برهان بسيّس في منتدى التقدم : المثقف والسياسي

كتبهاعادل القادري ، في 28 أبريل 2008 الساعة: 16:39 م

borhanنظم منتدى التقدم يوم الجمعة 11 أفريل الجاري بمقر جريدة الوحدة لقاء فكريا مع الأستاذ برهان بسيّس حول " المثقف والسياسي". وقد أشرف على افتتاح هذا اللقاء

الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية السيد محمد بوشيحة الذي أشار في كلمته بالخصوص إلى أهمية التكامل بين المثقف والسياسي وبين الدولة والمجتمع المدني لضمان مستقبل أفضل لتونس ولترسيخ قيم الحداثة والعقلانية والتسامح ومبادئ الحوار واحترام الرأي الآخر، منوها بالمكانة التي أصبحت توليها الدولة للمثقفين والثقافة وبالإجراءات الرئاسية الأخيرة لدعم حرية التعبير والإبداع، داعيا إلى تعزيزها أكثر. وقد شارك في فعاليات المنتدى عدد من المثقفين التونسيين من بينهم السادة محمد الجابلي وأحمد الكحلاوي وعادل المعيزي وبحري العرفاوي و رضا بن حسين، وتولى الأستاذ عبد الرحمان كريم التعقيب على محاضرة الأستاذ برهان بسيّس التي كانت بعنوان "سوسيولوجيا اتجاهات النخبة التونسية" وفيما يلي نصّها:

 

العنوان واسع ومفتوح على أكثر من مقاربة ممكنة ليس أقلها الاستغراق في تعريفات نظرية لمصطلحات: المثقف، النخبة، الانتلجنسيا، الحقل السياسي… الخ.

أهداف هذه الورقة تعلن على نفسها من منطلق الوضوح والتدقيق المنهجي من خلال إشكالية واضحة ورئيسية سنحاول تناولها منزّلة في اللحظة والمكان: تونسيا الآن وهنا.

تاريخ التحول في علاقة المثقف بالمنظومة السياسية الرسمية تحديدا وارتباطاتها بمسار تحولات السياسة عموما في بلادنا.

نحن الآن في جوان 1981 : شيخان ملتحيان صحبة بعض الأنصار يعلنان في ندوة صحفية تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي : شرخ مهم في الصورة النموذجية التقليدية التي هيكلت المنشأ الثقافي الموحد للنخبة التونسية المشتغلة في الشأن العمومي أو السياسة . وفي استرداد تاريخي لتاريخية هذا المنشأ نقف على تأثير عناصر موحدة ومشتركة في بلورة اتجاهات نخبة تونسية تعددت وتناقضت ولكنها ارتوت من نفس الجذور: التعليم والمدرسة بفرعها الفرنسي ذلك الذي أنتج نخبة الحركة  الوطنية التونسية: قيم التحديث والليبرالية السياسية والاجتماعية مع الإيمان يقيمة الدولة / الأمة…

ثم التعليم العصري الموحد في الصيغة التي أنتجتها الدولة الوطنية المستقلة الذي أعطى الدولة كادرها المثقف وموّن معارضتها بمثقفها العضوي الملتزم : لم يكن من الصدفة أن أهم فضاء على الإطلاق استقطب ولخّص في حدوده أقصى ثراء تجربة الحراك النخبوي مقاربات وصراعات وتهيكلات سياسية لم يكن الفضاء المدني الشولي للحراكات التقليدية للحركات الاجتماعية الكبرى (نقابات العمال أو الأحزاب السياسية أوفضاءات الطبقة) بل كان الفضاء المتصل بشكل من الأشكال بالتعليم أي الجامعة : التجربة التاريخية لحركة الطلاب التونسيين.

النخبة التونسية ابنة منشئها التعليمي الليبرالي الفرنكفوني ذاك الذي أعطى المرجع العقائدي والسياسي للحزب الدستوري الجديد وقيادته التي تحملت مسؤولية الحركة الوطنية، أو الوطني المتبعثر بين رؤية مستقرة على انبهارها بنموذج الفرنسة وأخرى متحمسة للتعريب تلك التي أعطت الملمح الخصوصي لنخب ما بعد الاستقلال الموزعة بين مواقع السلطة ومواقع المعارضة اليسارية والقومية تحديدا.

الرأسمال الرمزي الملخص في الأفكار والعقائد ومنهج الرؤية والتمثل لنموذج الدولة والمجتمع، الرأسمال الذي كوّنته الايديولوجيا البورقيبية هو الذي قسّم نفسه كميراث على مجمل اتجاهات النخب السياسية التونسية: قضايا الزعامة، التداول، التباس الموقف في الهوية، الدين كتيار تحديثي ليبرالي أكثر منه يسار اجتماعي ثوري طبقي، تيار قومي تونسيته أكبر من عروبته.

وإذا كان التعليم هو المنشأ الثقافي لهذه النخبة فإن البرجوازية الصغيرة هي منشأها الطبقي.

الصورة حافظت على امتدادها من ميراث الحركة الوطنية إلى ميراث الحراك الاجتماعي في ظل الدولة الوطنية.

هذا الانسجام والتواصل هو ما يفسر ثبات نفس قواعد اللعبة الاجتماعية والسياسية في البلد على مراحل طويلة بشكل أصبح يوحي فيه للمتابع بمعاني المحافظة والجمود والروتين المثبط في اشتغال النسق.

الارتواء من نفس المرجع الثقافي والطبقي هو ما يفسر حركة التناوب المتبادل في المواقع بين فاعلي النخب التونسية بين موقعي الدولة ومعارضتها حتى ما تبدو أكثرها راديكالية لأنه لا يوجد ما يبرّر الصدامية القطعية من ناحية قوانين الصراع والتناحر الحدي للمقدمات.

ـ ملاحظة: أهم الحركات السياسية المعارضة في التاريخ السياسي التونسي المعاصر خرجت من رحم حزب الدولة، كوادر وزعامات، كما أن أهم الانتدابات التجديدية داخل حزب الدولة اعتمدت استقطاب عناصر معارضة تحوّلت إلى مواقع قيادية داخل السلطة نفسها.

هذا يعطي مؤشرات خاصة لطبيعة الحقل السياسي التونسي كحقل متجانس، مرن، منسجم إلى حدّ ما. بما يفسر ما قد يبدو من جمود ومحافظة وتأخر في نسق الاتجاه نحو الدمقرطة والتعددية. إذا ما علمنا أن هذا الاتجاه يتسارع ويتقوى كلما كانت التناقضات أقوى والصراعات أشدّ وفق مرجعيتها الرئيسية ثقافيا وطبقيا وهو ما لا يتوفر في الحالة التونسية من خلال التشكيلات التقليدية للنخب التونسية تدى في حالة واحدة التي جاءت بنموذج المثقف الإسلاموي في صيغته المتعددة: الحركي، السلفي، الجهادي. ذاك الذي يمثل قطب التناقض الوحيد مع النموذج النخبوي السائد بفعل الإفضاءات الطبيعية لتناقضات المنشأ في الثقافة والتجذر والاتصال (لا المنشأ) في الطبقة.

مرونة وخفة حركة المثقف الإسلاموي أنه في انطلاقه من المطلق الديني كمرجع و وسيلة وهدف قادر أن يكون مثقفا مخترقا للطبقات متكيفا مع كل المواقع و اضعا مشروعه في خدمة كل الأقطاب التي يتوجّه لها مشروعه.

الإسلاموية التونسية هي التي شكّلت أكبر انشقاق حقيقي في الحركة النخبوية التقليدية السائدة في المجتمع التونسي وهذا ما يفسّر حدة المواجهة التي خيضت ضد هذه الإسلاموية، والتي عكست لقاء بنية نخبوية سائدة متجانسة رغم تناقضاتها الشكلية تكتلت في مواجهة طارئ زاحف ولد على هامش الجسم التقليدي للنخب التونسية.

كل الأطياف ـ ولا أحد تخلّف ـ شاركت في هذه المواجهة، بل إنه سادت في لحظات تصاعد الاحتكاك مع المشروع الإسلاموي تعريفات إجرائية في النظرية والواقع لمهمة المثقف العضوي مختزلة في صدّ النزعة الإسلاموية وهو اجتزاء على أهمية مشروع المواجهة خلق حالة من الفصام بين صورة نظرية لمثقف عضوي محتج مطلقا بالتعريف ضد كل أشكال الوصاية. ولكن مختزل في الواقع بحكم ملابسات اللحظة التاريخية في مهمة واحدة: مواجهة الإسلاموية الصاعدة.

ـ هذا التحدي الجديد هو الذي فتح الباب، كما بعد تغيير السابع من نوفمبر إلى عقد صفقة الميثاق الوطني غير المعلن بين الدولة وقطاع من النخب المثقفة ذات المرجع العقائدي اليساري أو الليبرالي قوامه انتداب بعض كوادر هذه النخب لتمنح صلاحيات الدولة التنفيذية لتحقيق مهمة التجديد أولا ولكن في سياق مهمة رئيسية واحدة: مواجهة التحدي الإسلاموي.

ـ لا أعتقد أن في الأمر مقاولة أو متاجرة، هي تبادلات في المواقع منسجمة مع تناغم الخلفية الايديولوجية والثقافية والعقائدية بين خط السير النخبوي للدولة وفروعها المعارضة التي تشكل الخط النخبوي التقليدي السائد : مثلت تجربة وزير التعليم العالي الأستاذ محمد الشرفي تلخيصا متميزا لهذا الاتجاه.

ـ التكنوقراط لا يمكن أن يكون جندي هذه المعركة ضد خصم عقائدي في خطورة وتمساك الإسلاموية السياسية لكن في اللحظة التي خفت فيها هدير هذه المعركة بالصياغت التي نعرفها استرجع التكنوقراط زمام المبادرة لفائدة عشرية إعادة الهيكلة الاقتصادية والتحولات النوعية لاقتصاد معروض أمام رياح المتغيرات. لا خلفية ثقافية لهذا التكنوقراط سوى عقيدة الملف وتوازنات الأرقام لكن بنفس طموحات الارتقاء الطبقي التي تسكن الكوادر العليا للطبقة الوسطى الحالمة أبدا بفرص الارتقاء عبر بوابة برجوازية الدولة.

النصف الثاني من حقبة التسعينات لم تكن فقط عنوان هزيمة الإسلاموية السياسية في صيغتها الحركية التقليدية (النهضة) بل وأيضا إعلان انتهاء صلوحية دور المثقف الايديولوجي داخل منظومة النسق الرسمي الذي أنجز مهمته وحان الوقت أن ينسحب لفائدة " تقنيي اللف" .

مرحلة تقييم ونقد ذاتي فتحت، اختلط فيها وخز الضمير بالإحباط والتقييم الموضوعي بجلد الذات وسادت مرحلة من الشك في معنى دور المثقف والعلاقة بالسياسي تجاه حقيقة الهزيمة سياسيا وأخلاقيا: هزيمة دور وهزيمة صورة. (كاسات حمة…) مواصلة لعب دور الداعية.

الآن: الاقتصاد المتحول بدأ يعطي التباشير لصورة مجتمع تونسي جديد لا عهد للنخبة التقليدية به ولا قدرة للتكنوقراط على النفاذ إلى كنه أسرار ظواهره وتوازناته الجديدة.

التكنوقراط يفهم أسرار تقلبات سوق الطاقة العالمي ولكنه لا يفقه كثيرا في خلفية سلفنة مجتمع حديث.

ما العمل : ألا يزال للمثقف دور في المعادلات الجديدة؟

عندما أقول دور أنا أقصد دور للمثقفين داخل منظومة الرسمي… فأنا لا أؤمن بغير هذا الدور بمنطق النجاعة والتغيير الواقعي في ظل التشوهات التقليدية لنماذج المجتمعات التابعة التي تقف منها الدولة كأهم مؤسسة وتنظيم سياسي ومدني ما فوق التشكلات البدائية الما قبل حديثة.

الدولة في بلد مثل تونس هي التي خلقت مجتمعها ومؤسساتها حتى المعارضة واقتصادها، نحن مجتمعات مدولنة مؤممة ـ ليست بالصيغة التي نريد أن نصف بها وضع استبداد بل بصيغة توصيف لواقع حال قائم علينا التعامل معه.

ـ المهمة اليوم في تقديري هي ما أسميه فتح الثغرة من أجل أن يسترجع المثقف إمكانية لعب دوره داخل النسق الرسمي لا كطابور خامس بلا صلاحيات غير تبريرية الولاء ـ هذه تسقط مباشرة صفة المثقف ـ ولكن بعقيدة إكساب الروح النقدي حظه من التموقع داخل المنظومة الرسمية التي تتطير تقليديا وطبيعيا من هذه الروح في اللحظة التي يتأكد فيها ألا مواجهة ناجعة للتحديات المطروحة على مجتمعنا اقتصادا وسياسة إلا بمساحة ضرورية لهذا الروح النقدي داخل المنظومة الرسمية ولفائدتها بل لفائدة مجتمع بأكمله وهذا ما لا يستطيع التكنوقراط إنجازه، بل يتمّ عبر بوابة وحيدة: استئناف دور المثقف في لحظة تبدو فيها كلمة السرّ في الكواليس: مثقف اليوم لم يعد يملك أن يقوم بذلك الدور، لا لضعف فيه بل لزوال الحاجة إليه !!!

   

   جريدة الوحدة

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر