤسسات يتضمن إيجابيات مثلما ينطوي على سلبيات لا يمكن بحال أن تمسّ من نضاليته وتاريخه كمدرسة تكوّن فيها الجميع بمن فيهم السيد الحبيب قيزة الذي اعتبرت أنه (هو أو غيره) حر في الخروج من الاتحاد ولكن الأفضل بالنسبة إليها كان في البقاء داخل الاتحاد ومواصلة العمل والنضال من الداخل.

السيد محمد الهادي التواتي أيد ما جاء على لسان السيد الطاهر شقروش بخصوص العولمة التي أدت إلى التفريط في المؤسسات وتسريح العمال وهشاشة الشغل وكل هذه الإشكاليات معروفة ومعاشة، معتبرا أن مشكلتنا المباشرة تكمن في أن القيادة النقابية لا تقودنا إلى بر الأمان، ولكن ذلك لا ينفي أننا بدورنا قد كان لنا جزء من المسؤولية عما حدث، متسائلا: إلى متى سنبقى نستعمل الأدوات والأساليب القديمة، التي تعلمناها في المدرسة النقابية التي كنا نسميها "المدرسة العاشورية" وتلك الأساليب لم تجعلنا نشعر أننا بصدد تجاوز السلبيات، فالمنظمة الشغيلة أصبحت مرتبطة أساسا بقطاعات من الوظيفة العمومية، وكأنها اتحاد الوظيفة العمومية. أما الحل المعلن فلا يتجاوز نفس الشعارات القديمة " لا للعولمة" دون أن نعطي موقفا واضحا و صريحا منها باتجاه الحكومة. واعتبر أن تنصيب القيادات النقابية ما زال يمارس إلى اليوم، وليس هذا تجريحا في الأشخاص. ثم طرح بعض الأولويات كإعادة الهيكلة في المنظمة وقوانينها وتشبيب كوادرها بما يتماشى والأجيال الجديدة وآليات العمل الجديد، مع إعادة النظر في تعاملها مع السلطة والتخلي عن اللغة المزدوجة، وليس مجرد الترديد الخطابي لشعار الاستقلالية، معتبرا أنه ليس صحيحا أن الاتحاد أصبح مستقلا منذ أن استقال الحبيب عاشور من الديوان السياسي للحزب الدستوري كما ورد في مداخلة عبد المجيد الصحراوي. وهذا لا يعني أنه ضد التفاعل مع السلطة. ومع ذلك أكد أن التعددية ليست الحل السحري لمشاكل الحركة النقابية. ولا يرى كيف يمكن كسر المبدأ القائل في التوحيد قوة، واختتم تدخله بشكر منتدى التقدم وجريدة الوحدة وحزب الوحدة الشعبية على إتاحة فرصة اللقاء والتحاور في مثل هذه المواضيع الهامة مقترحا لقاءات أخرى للقيام بقراءات معمقة في تاريخ الحركة النقابية التونسية وأزماتها.

السيد العياشي بالسايحية أشار إلى أن العمل النقابي وجد مع الرأسمالية التي طورت أساليبها وهي ماانفكت تتحدى العمل النقابي وتستفزه، داعيا إلى ضرورة عدم التناول الأخلاقي كما جرت العادة لموضوع العولمة التي لا يمكن دراستها إلا في إطار تراكم رأس المال، وتطور الرأسمالية،  معتبرا أن للعولمة مسار قديم برز مع الحروب العالمية التي كانت محاولات لممارسة شكل من أشكال عولمة رأس المال المخطط لها. وكأنه لا وجود لنهايات فيما يتعلق بعملية التراكم الرأسمالي، وقد كان هناك رأي بأن الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية. أما مسألة التعددية النقابية التي قد تكون في نظر البعض حلا من حلول المواجهة فيمكن أن يخصص لها لقاءات أخرى. ملاحظا أن بعض المتدخلين لم يعبروا في هذا المجال عن مواقف واضحة، وذكر بأن التعامل النقدي مع القيادة النقابية حتى في عهد الزعيم النقابي فرحات حشاد كان موجودا،  أما السلطة فتبقى جزءا من المعادلة ومن ميزان القوى. والمهم بالنسبة إليه أن يقع داخل الاتحاد الالتزام بمبادئ أساسية ثلاثة ( يدعمها اليسار) وهي أن يكون الاتحاد مناضلا ومستقلا وديمقراطيا، ولا يمكن البحث عنها خارجه، حتى  يحافظ على إشعاعه وطنيا وعربيا ودوليا…

السيد مصطفى بن أحمد دعا إلى القطع مع الثقافة البكائية والوقوف على الأطلال، فالقطاع العام لم يعد  في ظل المقاييس الجديدة التي رسمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، قابلا للحياة، فلقد اهترأ مع الانفتاح والحدود المخترقة، وحتى الصين دخلت في المنظومة، وليس لنا في هذا الواقع ناقة أو جمل. لأن التفاوت الحضاري والثقافي والاقتصادي والسياسي هو الذي فرض أن قيادة العولمة تأتي من البلدان التي حققت نسقا ونموا كبيرا، أما العولمة فليست مرتبطة فقط بالعمل النقابي بل إنها نسفت كل آليات المجتمعات التقليدية وبناها. فالحركة السياسية اليوم في أزمة، والدولة نفسها تتشبث بآخر مواقعها للتأثير… ولذلك يمكن القول إن الحركة النقابية قد فوجئت باحتداد المواجهة ودخلت في التجريبية، كارتباطها بحركات مناهضة العولمة التي أصبحت تعبر وتعبئ أكثر من الأحزاب،  وتوحيد المنظمات النقابية العالمية. أما بخصوص الوضع النقابي في تونس فعبر عن انزعاجه من أي قراءة مستسهلة ومشخصة للتاريخ، معتبرا أن أغلبية النقابيين قد شاركوا في صنع قيادة التسعينات (السحباني) والاستفادة منها، وهي التي كانت تمثل أيضا جسر تحالف مع السلطة ضد الإسلاميين الذين كان همّ اليسار الأول التصدي لهم. ولئن غلب الطموح على النقابيين (وهو من بينهم) أبناء المنظمة و التطبع بسياسة الجهاز وفكره وضغوطه، واستفادوا بدرجة أو بأخرى من قلة الديمقراطية والمركزية المفرطة…، فإنه ينبغي الاعتراف  بأن مؤتمرات الاتحاد الأخيرة (جربة والمنستير) كانت من الناحية الانتخابية على الأقل ديمقراطية. وإذا كنا قد ساهمنا في وضع قوانين اللعبة (السيئة) فعلينا أن نحترم النتائج إذا خسرنا. وتساءل عن جدوى الاكتفاء بتحميل الاتحاد مسؤولية التفويت في حين أن الدولة بكل مؤسساتها لم تكن قادرة على الوقوف في وجه الموجة… فيكف سيكون للاتحاد القدرة على الحفاظ على ممتلكاته، مستغربا البكاء على نزل أميلكار دون تقديم أي تصور للتصرف الأمثل، في حين أن لنا أكثر من عشرين سنة ونحن نقول إن هذا النزل يعاني من سوء تسيير وتصرف وأصبح يمثل عبئا على الاتحاد (ديون بسبعة مليارات…)… وأكد أن الخطأ ينطلق معالجته من الكل بمستويات متفاوتة، لأن المسؤولية جماعية ونتحملها جميعا،  بينما اعتبر أن الاستقلالية مسألة نسبية تتمطط حسب موازين القوى، وإذا كانت الاستقلالية قد ضعفت اليوم فذلك لأن المجتمع المدني التونسي كله ضعف،  فالجامعة التي كانت حليف الاتحاد الموضوعي والأساسي وقاومت سنوات 1978 و985 أصبحت غير موجودة، و الأحزاب السياسية بمختلف تصنيفاتها هي أيضا مرتهنة ومحاصرة ومصادرة القرار، فلماذا يلقى العبء كله على الاتحاد؟ أما فيما يخص التعددية، فأشار إلى تجربة المغرب وما تعانيه من تشتت وتشرذم يدفع اليوم النقابيين المغاربة إلى اعتبار التعددية النقابية أكبر مصيبة يعانون منها، وهم بصدد البحث عن صيغ التوحيد. وتساءل بالنسبة إلى تونس هل تكون التعددية عبر تقسيم الاتحاد أي بخلق انشقاق داخل الاتحاد وهي محاولات لم تنجح فيها حتى الدولة التي انخرطت في الليبرالية الاقتصادية، لأن الاتحاد ظاهرة اجتماعية عميقة مغروسة، أم أن التعددية الحقيقية هي توسيع التمثيل النقابي داخل الاتحاد لأن أكثر من 70 بالمائة من العمال التونسيين غير مؤطرين،وهذا ينبغي أن يكون موضوع حوار وطني.

السيدة وسيلة العياري دعت إلى التعمق في التجربة الرائدة لدول أمريكا الجنوبية بإعادة قراءة موضوعية للأزمات وردّ الاعتبار للعديد من المكاسب والإرث النقابي الذي نعتز به وتحيين القوانين والأنظمة الداخلية للمنظمة الشغيلة وفق التغيرات العالمية التي صرنا متخلفين عنها، مع الابتعاد عن الشعارات الفضفاضة وتقديم حلول فنية عملية تأخذ بعين الاعتبار  تغير نوعية العلاقة من طرف مشغل عمومي إلى طرف مشغل خاص (بما فيه الأجنبي) والتوجه إلى إقرار اتفاقيات إطارية مشتركة في قطاعات هامة ( كالفلاحة وعمل المناولة… ) وإمكانية القيام باستشارة موسعة موضوعية وديمقراطية بين النقابيين وحاملي الهم النقابي للخروج من الأزمة التي لا يمكن تجاهلها أو إنكارها.

 

              عادل القادري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر