الهجرة المجهضة والإرهاب

كتبهاعادل القادري ، في 3 مايو 2008 الساعة: 12:13 م

 

immigr

الربط بين الهجرة والإرهاب ربط معكوس يقلب الحقائق أو على الأقل هو ربط قاصر، غالبا ما اتخذ في السنوات الأخيرة اتجاها واحدا، يشهد عليه انعقاد عشرات المؤتمرات الدولية وإمضاء الاتفاقيات المتعددة والثنائية من أجل ما يسمى بضبط أدفاق الهجرة من بلدان الجنوب إلى بلدان الشمال بهدف ضمان أمن أوروبا وأمريكا الشمالية، أما الهجرة المضادة أو الهجرة المجهضة فتلك مشكلتنا وحدنا وعلينا تحمل تبعاتها بمفردنا وإلا حامت حولنا البوارج الحربية وحاملات الطائرات والقواعد العسكرية وفروع المكاتب الاستخباراتية الأجنبية.

 ويبدو لنا الرأي القائل بأن  انفتاح أبواب الهجرة هو أهم أسباب تزايد أخطار الإرهاب مجرد مزاعم لا تثبتها الوقائع، والأرجح أن انسداد أبواب الهجرة بأنواعها الواحد تلو الآخر هو العامل الرئيسي بل السبب العميق لتصاعد التهديدات الإرهابية عندنا، بقطع النظر عن تأثير فكر " القاعدة " المزعومة وتعليماتها التي لا تمثل إلا فتائل الاشتعال للقنابل البشرية المؤقتة في ديارنا، بعد استفادتها تنظيميا من مزايا العولمة (سرعة الاتصالات) وايديولوجيا من مساوئها (عودة الاستعمار المباشر وبروباغندا المحافظين والفاشيين الجدد عن صدام الحضارات والأديان ).

ولا ينبغي أن نبالغ في تقريع الذات وتحميل مسؤولية الإرهاب على فشل مشاريع دول الاستقلال في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي التحديث السياسي والمدني (الديمقراطية وحقوق الإنسان) والثقافي (نشر الفكر العقلاني) عندنا، لأن تاريخ العالم بأسره يشهد أن الهجرة كانت متنفسا ديمغرافيا واقتصاديا وروحيا لجميع المجتمعات البشرية التي لم يخل أي منها من مجاعات وأوبئة ومظالم اجتماعية واستبداد سياسي واضطهاد عقائدي، بل إن أعرق مجتمع ديمقراطي وصناعي حديث ما كان له أن يستقر ويزدهر دون هجرة. فقد شكلت الهجرة البشرية التلقائية أو الإضطرارية أو المنظمة أو الاستيطانية، مع تنقل رؤوس الأموال والسلع، إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وغيرهما من المستعمرات القديمة في إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، حائلا أوليا دون تفاقم أسباب الانفجار الاجتماعي و السياسي داخل المجتمع البريطاني المفعم بعوامل الصراع الطبقي والمذهبي.

وفي المقابل أحكمت أوروبا خلال السنوات الأخيرة إغلاق أبوابها البحرية في وجه المهاجرين المغاربة والأفارقة غير الشرعيين ومعظمهم من العاطلين عن العمل، ولم يعد من النادر إطلاق النار عليهم أو حتى حرقهم (مثلما وقع في إيطاليا) قبل وصولهم  إلى
" شط الأمان" أو إلقائهم في عرض البحر طعاما للأسماك (مثلما حدث أكثر من مرة قرب السواحل " الإسبانية" ). كما لم تترك أوروبا ـ بعد سن دولها المعنية قوانين جديدة متعلقة بالجنسية والهجرة مثل قوانين باسكوا وساركوزي ـ لحكومات الضفة الجنوبية للمتوسط أي منفذ لما تعتبره تقاعسا عن احتواء مشكلة الهجرة غير الشرعية، وذلك سواء باتفاقيات ضاغطة أو بتهديدات مضمرة وعلنية
بالتدخل العسكري لمراقبة شواطئ الانطلاق.  

وجدير بالتذكير أن الجيل الحالي من شبابنا هو أقل حظا بكثير في هذا المجال من الأجيال السابقة للمهاجرين في الفترة الممتدة من الخمسينات إلى السبعينات سنوات الازدهار الأوروبي " المجيدة "،  وهؤلاء ليسوا من أصحاب الشهادات العليا، ولم يكونوا مضطرين ـ قصد الإقامة في بلد أوروبي ـ  إلى ما يعرف اليوم " بالحرقان " بعد انسداد أفق الهجرة الشرعية إلا للقلة القليلة من النخبة العلمية والتقنية المختارة إلى جانب بعض الحالات العائلية والزيجات "المحظوظة". وقد ازداد الأمر سوءا بالتدريج مع توسع الاتحاد الأوروبي شرقا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في نهاية الثمانينات من القرن الفارط، وحين تنغلق عندنا فرص " الحرقان " بعد انغلاق فرص الهجرة الشرعية إلى الخارج، تكثر فرص " الاحتراق " والقنابل البشرية المؤقتة في الداخل. وتكفي حادثة واحدة أحيانا لتحرق لنا موسما سياحيا كاملا. بما من شأنه أن يعمق أزماتنا في ظل علاقات دولية مختلة وظالمة وفي مرحلة بدأت فيها بعض دول الشمال تشّمر عن ساعدها الأيمن المتطرف (الصاعد في الانتخابات الأخيرة) لاستئناف سياسة النهب والغزو للموارد الطبيعية ولهف الصفقات الضخمة بعد أن استنفذت في عقود سابقة أغراضها وحاجتها من طاقاتنا البشرية الشابة المهاجرة والرخيصة.

ولكل ذلك استبشر بعضنا وتنفس الصعداء، وربما أكثر من اللازم،  بما أصبحت تلّوح به إلينا بعض تلك الدول مثل إيطاليا وفرنسا من اعتماد سياسة الكوتا الدنيا (بضعة آلاف سنويا) لتنظيم تدفق المهاجرين.  والأكيد أن ملف الهجرة والإرهاب الحارق لنا قبل أن يكون حارقا لهم يتطلب خلال المفاوضات واللقاءات المتوسطية وغيرها تنسيقا وتوحيدا أكبر في هذا المجال بين دولنا المغاربية من أجل ضمان حقوق شعوبها، وهي المستهدفة جديا (ولا تغرنا هنا الضحكات والمجاملات الديبلوماسية ) والمطالبة قبل فوات الأوان بتجاوز الإشكاليات العالقة بينها وعدم الرضوخ لأي نوع من الابتزاز السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي  ومواجهة المحاولات المتنامية والمتنافسة لشق صفوفها وتقسيمها.

       عادل القادري  (جريدة الوحدة) 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر